Logo Logo
الرئيسية
البرامج
جدول البرامج
الأخبار
مع السيد
مرئيات
مع السيد
البرامج الميدانية
البرامج التخصصية
برامج السيرة
البرامج الثقافية
برامج الأطفال
البرامج الوثائقية
برامج التغطيات والتكنولوجيا
المزيد

الحسين والعبّاس: الإيمان والثَّورة حتّى الشَّهادة

20 نيسان 18 - 16:05
مشاهدة
839
مشاركة

[خطبة الجمعة]

الحسين والعبّاس: الإيمان والثَّورة حتّى الشَّهادة

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.

شهر الرّسول(ص)

إنَّ من دواعي الشكر والحمد لله، أن منَّ علينا فبلغنا شهر شعبان؛ هذا الشّهر الذي نسبه رسول الله(ص) إليه فجعله شهره.

وقد ورد في سيرته(ص)، أنّه كان إذا دخل شهر شعبان، يأمر منادياً أن ينادي في المدينة: "يا أهل يثرب، إنّي رسول الله إليكم، ألا إنَّ شعبان شهري، فرحم الله من أعانني على شهري".

وإلى ذلك، أشار الإمام زين العابدين(ع) في الصَّلوات المرويّة عنه: "اللّهمَّ وهذا شهر نبيّك سيّد رسلك شعبان، الّذي حففته منك بالرَّحمة والرّضوان، الذي كان رسول الله(ص) يدأب في صيامه وقيامه، في لياليه وأيامه. اللَّهمَّ فأعنّا على الاستنان بسنَّته فيه، ونيل الشَّفاعة لديه، حتى ألقاك يوم القيامة عنّي راضياً، وعن ذنوبي غاضياً، قد أوجبت لي منك الرّحمة والرضوان، وأنزلتني دار القرار، ومحلّ الأخيار".

ولذلك، نحن مدعوّون في هذا الشهر أن نستنّ بسنّة نبيّنا(ص)، ونتقرّب إلى الله فيه بالأعمال الواردة، من الصيام والصلاة والذكر والاستغفار والدّعاء. وفي ذلك، أدعوكم إلى الاستزادة من قراءة المناجاة الشعبانيّة لأمير المؤمنين(ع)، وإلى التصدّق، حيث ورد في الحديث: "من تصدّق بصدقة في شعبان، ربّاها الله تعالى كما يربّي أحدكم فصيله، حتى يوافي يوم القيامة وقد صار مثل أحد"، وإلى إحياء العديد من لياليه.

وهنا، لا بدَّ من الإشارة إلى أهمية إحياء ليلة النصف من شعبان، فقد ورد في الحديث: "هي أفضل اللّيالي بعد ليلة القدر، فيها يمنح الله العباد فضله، ويغفر لهم بمنِّه. فاجتهدوا في القربة إلى الله تعالى فيها، فإنَّها ليلةٌ آلى الله عزَّ وجلَّ على نفسه أن لا يردَّ سائلاً فيها ما لم يسأل الله المعصية". وما زاد من شرفها، أنّه فيها ولد الإمام المهدي(عج).

مناسبتان ووقفة

وقد تميَّز هذا الشَّهر أيضاً بالعديد من المناسبات الكريمة العزيزة، الّتي تذكِّرنا بمسؤوليّتنا، وتربطنا ممن جعلهم الله سبحانه وتعالى أسوةً لنا وقدوة.

ونحن اليوم سنتوقّف عند مناسبتين من مناسبات هذا الشّهر الفضيل؛ المناسبة الأولى، هي التي مرت علينا في الثّالث منه، وهي الولادة المباركة لسبط رسول الله(ص) وسيد شباب أهل الجنة، الإمام الحسين بن علي(ع)، والمناسبة الثانية، هي في الرّابع من هذا الشّهر، وهي ذكرى ولادة العباس بن أمير المؤمنين(ع).

ونحن عندما نذكرهما اليوم، فلكي نستحضر كلّ المعاني والصفات التي اتّصفا بها. ومن ينظر في سيرتهما، يجد الكثير من الصّفات التي التقيا عليها، وهي حبّ الله وعبادته، وحسن الخلق والبطولة والشّجاعة والإيثار والتّواضع. ونحن في هذا، لا نتوقف عند كلّ الصفات التي التقيا عليها، بل عند خاصيّة جمعتهما، واستشهدا من أجلها، وهي الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وإصلاح أمّة رسول الله(ص) على المستويات كافّة. وهذا الهدف، هو الّذي عبَّر عنه بوضوح الإمام الحسين(ع): "إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر... فمن قبلني بقبول الحقّ، فالله أولى بالحقّ، ومن ردَّ عليَّ، أصبر حتى يحكم الله بيني وبين القوم الكافرين".

وعندما قال: "ألا ترون إلى الحقّ لا يعمل به، وإلى الباطل لا يتناهى عنه".

ثم ليقدِّم خلاصةً لموقفه من الواقع بما عبَّر عنه(ع): "ألا وإنَّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشَّيطان، وتركوا طاعة الرَّحمن، وأظهروا الفساد، وعطَّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله وحرَّموا حلاله، وأنا أحقّ من غيَّر".

الحسين الثّائر

لم يكن الإمام الحسين(ع) ليترك كلّ هذا الواقع الفاسد من حوله، ويجلس جانباً على التلّ لينتظر ما يجري، أو ليقلب كفّاً على كفّ على ما يجري، أو ليرضخ للأمر الواقع ويقبل به، بل كان يرى أنَّ من مسؤوليته الشرعية والأخلاقية تجاه الناس، أن يواجه هذا الواقع المستبدّ والظالم.. وقد عبر عن هذه المسؤولية عندما قال: "أيها الناس، إني سمعت رسول الله يقول: "مَن رأى منكُم سُلطاناً جائِراً، مُستحلاً لحرم الله، ناكثاً بعَهدِه، مُخالِفاً لسنّةِ رسولِ الله، يَعملُ في عبادِه بالإثمِ والعدوانِ، فلم يغِرْ عليهِ بقولٍ ولا بفعلٍ، كان حَقّاً على الله أن يُدخِله مَدخلَه"، أي معه في النار.

