Logo Logo
الرئيسية
البرامج
جدول البرامج
الأخبار
مع السيد
مرئيات
تكنولوجيا وطب
أخبار العالم الإسلامي
تغطيات وتقارير
أخبار فلسطين
العالم العربي والعالم
المزيد
مسلسلات
البرامج الميدانية
البرامج التخصصية
برامج السيرة
البرامج الثقافية
برامج الأطفال
البرامج الوثائقية
برامج التغطيات والتكنولوجيا
المزيد

العلّامة فضل الله: النيّة روح العمل وأساسه

03 آب 18 - 17:31
مشاهدة
525
مشاركة

ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله ، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبتيه:

 

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}[الأنعام/ 162-163].

إنّ من الأمور التي ينبغي أن تؤخذ بالاعتبار، وتولى الاهتمام الكافي، موضوع النيّة.

ونحن عندما نتحدّث عن النيّة، لا نريد بذلك الحديث عن لفظ النيّة، كما قد يتبادر إلى الكثيرين، بل عن مضمونها، لأنّ النيّة كما يجب أن تُفهَم، مركزها القلب لا اللّسان، واللّسان ليس سوى وسيلة تعبير عنها.

ويقصد بالنيّة، الأهداف التي يريدها الإنسان من وراء أعماله وأقواله ومواقفه. ويعود الاهتمام بالنيّة إلى الدّور الذي تقوم به في تفعيل حركة الإنسان، ففاعليّة الإنسان وهمّته تتبع نيّته والأهداف التي يريدها من وراء عمله. وإلى هذا أشار عليّ(ع): "ما ضعف البدن عمّا قويت عليه النيّة".

وفي الحديث: "قدر الرّجل على قدر همّته، وعمله على قدر نيَّته". ولأنّ النيَّة تمثّل التعبير عن شخصيّة الإنسان الحقيقيّة، فالناس يُعرَفون من خلال نيّاتهم؛ إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشرّ.

أساس تقييم الأعمال

وقد أولى الإسلام النيّة الاهتمام الكبير، واعتبرها أساساً في الأعمال، وأساساً في تقييمها وفي قبولها أو عدمه، فهي روح الأعمال، والله سبحانه لا ينظر ويحكم فقط على صور الأعمال، بل ينظر إلى نيّات من قاموا بها، أي الرّوح التي انطلقت منها.

وقد ورد في خطبة رسول الله(ص)، في إطار حديثه عن الهجرة التي حصلت من مكّة إلى المدينة: "أيّها الناس، إنما الأعمال بالنيّات، ولكلّ امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهي إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، فهجرته إلى ما هاجر إليه". وقد أشار إلى ذلك الرسول(ص) أيضاً، عندما سئل عن رجل خرج للعمل وأعجب به المسلمون، فقال لهم: "إن كان خرج يسعى على ولده صغاراً، فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين، فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفّها، فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياءً ومفاخرةً، فهو في سبيل الشيطان".

وفي الحديث: "فمن غزا ابتغاء ما عند الله، فقد وقع على الله، ومن غزا يريد غرض الدّنيا أو نوى عقالاً، لم يكن له إلا ما نوى له".

وفي يوم القيامة، يبعث الناس على نيّاتهم، وهم يُعطَوْن على قدرها، فقد ورد في الحديث: "على قدر النيّة، تكون من الله العطيّة". وأكثر من ذلك، اعتبرت الأحاديث أنّ الإنسان يؤجَر على نيّته حتى لو لم يقم بالعمل. طبعاً، هذا إذا كان جاداً في العمل وراغباً فيه، لكنّ ظرفاً ما منعه من ذلك. لذا، ورد في الحديث: "النيّة أحد العملين". وورد أيضاً: "يؤتى بالعبد يوم القيامة، ومعه من الحسنات أمثال الجبال الرواسي، فينادي مناد: من كان له على فلان مظلمة فليأخذها، فيجيء ناس، فيأخذون من حسناته حتى لا يبقى له من الحسنات شيء، ويبقى العبد حيران. فيقول الله عزّ وجلّ: إنّ لك عندي كنزاً لم يطّلع عليه ملائكتي ولا أحد من خلقي. قال: يا ربّ: وما هو؟ قال: نيّتك التي تنوي من الخيرات، كتبتها لك سبعين ضعفاً".

أحاديث في النيّة

وعلى أساس ذلك، يجاب عن السؤال: لماذا يخلَّد أهل النّار في النار، ويخلَّد أهل الجنة في الجنة؟ فعن الإمام الصّادق(ع): "إنما خُلِّد أهل النار في النار، لأنّ نيّاتهم كانت في الدنيا، أن لو خُلِّدوا فيها، أن يعصوا الله أبداً، وإنما خُلِّد أهل الجنة في الجنة، لأنّ نياتهم كانت في الدنيا، أن لو بقوا فيها، أن يطيعوا الله أبداً، فبالنيّات يخلَّد هؤلاء وهؤلاء"..