وليس من العجب، أنَّ الحسين(ع) الذي كان من رسول الله(ص)، وكان رسول الله(ص) منه، أن يبذل دمه ودم أصحابه، ويضحّي بكلّ شيء، حفظاً للإسلام من الزّيغ والتَّحريف، وحفظاً لعهده من النّكث، ولخلقه من الظّلم.

لقد كان الحسين(ع) قادراً لو سكت وتراجع، أن يبلغ الخزائن، وتفتح له الأبواب، كان يكفيه أن يوافق على يزيد الحاكم الفاسد القاتل للنّفس المحترمة، وأن يضع في الصّندوق ورقة تأييد له واعترافاً به، لكنه لم يفعل، وقال بكلّ وضوح: "ومثلي لا يبايع مثله". وعندما خيِّر بين الموت والتّوقيع على اختيار الفاسد والظالم والقاتل، لم يتردَّد في أن يختار الموت، على أن يسجِّل في حياته أنه ساهم في إيصال من لم يستحقّ أن يصل، وقال: "إِنِّي لا أرَى المَوتَ إلّا سَعادةً، وَالحَياةَ مَع الظّالمين إِلاَّ بَرَماً".

العبّاس: صلابة وإيمان

وهذا الموقف العزيز، هو الّذي استهداه العباس(ع)، فقد كان في الموقع نفسه مع أخيه الحسين(ع)، بعدما شربا معاً من نبع الإسلام الصّافي، من نبع عليّ(ع) ، فوقف مع أخيه حتى استشهاده، فكان كما نقرأ في زيارته: "العبد الصَّالح، المطيع لله ولرسوله، وللحسن والحسين". وهو في ذلك لم يتراجع عن هذا الموقف حتى في أقسى اللّحظات.

وقد جاءت له فرصة النّجاة في يوم عاشوراء، حيث تذكر السّيرة أنّ الشّمر بن ذي الجوشن نادى في هذا اليوم: أين بنو أختنا، أين العبّاس؟ - فقد كانت له قرابة العباس لجهة أمِّه (أم البنين) - إلّا أنَّ العباس رفض آنذاك أن يجيبه. لكنَّ الحسين(ع) قال له: أجبه وإن كان فاسقاً، فإنه بعض أخوالك. وعندما عرض عليه الشِّمر الأمان من عبيد الله بن زياد، كان العباس حازماً وصلباً، فقال: يا عدوَّ الله، أتعطيني الأمان ولا أمان لابن بنت رسول الله؟.

والأمر نفسه كان حصل في ليلة عاشوراء، عندما أحلَّ الحسين(ع) البيعة لأهل بيته وأصحابه، وقال لهم: "هذا اللَّيل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً"، وانجوا بأنفسكم، "فإنَّ القوم لا يريدون غيري"، وقف العبّاس يومها وقال: أأبقى بعدك يا بن بنت رسول الله؟ لا والله، حتى أجاهد بين يديك.

لقد شارك العباس أخاه الحسين(ع) في مشروعه التَّغييريّ، فهو كان مؤمناً بالهدف الَّذي لأجله انطلق الحسين(ع)، فكان قائد لوائه وعضده وسنده. وهو في ذلك، لم ينطلق من باب الأخوَّة بالمعنى العائليّ، بل لكون الحسين كان بالنّسبة إليه إماماً ومعبّراً أصدق تعبير عن تطلّعات رسالته التي تدعو إلى أمّة خالية من الظّلم والاستبداد وتقوم على العدل والحريّة.

وقد أشار الإمام الصّادق(ع) إلى روحيّة العباس(ع) ومنطلقاته، عندما قال: "لقد كان عمّنا العبّاس بن عليّ نافذ البصيرة، صلب الإيمان، جاهد مع أبي عبد الله، وأبلى بلاءً حسناً، ومضى شهيداً".

هدف ثورة كربلاء

إذاً، قضيّة الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتغيير الواقع الفاسد والظّالم، كانت في صلب ثورة كربلاء وسيرة الإمام الحسين(ع) وأخيه العباس(ع). ومن هذا المنطلق، فإننا نرى أنفسنا معنيّين بهذه القضية، فهي تمثل ركناً أساسياً في التعبير عن صدق إيماننا وحبّنا لأهل البيت(ع)؛ أن نكون حسينيّين وعباسيين، أن نكون من السّاعين إلى إصلاح واقعنا، أن ننتفض على كلّ فاسدٍ وظالمٍ ومنحرف، أن لا نقبل به مهما كان شأنه، ومهما كانت طائفته ومذهبه، فهناك قطيعة بين الحسين(ع) والعبّاس(ع)، وبين الفاسدين والمفسدين والظّالمين واللّاعبين بمصالح النّاس، وهذه هي دعوة الله عندما قال: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}، {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.

فالله سبحانه لا يريد الإنسان الضَّعيف، حيث الحديث: "إنَّ الله ليبغض المؤمن الضَّعيف الّذي لا دينَ له، الذي لا ينهى عن المنكر ويترك المعروف".

فريضة مطلوبة

إنَّ كثيراً مما نعانيه من فسادٍ وطغيانٍ وظلمٍ وانعدامٍ للبركات والخيرات، يعود إلى تركنا هذه المسؤوليَّة وتغاضينا عنها، حتى إنَّنا بتنا نمرّ على المنكر وكأنّنا لم نر شيئاً، وحتّى دون الاستنكار القلبيّ.

مع أنّ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر وإصلاح الواقع ليس خياراً، بل هو واجب، تماماً كما هي الصَّلاة والصّوم والحجّ، بل هو من أوجب الواجبات، لأنَّ به تقام الفرائض، وتأمن المذاهب، وتحلّ المكاسب، وتعمر الأرض، وينتصف من الأعداء، ويستقيم الأمر، كما ورد في الحديث: "من رأى منكم منكراً فلينكره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان".

إنَّ علينا أن نبقى حاضرين في السَّاحة، أيّ ساحة، لممارسة هذه الفريضة، وبالحكمة المطلوبة، فلا بدَّ من أن يشعر الظالم والمنحرف والفاسد بعاقبة ما ارتكبه، وأن لا يطمئنّ الفاسدون والظالمون إلى ارتكاباتهم التي إن لم تحاصر، فسوف تمتدّ إلى كلّ واقعنا، وعلى المستويات كافّةً.

لقد صدق الإمام الحسين والعبّاس(ع) عهدهما مع الله، فلنصدق عهدنا مع الله، لنكون المصداق للآية الكريمة: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}.

ولنحذر أن نكون ممن ورد فيهم الحديث: "لا تتركوا الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، فيولّى عليكم شراركم، ثم تدعون فلا يستجاب لكم".

في ذكرى الولادة المباركة للحسين(ع) والعباس(ع)، نتوجَّه إلى حيث مرقدهما، لنوجِّه إليهم تحياتنا، ونقول: السَّلام عليكما يوم ولدتما، ويوم خضّبت دماؤكما أرض كربلاء، ويوم تبعثان حيّين، حيث تنعمان بعطاء الله.

ونسأل الله أن يوفِّقنا لزيارتكما في الدّنيا، ونيل شفاعتكما في الآخرة، إنّه أرحم الرّاحمين.

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخطبة الثّانية

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بأن نستهدي بهدي الإمام زين العابدين(ع)؛ هذا الإمام الّذي نستعيد ذكرى ولادته في الخامس من شهر شعبان، فقد ورد عن أحد أصحابه أنّه قال: "رَأَيْتُهُ يَطُوفُ مِنَ الْعِشَاءِ إِلَى سَحَرٍ وَيَتَعَبَّدُ، فَلَمَّا لَمْ يَرَ أَحَداً، رَمَقَ السَّمَاءَ بِطَرْفِهِ وَقَالَ: "إِلَهِي، غَارَتْ نُجُومُ سَمَاوَاتِكَ، وهَجَعَتْ عُيُونُ أَنَامِكَ، وأَبْوَابُكَ مُفَتَّحَاتٌ لِلسَّائِلِينَ، جِئْتُكَ لِتَغْفِرَ لِي وتَرْحَمَنِي. فَوَا سَوْأَتَاهْ غَداً مِنَ الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْكَ، إِذَا قِيلَ لِلْمُخِفِّينَ جُوزُوا، وَلِلْمُثْقِلِينَ حُطُّوا، أمَعَ الْمُخِفِّينَ أَجُوزُ، أَمْ مَعَ الْمُثْقِلِينَ أَحُطُّ؟ وَيْلِي، كُلَّمَا طَالَ عُمُرِي كَثُرَتْ خَطَايَايَ وَلَمْ أَتُبْ، أَمَا آنَ لِي أَنْ أَسْتَحِيَ مِنْ رَبِّي".

ثُمَّ بَكَى وَأَنْشَأَ يَقُولُ:

"أَتُحْرِقُنِي بِالنَّارِ يَا غَايَةَ الْمُنَى             فَأَيْنَ رَجَائِي ثُمَّ أَيْنَ مَحَبَّتِي‏"

ثُمَّ بَكَى وَقَالَ: "سُبْحَانَكَ تُعْصَى كَأَنَّكَ لَا تَرَى، وَتَحْلُمُ كَأَنَّكَ لَمْ تُعْصَ، تَتَوَدَّدُ إِلَى خَلْقِكَ بِحُسْنِ الصَّنِيعِ، كَأَنَّ بِكَ الْحَاجَةَ إِلَيْهِمْ، وَأَنْتَ يَا سَيِّدِي الْغَنِيُّ عَنْهُمْ".

ثُمَّ خَرَّ إِلَى الْأَرْضِ سَاجِداً، فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَقُلْتُ له: يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ، مَا هَذَا الْجَزَعُ وَالْفَزَعُ؟! وَنَحْنُ يَلْزَمُنَا أَنْ نَفْعَلَ مِثْلَ هَذَا، وَنَحْنُ عَاصُونَ جَانُونَ. أَبُوكَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَأُمُّكَ فَاطِمَةُ الزَّهْرَاءُ، وَجَدُّكَ رَسُولُ اللهِ (ص). فَالْتَفَتَ إِلَيَّ، وَقَالَ: "دَعْ عَنِّي حَدِيثَ أَبِي وَأُمِّي وَجَدِّي، خَلَقَ اللهُ الْجَنَّةَ لِمَنْ أَطَاعَهُ وَأَحْسَنَ وَلَوْ كَانَ عَبْداً حَبَشِيّاً، وَخَلَقَ النَّارَ لِمَنْ عَصَاهُ وَلَوْ كَانَ وَلَداً قُرَشِيّاً، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَهُ تَعَالَى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ}. واللهِ، لَا يَنْفَعُكَ غَداً إِلَّا تَقْدِمَةٌ تُقَدِّمُهَا مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ".

فلنتَّكل، إذاً، على أعمالنا وعلى علاقتنا بربّنا، لننجو، ونصبح أكثر وعياً وقدرةً على مواجهة التحدّيات.

توتّرات ما قبل الانتخابات

والبداية من لبنان، الَّذي بات على مقربة من موعد الاستحقاق الانتخابي. ومع الأسف، كلَّما اقترب موعد هذا الاستحقاق، ارتفعت وتيرة الحدّة في الخطاب السياسي، وتصاعد التّحريض الطائفي والمذهبي والعشائري والعائلي، وتواصلت سياسة تخويف اللّبنانيّين من بعضهم البعض، والتحريض على هذا الفريق أو ذاك، بادّعاء حماية المنطقة أو الطائفة أو المذهب أو الوطن أو العروبة، وهي ادّعاءات يُسقط من مصداقيّتها أنّها تنطلق من مواقع فئويّة لا وطنيّة.