وقد ورد في الحديث، أنّ رسول الله لما رجع من غزوة تبوك، قال: "لقد تركتم بالمدينة أقواماً، ما سرتم مسيراً، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم وادياً، إلا وهم معكم". قالوا: يا رسول الله، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال: "حبسهم المرض".

وفي ذلك، ورد أنّه "إذا مرض المؤمن، أوحى الله إلى صاحب الشمال: لا تكتب على عبدي مادام في حبسي ووثاقي ذنباً، ويوحي إلى صاحب الحسنات، أن اكتب لعبدي ما كنت تكتبه في صحته من الحسنات، لأنه كان ينوي القيام بها لو كان في صحة".

وفي الحديث: "إنّ العبد المؤمن الفقير ليقول: يا ربّ، ارزقني حتى أفعل كذا وكذا من البرّ ووجوه الخير، فإذا علم الله عزّ وجلّ منه صدق النيّة، كتب الله له من الأجر على ما يكتب له لو عمله، إنّ الله واسع كريم".

وفي الحديث أيضاً: "إنّ المؤمن لترد عليه الحاجة لأخيه، فلا تكون عنده، فيهتمّ بها قلبه، فيدخله الله تبارك وتعالى الجنّة كما لو فعلها".

 من هنا، كانت دعوة الإسلام الإنسانَ إلى حسن النيّة وصفائها وطهارتها؛ أن لا يشوبها أيّ شائبة بفعل الأهواء والمصالح، أو بسبب الخصومات أو الانفعالات أو التوترات مما يؤثّر فيها.

وهذا ما كان يدعو به الإمام زين العابدين(ع) في دعاء "مكارم الأخلاق": "بلّغ بإيماني أكمل الإيمان، واجعل يقيني أفضل اليقين، وانته بنيّتي إلى أحسن النيّات، وبعملي إلى أحسن الأعمال".

فالإنسان مدعوّ إلى أن يتابع نيّته عندما يتوجّه إلى الله في صلاته وصومه، وفي حجّه وخمسه وزكاته، وفي جهاده، وعندما يتصدّق بأيّ صدقة، أو يقوم بأيّ خدمة لمحتاج، أو عند بنائه مسجداً، أو أيّ مؤسّسة من مؤسّسات الخير، وحتى في طعامه وشرابه.

أحسن النيّات

ولكن يبقى السؤال: أيّ نية ينبغي أن يعقدها الإنسان لتكون نيّته أحسن النيّات، وبالتالي عمله أحسن الأعمال؟!

لقد بيّنت الآية التي تلوناها، والتي توجَّه بها الله إلى رسوله(ص)، ومنه إلى كلّ واحد: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[الأنعام/ 162]. هي دعوة للإنسان بأن يكون الهدف في كلّ ما يقوم به في الحياة هو الله؛ ما يقرّبنا إلى الله، وما يجعلنا في موقع رضاه ومحبّته. وهي أعلى قيمة يبلغها الإنسان، وأهمّ هدف يصل إليه. وبذلك، لا تقف حدود نيّة القربة إلى الله التي نأتي بها عند الصلاة أو الصيام أو الحجّ أو الخمس والزكاة وأيّ عمل عباديّ، بل تشمل كلّ المفردات في حياتنا الخاصّة والعامّة، بحيث تصاحبنا هذه النيّة في كلّ شيء.

وهذا ما قاله رسول الله(ص) لأبي ذرّ: "يا أبا ذرّ، ليكن لك من كلّ شيء نيّة صالحة، حتى في النوم والأكل".

وقد قال سبحانه: {وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى* إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى}[اللّيل/ 19-20].

وإلى هذا، أشار الله عندما تحدّث عن أهل البيت(ع): {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً}.

وعندما يكون العمل لله وقربةً إليه، فبالطبع سينعكس هذا على العمل، ليكون خيراً للإنسان نفسه الّذي يقوم بالعمل وللآخرين. فلا يمكن أن يكون الهدف هو الله، إلا ويكون العمل خيراً للإنسان وللآخرين، وسيكون الاندفاع نحو العمل أكثر، لأنّه سيكون بعين الله ورعايته، وسيصل إلى النّتائج حتى لو لم يقدَّر من الآخرين ممن يستفيدون من عمله ويحصلون على نتائجه.

مراقبة ومتابعة!

وحتى يكون العمل لله، لا بدَّ من أن تكون النيّة لله، والله لا يقبل أن يشاركه النيّة أحد، وهذا ما ورد في الحديث القدسيّ: "من أشرك في عمله، لن أقبله إلا ما كان لي خالصاً". وفي الحديث: "أنا خير شريك، ومن أشرك معي غيري في عملٍ عمله، لم أقبله إلا ما كان لي خالصاً".