ومن الطَّبيعي أن يساهم ذلك بتوترات رأينا بعض مشاهدها على الشَّاشات، أو في مواقع التواصل الاجتماعي، ولمسنا ونلمس آثارها على الأرض، ونخشى أن نرى أكثر من ذلك. من هنا، فإنّنا نعيد دعوة القوى السياسية المتنافسة إلى أن ترأف بهذا البلد، وتتدبَّر عواقب هذا الخطاب ونتائجه، فلا ينبغي، ومن أجل الوصول إلى موقع هنا أو هناك، أن يُحرَق البلد أو يُهدَّد استقراره.

إننا نريد لهذه القوى التي تمثّل أدياناً ومذاهب بحسب التقسيم الطائفي، والتي تعدّ القيم الروحية والأخلاقية عمادها، أن ترتقي بخطابها إلى ما تمثّل، وأن لا تُحوّل الانتخابات إلى لعنة، في الوقت الذي نريدها حلاً.

إنَّنا نقول لكلِّ هؤلاء، إنَّ هذا الخطاب لن يفيد مطلقيه، وهو يضرّهم، ويقدِّم صورة سلبيّة عن أدائهم السياسي، فلا يمكن أن نبني وطناً يُؤتمن عليه من يحمل هذا الخطاب، ويتعامل مع منافسيه بهذه الحدَّة والعنف، ويرفض الآخر الذي يتشارك معه في الوطن.

إنَّ لبنان الذي نطمح إليه ويطمح إليه اللّبنانيون، لا يُبنى بمثل هذا الخطاب السياسيّ، أو بالوعود البرّاقة والكلام المعسول، بل من خلال التاريخ النظيف والخطاب العقلاني والمشاريع الواقعية لأزمات البلد المستعصية.

وفي هذا الوقت، نريد من الدَّولة والمسؤولين فيها، أن يسارعوا إلى معالجة الأزمات التي تعصف بالبلد، وأن لا يكونوا في إجازة خلال الانتخابات، فمطالب النّاس لا يمكن أن تنتظر إلى ما بعد الانتخابات، ومن واجب السّلطة تسيير أمور الناس وتيسيرها، سواء منها مطالب أساتذة الجامعة، أو أزمة القروض السكنيّة لحلّ مشكلة ذوي الدَّخل المحدود، أو الأزمات الأخرى من الكهرباء والماء، والكثير من الأمور التي تنتظر حلاً.

استهداف سوريا!

ونصل إلى سوريا، التي تعرَّضت لهجمة دوليّة في الأسبوع الفائت، بحجَّة استخدام السّلاح الكيماوي. هذه الهجمة استبقت التحقيق الدّولي المطلوب، وأعطت دليلاً إضافياً على مدى استهانة هذه الدول بسيادة هذا البلد واستقراره وأمنه وقدراته. ومن المؤسف أن يكون هناك قوى سياسية معارضة أو دول عربية صفَّقت لهذا العدوان، وتمنّت لو أنّه كان أقسى وأقوى، وكأنّ الدول الكبرى جمعية خيرية تقدّم خدمات مجانية لصالحهم أو لطموحاتهم!

إنَّ على الشَّعب السوريّ بكلّ أطيافه، أن يدرك أنَّ خياره الوحيد هو رصّ صفوفه في مواجهة المشاريع التي تريد الإطباق عليه، وجعله موقعاً لتقاسم النفوذ فيما بينهم.

وسنبقى نرى أنَّ الحلّ في سوريا بيد السوريّين، رغم تعقيداته، فهم قادرون بوحدتهم على أن ينتزعوه من اللاعبين بمصيرهم، وبأن لا يسمحوا لأحد بأن يجعلهم ممراً لمصالحه وطموحاته في هذه المنطقة من العالم، أو لتصفية الحسابات، أو للتنفيس عن الأحقاد.

فلسطين: يوم الأسير

وإلى فلسطين، التي نستعيد ذكرى يوم أسراها؛ هذه الذّكرى التي مرت علينا قبل أيام في 17 نيسان، وهي واحدة من أكبر المآسي في عصرنا الحاضر، ولم نجد لها حلاً حتى الآن في قاموس من يتحدثون عن حقوق الإنسان، وحتى على الصعيد العربي والإسلامي.

ونحن في ذلك، نهيب بالشعوب العربية والإسلامية وأحرار العالم، أن يرفعوا الصوت بوجه السّجان الصهيوني، وألّا يتخلّوا عن دعم قضيّة الأسرى، كما عن دعم الشعب الفلسطيني، الذي قدَّم ويقدِّم أغلى التضحيات، ولم يوفّر جهداً في مواجهة العدوّ الصهيوني.

ونحن هنا، نشدّ على أيدي الفلسطينيين في غزة والضفّة الغربيّة وفي الأراضي المحتلّة قبل العام 1948، وندعوهم إلى أن يتابعوا مسيراتهم الشعبية السّلميّة التي أربكت العدوَّ الصهيوني، وسوف تضطره عاجلاً أو آجلاً إلى التراجع، وتقديم التنازلات لحساب الشعب الفلسطيني.

                                                     

 



Plus
T
Print
كلمات مفتاحية

أخبار العالم الإسلامي

خطبة الجمعة

السيد علي فضل الله

مسجد الإمامين الحسنين

فضل الله

يهمنا تعليقك

أحدث الحلقات

باقة خاصة في موسم الحج

أحاديث حول الحج -2-

14 آب 18

لبيتُ لك

الحج تجليات الوسطية - لبيتُ لك

13 آب 18

كلمات في الحج

كلمات سماحة السيد فضل الله (رض) في موسم الحج -1-

13 آب 18

لبيتُ لك

الحج جامعة إسلامية - لبيتُ لك

12 آب 18

باقة خاصة في موسم الحج

فلاش موسم الحج ١٤٣٩ ه

12 آب 18

باقة خاصة في موسم الحج

أحاديث حول الحج -1-

12 آب 18

خطبتي صلاة الجمعة

خطبة الجمعة 10-08-2018

10 آب 18

Link In

link in - الحلقة التاسعة والعشرون

08 آب 18

أدعية الصحيفة السجادية بصوت السيد فضل الله (رض)

دعاؤه متفزعا الى الله تعالى - بصوت سماحة السيد فضل الله (رض)

08 آب 18

قضايا الناس

قضايا الناس - الحجاب

07 آب 18

خطوة

قصص تموز - خطوة

05 آب 18

إضاءات

فجوة التفاهم بين الرجل والمرأة - إضاءات

04 آب 18

[خطبة الجمعة]

الحسين والعبّاس: الإيمان والثَّورة حتّى الشَّهادة

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.

شهر الرّسول(ص)

إنَّ من دواعي الشكر والحمد لله، أن منَّ علينا فبلغنا شهر شعبان؛ هذا الشّهر الذي نسبه رسول الله(ص) إليه فجعله شهره.

وقد ورد في سيرته(ص)، أنّه كان إذا دخل شهر شعبان، يأمر منادياً أن ينادي في المدينة: "يا أهل يثرب، إنّي رسول الله إليكم، ألا إنَّ شعبان شهري، فرحم الله من أعانني على شهري".

وإلى ذلك، أشار الإمام زين العابدين(ع) في الصَّلوات المرويّة عنه: "اللّهمَّ وهذا شهر نبيّك سيّد رسلك شعبان، الّذي حففته منك بالرَّحمة والرّضوان، الذي كان رسول الله(ص) يدأب في صيامه وقيامه، في لياليه وأيامه. اللَّهمَّ فأعنّا على الاستنان بسنَّته فيه، ونيل الشَّفاعة لديه، حتى ألقاك يوم القيامة عنّي راضياً، وعن ذنوبي غاضياً، قد أوجبت لي منك الرّحمة والرضوان، وأنزلتني دار القرار، ومحلّ الأخيار".

ولذلك، نحن مدعوّون في هذا الشهر أن نستنّ بسنّة نبيّنا(ص)، ونتقرّب إلى الله فيه بالأعمال الواردة، من الصيام والصلاة والذكر والاستغفار والدّعاء. وفي ذلك، أدعوكم إلى الاستزادة من قراءة المناجاة الشعبانيّة لأمير المؤمنين(ع)، وإلى التصدّق، حيث ورد في الحديث: "من تصدّق بصدقة في شعبان، ربّاها الله تعالى كما يربّي أحدكم فصيله، حتى يوافي يوم القيامة وقد صار مثل أحد"، وإلى إحياء العديد من لياليه.

وهنا، لا بدَّ من الإشارة إلى أهمية إحياء ليلة النصف من شعبان، فقد ورد في الحديث: "هي أفضل اللّيالي بعد ليلة القدر، فيها يمنح الله العباد فضله، ويغفر لهم بمنِّه. فاجتهدوا في القربة إلى الله تعالى فيها، فإنَّها ليلةٌ آلى الله عزَّ وجلَّ على نفسه أن لا يردَّ سائلاً فيها ما لم يسأل الله المعصية". وما زاد من شرفها، أنّه فيها ولد الإمام المهدي(عج).

مناسبتان ووقفة

وقد تميَّز هذا الشَّهر أيضاً بالعديد من المناسبات الكريمة العزيزة، الّتي تذكِّرنا بمسؤوليّتنا، وتربطنا ممن جعلهم الله سبحانه وتعالى أسوةً لنا وقدوة.

ونحن اليوم سنتوقّف عند مناسبتين من مناسبات هذا الشّهر الفضيل؛ المناسبة الأولى، هي التي مرت علينا في الثّالث منه، وهي الولادة المباركة لسبط رسول الله(ص) وسيد شباب أهل الجنة، الإمام الحسين بن علي(ع)، والمناسبة الثانية، هي في الرّابع من هذا الشّهر، وهي ذكرى ولادة العباس بن أمير المؤمنين(ع).

ونحن عندما نذكرهما اليوم، فلكي نستحضر كلّ المعاني والصفات التي اتّصفا بها. ومن ينظر في سيرتهما، يجد الكثير من الصّفات التي التقيا عليها، وهي حبّ الله وعبادته، وحسن الخلق والبطولة والشّجاعة والإيثار والتّواضع. ونحن في هذا، لا نتوقف عند كلّ الصفات التي التقيا عليها، بل عند خاصيّة جمعتهما، واستشهدا من أجلها، وهي الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وإصلاح أمّة رسول الله(ص) على المستويات كافّة. وهذا الهدف، هو الّذي عبَّر عنه بوضوح الإمام الحسين(ع): "إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر... فمن قبلني بقبول الحقّ، فالله أولى بالحقّ، ومن ردَّ عليَّ، أصبر حتى يحكم الله بيني وبين القوم الكافرين".

وعندما قال: "ألا ترون إلى الحقّ لا يعمل به، وإلى الباطل لا يتناهى عنه".

ثم ليقدِّم خلاصةً لموقفه من الواقع بما عبَّر عنه(ع): "ألا وإنَّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشَّيطان، وتركوا طاعة الرَّحمن، وأظهروا الفساد، وعطَّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله وحرَّموا حلاله، وأنا أحقّ من غيَّر".

الحسين الثّائر

لم يكن الإمام الحسين(ع) ليترك كلّ هذا الواقع الفاسد من حوله، ويجلس جانباً على التلّ لينتظر ما يجري، أو ليقلب كفّاً على كفّ على ما يجري، أو ليرضخ للأمر الواقع ويقبل به، بل كان يرى أنَّ من مسؤوليته الشرعية والأخلاقية تجاه الناس، أن يواجه هذا الواقع المستبدّ والظالم.. وقد عبر عن هذه المسؤولية عندما قال: "أيها الناس، إني سمعت رسول الله يقول: "مَن رأى منكُم سُلطاناً جائِراً، مُستحلاً لحرم الله، ناكثاً بعَهدِه، مُخالِفاً لسنّةِ رسولِ الله، يَعملُ في عبادِه بالإثمِ والعدوانِ، فلم يغِرْ عليهِ بقولٍ ولا بفعلٍ، كان حَقّاً على الله أن يُدخِله مَدخلَه"، أي معه في النار.

وليس من العجب، أنَّ الحسين(ع) الذي كان من رسول الله(ص)، وكان رسول الله(ص) منه، أن يبذل دمه ودم أصحابه، ويضحّي بكلّ شيء، حفظاً للإسلام من الزّيغ والتَّحريف، وحفظاً لعهده من النّكث، ولخلقه من الظّلم.

لقد كان الحسين(ع) قادراً لو سكت وتراجع، أن يبلغ الخزائن، وتفتح له الأبواب، كان يكفيه أن يوافق على يزيد الحاكم الفاسد القاتل للنّفس المحترمة، وأن يضع في الصّندوق ورقة تأييد له واعترافاً به، لكنه لم يفعل، وقال بكلّ وضوح: "ومثلي لا يبايع مثله". وعندما خيِّر بين الموت والتّوقيع على اختيار الفاسد والظالم والقاتل، لم يتردَّد في أن يختار الموت، على أن يسجِّل في حياته أنه ساهم في إيصال من لم يستحقّ أن يصل، وقال: "إِنِّي لا أرَى المَوتَ إلّا سَعادةً، وَالحَياةَ مَع الظّالمين إِلاَّ بَرَماً".

العبّاس: صلابة وإيمان

وهذا الموقف العزيز، هو الّذي استهداه العباس(ع)، فقد كان في الموقع نفسه مع أخيه الحسين(ع)، بعدما شربا معاً من نبع الإسلام الصّافي، من نبع عليّ(ع) ، فوقف مع أخيه حتى استشهاده، فكان كما نقرأ في زيارته: "العبد الصَّالح، المطيع لله ولرسوله، وللحسن والحسين". وهو في ذلك لم يتراجع عن هذا الموقف حتى في أقسى اللّحظات.

وقد جاءت له فرصة النّجاة في يوم عاشوراء، حيث تذكر السّيرة أنّ الشّمر بن ذي الجوشن نادى في هذا اليوم: أين بنو أختنا، أين العبّاس؟ - فقد كانت له قرابة العباس لجهة أمِّه (أم البنين) - إلّا أنَّ العباس رفض آنذاك أن يجيبه. لكنَّ الحسين(ع) قال له: أجبه وإن كان فاسقاً، فإنه بعض أخوالك. وعندما عرض عليه الشِّمر الأمان من عبيد الله بن زياد، كان العباس حازماً وصلباً، فقال: يا عدوَّ الله، أتعطيني الأمان ولا أمان لابن بنت رسول الله؟.

والأمر نفسه كان حصل في ليلة عاشوراء، عندما أحلَّ الحسين(ع) البيعة لأهل بيته وأصحابه، وقال لهم: "هذا اللَّيل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً"، وانجوا بأنفسكم، "فإنَّ القوم لا يريدون غيري"، وقف العبّاس يومها وقال: أأبقى بعدك يا بن بنت رسول الله؟ لا والله، حتى أجاهد بين يديك.

لقد شارك العباس أخاه الحسين(ع) في مشروعه التَّغييريّ، فهو كان مؤمناً بالهدف الَّذي لأجله انطلق الحسين(ع)، فكان قائد لوائه وعضده وسنده. وهو في ذلك، لم ينطلق من باب الأخوَّة بالمعنى العائليّ، بل لكون الحسين كان بالنّسبة إليه إماماً ومعبّراً أصدق تعبير عن تطلّعات رسالته التي تدعو إلى أمّة خالية من الظّلم والاستبداد وتقوم على العدل والحريّة.

وقد أشار الإمام الصّادق(ع) إلى روحيّة العباس(ع) ومنطلقاته، عندما قال: "لقد كان عمّنا العبّاس بن عليّ نافذ البصيرة، صلب الإيمان، جاهد مع أبي عبد الله، وأبلى بلاءً حسناً، ومضى شهيداً".

هدف ثورة كربلاء

إذاً، قضيّة الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتغيير الواقع الفاسد والظّالم، كانت في صلب ثورة كربلاء وسيرة الإمام الحسين(ع) وأخيه العباس(ع). ومن هذا المنطلق، فإننا نرى أنفسنا معنيّين بهذه القضية، فهي تمثل ركناً أساسياً في التعبير عن صدق إيماننا وحبّنا لأهل البيت(ع)؛ أن نكون حسينيّين وعباسيين، أن نكون من السّاعين إلى إصلاح واقعنا، أن ننتفض على كلّ فاسدٍ وظالمٍ ومنحرف، أن لا نقبل به مهما كان شأنه، ومهما كانت طائفته ومذهبه، فهناك قطيعة بين الحسين(ع) والعبّاس(ع)، وبين الفاسدين والمفسدين والظّالمين واللّاعبين بمصالح النّاس، وهذه هي دعوة الله عندما قال: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}، {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.

فالله سبحانه لا يريد الإنسان الضَّعيف، حيث الحديث: "إنَّ الله ليبغض المؤمن الضَّعيف الّذي لا دينَ له، الذي لا ينهى عن المنكر ويترك المعروف".

فريضة مطلوبة

إنَّ كثيراً مما نعانيه من فسادٍ وطغيانٍ وظلمٍ وانعدامٍ للبركات والخيرات، يعود إلى تركنا هذه المسؤوليَّة وتغاضينا عنها، حتى إنَّنا بتنا نمرّ على المنكر وكأنّنا لم نر شيئاً، وحتّى دون الاستنكار القلبيّ.

مع أنّ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر وإصلاح الواقع ليس خياراً، بل هو واجب، تماماً كما هي الصَّلاة والصّوم والحجّ، بل هو من أوجب الواجبات، لأنَّ به تقام الفرائض، وتأمن المذاهب، وتحلّ المكاسب، وتعمر الأرض، وينتصف من الأعداء، ويستقيم الأمر، كما ورد في الحديث: "من رأى منكم منكراً فلينكره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان".

إنَّ علينا أن نبقى حاضرين في السَّاحة، أيّ ساحة، لممارسة هذه الفريضة، وبالحكمة المطلوبة، فلا بدَّ من أن يشعر الظالم والمنحرف والفاسد بعاقبة ما ارتكبه، وأن لا يطمئنّ الفاسدون والظالمون إلى ارتكاباتهم التي إن لم تحاصر، فسوف تمتدّ إلى كلّ واقعنا، وعلى المستويات كافّةً.

لقد صدق الإمام الحسين والعبّاس(ع) عهدهما مع الله، فلنصدق عهدنا مع الله، لنكون المصداق للآية الكريمة: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}.

ولنحذر أن نكون ممن ورد فيهم الحديث: "لا تتركوا الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، فيولّى عليكم شراركم، ثم تدعون فلا يستجاب لكم".

في ذكرى الولادة المباركة للحسين(ع) والعباس(ع)، نتوجَّه إلى حيث مرقدهما، لنوجِّه إليهم تحياتنا، ونقول: السَّلام عليكما يوم ولدتما، ويوم خضّبت دماؤكما أرض كربلاء، ويوم تبعثان حيّين، حيث تنعمان بعطاء الله.

ونسأل الله أن يوفِّقنا لزيارتكما في الدّنيا، ونيل شفاعتكما في الآخرة، إنّه أرحم الرّاحمين.

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخطبة الثّانية

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بأن نستهدي بهدي الإمام زين العابدين(ع)؛ هذا الإمام الّذي نستعيد ذكرى ولادته في الخامس من شهر شعبان، فقد ورد عن أحد أصحابه أنّه قال: "رَأَيْتُهُ يَطُوفُ مِنَ الْعِشَاءِ إِلَى سَحَرٍ وَيَتَعَبَّدُ، فَلَمَّا لَمْ يَرَ أَحَداً، رَمَقَ السَّمَاءَ بِطَرْفِهِ وَقَالَ: "إِلَهِي، غَارَتْ نُجُومُ سَمَاوَاتِكَ، وهَجَعَتْ عُيُونُ أَنَامِكَ، وأَبْوَابُكَ مُفَتَّحَاتٌ لِلسَّائِلِينَ، جِئْتُكَ لِتَغْفِرَ لِي وتَرْحَمَنِي. فَوَا سَوْأَتَاهْ غَداً مِنَ الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْكَ، إِذَا قِيلَ لِلْمُخِفِّينَ جُوزُوا، وَلِلْمُثْقِلِينَ حُطُّوا، أمَعَ الْمُخِفِّينَ أَجُوزُ، أَمْ مَعَ الْمُثْقِلِينَ أَحُطُّ؟ وَيْلِي، كُلَّمَا طَالَ عُمُرِي كَثُرَتْ خَطَايَايَ وَلَمْ أَتُبْ، أَمَا آنَ لِي أَنْ أَسْتَحِيَ مِنْ رَبِّي".

ثُمَّ بَكَى وَأَنْشَأَ يَقُولُ:

"أَتُحْرِقُنِي بِالنَّارِ يَا غَايَةَ الْمُنَى             فَأَيْنَ رَجَائِي ثُمَّ أَيْنَ مَحَبَّتِي‏"

ثُمَّ بَكَى وَقَالَ: "سُبْحَانَكَ تُعْصَى كَأَنَّكَ لَا تَرَى، وَتَحْلُمُ كَأَنَّكَ لَمْ تُعْصَ، تَتَوَدَّدُ إِلَى خَلْقِكَ بِحُسْنِ الصَّنِيعِ، كَأَنَّ بِكَ الْحَاجَةَ إِلَيْهِمْ، وَأَنْتَ يَا سَيِّدِي الْغَنِيُّ عَنْهُمْ".

ثُمَّ خَرَّ إِلَى الْأَرْضِ سَاجِداً، فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَقُلْتُ له: يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ، مَا هَذَا الْجَزَعُ وَالْفَزَعُ؟! وَنَحْنُ يَلْزَمُنَا أَنْ نَفْعَلَ مِثْلَ هَذَا، وَنَحْنُ عَاصُونَ جَانُونَ. أَبُوكَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَأُمُّكَ فَاطِمَةُ الزَّهْرَاءُ، وَجَدُّكَ رَسُولُ اللهِ (ص). فَالْتَفَتَ إِلَيَّ، وَقَالَ: "دَعْ عَنِّي حَدِيثَ أَبِي وَأُمِّي وَجَدِّي، خَلَقَ اللهُ الْجَنَّةَ لِمَنْ أَطَاعَهُ وَأَحْسَنَ وَلَوْ كَانَ عَبْداً حَبَشِيّاً، وَخَلَقَ النَّارَ لِمَنْ عَصَاهُ وَلَوْ كَانَ وَلَداً قُرَشِيّاً، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَهُ تَعَالَى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ}. واللهِ، لَا يَنْفَعُكَ غَداً إِلَّا تَقْدِمَةٌ تُقَدِّمُهَا مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ".

فلنتَّكل، إذاً، على أعمالنا وعلى علاقتنا بربّنا، لننجو، ونصبح أكثر وعياً وقدرةً على مواجهة التحدّيات.

توتّرات ما قبل الانتخابات

والبداية من لبنان، الَّذي بات على مقربة من موعد الاستحقاق الانتخابي. ومع الأسف، كلَّما اقترب موعد هذا الاستحقاق، ارتفعت وتيرة الحدّة في الخطاب السياسي، وتصاعد التّحريض الطائفي والمذهبي والعشائري والعائلي، وتواصلت سياسة تخويف اللّبنانيّين من بعضهم البعض، والتحريض على هذا الفريق أو ذاك، بادّعاء حماية المنطقة أو الطائفة أو المذهب أو الوطن أو العروبة، وهي ادّعاءات يُسقط من مصداقيّتها أنّها تنطلق من مواقع فئويّة لا وطنيّة.

ومن الطَّبيعي أن يساهم ذلك بتوترات رأينا بعض مشاهدها على الشَّاشات، أو في مواقع التواصل الاجتماعي، ولمسنا ونلمس آثارها على الأرض، ونخشى أن نرى أكثر من ذلك. من هنا، فإنّنا نعيد دعوة القوى السياسية المتنافسة إلى أن ترأف بهذا البلد، وتتدبَّر عواقب هذا الخطاب ونتائجه، فلا ينبغي، ومن أجل الوصول إلى موقع هنا أو هناك، أن يُحرَق البلد أو يُهدَّد استقراره.

إننا نريد لهذه القوى التي تمثّل أدياناً ومذاهب بحسب التقسيم الطائفي، والتي تعدّ القيم الروحية والأخلاقية عمادها، أن ترتقي بخطابها إلى ما تمثّل، وأن لا تُحوّل الانتخابات إلى لعنة، في الوقت الذي نريدها حلاً.

إنَّنا نقول لكلِّ هؤلاء، إنَّ هذا الخطاب لن يفيد مطلقيه، وهو يضرّهم، ويقدِّم صورة سلبيّة عن أدائهم السياسي، فلا يمكن أن نبني وطناً يُؤتمن عليه من يحمل هذا الخطاب، ويتعامل مع منافسيه بهذه الحدَّة والعنف، ويرفض الآخر الذي يتشارك معه في الوطن.

إنَّ لبنان الذي نطمح إليه ويطمح إليه اللّبنانيون، لا يُبنى بمثل هذا الخطاب السياسيّ، أو بالوعود البرّاقة والكلام المعسول، بل من خلال التاريخ النظيف والخطاب العقلاني والمشاريع الواقعية لأزمات البلد المستعصية.

وفي هذا الوقت، نريد من الدَّولة والمسؤولين فيها، أن يسارعوا إلى معالجة الأزمات التي تعصف بالبلد، وأن لا يكونوا في إجازة خلال الانتخابات، فمطالب النّاس لا يمكن أن تنتظر إلى ما بعد الانتخابات، ومن واجب السّلطة تسيير أمور الناس وتيسيرها، سواء منها مطالب أساتذة الجامعة، أو أزمة القروض السكنيّة لحلّ مشكلة ذوي الدَّخل المحدود، أو الأزمات الأخرى من الكهرباء والماء، والكثير من الأمور التي تنتظر حلاً.

استهداف سوريا!

ونصل إلى سوريا، التي تعرَّضت لهجمة دوليّة في الأسبوع الفائت، بحجَّة استخدام السّلاح الكيماوي. هذه الهجمة استبقت التحقيق الدّولي المطلوب، وأعطت دليلاً إضافياً على مدى استهانة هذه الدول بسيادة هذا البلد واستقراره وأمنه وقدراته. ومن المؤسف أن يكون هناك قوى سياسية معارضة أو دول عربية صفَّقت لهذا العدوان، وتمنّت لو أنّه كان أقسى وأقوى، وكأنّ الدول الكبرى جمعية خيرية تقدّم خدمات مجانية لصالحهم أو لطموحاتهم!

إنَّ على الشَّعب السوريّ بكلّ أطيافه، أن يدرك أنَّ خياره الوحيد هو رصّ صفوفه في مواجهة المشاريع التي تريد الإطباق عليه، وجعله موقعاً لتقاسم النفوذ فيما بينهم.

وسنبقى نرى أنَّ الحلّ في سوريا بيد السوريّين، رغم تعقيداته، فهم قادرون بوحدتهم على أن ينتزعوه من اللاعبين بمصيرهم، وبأن لا يسمحوا لأحد بأن يجعلهم ممراً لمصالحه وطموحاته في هذه المنطقة من العالم، أو لتصفية الحسابات، أو للتنفيس عن الأحقاد.

فلسطين: يوم الأسير

وإلى فلسطين، التي نستعيد ذكرى يوم أسراها؛ هذه الذّكرى التي مرت علينا قبل أيام في 17 نيسان، وهي واحدة من أكبر المآسي في عصرنا الحاضر، ولم نجد لها حلاً حتى الآن في قاموس من يتحدثون عن حقوق الإنسان، وحتى على الصعيد العربي والإسلامي.

ونحن في ذلك، نهيب بالشعوب العربية والإسلامية وأحرار العالم، أن يرفعوا الصوت بوجه السّجان الصهيوني، وألّا يتخلّوا عن دعم قضيّة الأسرى، كما عن دعم الشعب الفلسطيني، الذي قدَّم ويقدِّم أغلى التضحيات، ولم يوفّر جهداً في مواجهة العدوّ الصهيوني.

ونحن هنا، نشدّ على أيدي الفلسطينيين في غزة والضفّة الغربيّة وفي الأراضي المحتلّة قبل العام 1948، وندعوهم إلى أن يتابعوا مسيراتهم الشعبية السّلميّة التي أربكت العدوَّ الصهيوني، وسوف تضطره عاجلاً أو آجلاً إلى التراجع، وتقديم التنازلات لحساب الشعب الفلسطيني.

                                                     

 


أخبار العالم الإسلامي,خطبة الجمعة, السيد علي فضل الله, مسجد الإمامين الحسنين, فضل الله
Print
جميع الحقوق محفوظة, قناة الإيمان الفضائية