ولكنّ هذا لن يحصل إلا بمراقبة دقيقة لنيّاتنا، فقد يختلط علينا الأمر، فنعتقد أنّ هدفنا هو الله، فيما هدفنا هو غيره. ولذلك، فلندقِّق في نيّاتنا جيّداً قبل أن نقدم على أيّ عمل، ولا نقم بعمل إلا بعد أن نطمئنّ إلى أنه خالص لله، فوحده الله من يستحقّ أن نعمل من أجله، فكلّ شيء عندنا هو منه. وهذا لا يعني أن نتنكّر لعطاءات الناس من حولنا، فمن يكن هدفه الله، لا يمكن إلا أن يشكر المخلوقين ويقدّر معروفهم: فـ"مَنْ لَم يَشكُرِ المَخلُوقَ لَم يَشكُرِ الخالِقَ".

إنّنا أحوج ما نكون إلى تعزيز هذه النيّة الخالصة لله، حتى تصفو نيّاتنا، وتفيض أرواحنا بالخير، وعند ذلك، سنجد أنفسنا في بحر كرم الله وعطائه في الدّنيا، وهذا وعده عندما قال: "لا أطّلع على عبد من عبادي، فأعلم منه حبّ الإخلاص لطاعتي ولوجهي وابتغاء مرضاتي، إلا تولَّيت تقويمه وسياسته".

وفي الآخرة، حيت يقول: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ* نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ* نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ}.

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخطبة الثّانية

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بأن نستهدي بهدى أمير المؤمنين(ع)، حيث يُذكَر في سيرته في معركة الخندق، أنّه عندما ضرب عمرو بن ودّ العامري وأسقطه على الأرض، جلس على صدره ليحتزّ رأسه، وكان لايزال به رمق من الحياة، لكنَّ الإمام(ع) تمهَّل قليلاً، في الوقت الَّذي كان المسلمون يصيحون بأعلى أصواتهم أن أجهز عليه قبل أن يغدر بك، ثم عاد وقتله. ولما عاد من المعركة، سأله المسلمون حينها: لِمَ لم تقتله مباشرة؟ أتردَّدت في قتله أم خشيت منه؟ فقال، وهنا انظروا إلى سرّ عليّ(ع): "عندما جلست على صدره، تفل في وجهي، فغضبت، فخفت إن أنا قتلته على هذه الحال، أن أقتله ثأراً لنفسي، فتنحّيت حتّى برد غضبي، ليكون قتلي له حبّاً لله خالصاً".

هذا هو درس عليّ(ع) لنا؛ أن يكون الله هو الهدف، ولا يكون لنا هدف سواه، ومتى كان الله هو الهدف، فسيكون مؤيّداً وكفيلاً وناصراً لنا. ومتى وعينا ذلك، فلن نحبط، وسنقدر على مواجهة التحديات.

لبنان بلا حكومة!

والبداية من لبنان، الذي غابت عنه مسحة التفاؤل بعد أن طويت الأسبوع الفائت، وعادت الأمور فيه إلى نقطة الصفر فيما يتعلّق بتشكيل الحكومة، ليبقى البلد بلا حكومة، رغم مرور ثلاثة أشهر على الانتخابات النيابية، ولتتَّسع معها دائرة التساؤل من قبل اللّبنانيّين، مما لا إجابة واضحة عليه: ماذا ينتظر الفرقاء السياسيون حتى يخرجوا البلد من حالة المراوحة التي يعيشها؟ هل هم في لعبة عضّ الأصابع، حيث ينتظر كلٌّ الآخر حتى يُسلّم له، أو أنّ هناك من ينتظر تطوّرات ستجري في الخارج لا تضطرّه إلى تقديم تنازلات، أو تجعله أكثر قدرة على تقديم شروط أكثر؟!

في هذا الوقت، يستمرّ البلد في أزماته ومعاناته على مختلف المستويات، ولا سيّما على المستوى الاقتصادي والمعيشي، مما يواجهه النّاس مباشرة. ونحن نرى أنَّ استمرار التباطؤ في تشكيل الحكومة، ستكون تداعياته خطيرة، بالنّظر إلى مخاطر السّجال الحادّ والخطاب الاستفزازي الذي أخذ يتصاعد من دون أدنى اهتمام بشعور اللّبنانيين، الّذين من حقّهم على هذه القيادات أن يؤمّنوا لهم ولو الحدّ أدنى من الاستقرار الاقتصادي المفقود، وأن يؤمّنوا متطلّباتهم المعيشية الأساسية، إن لم يكن أكثر من ذلك.

ونحن عندما نلاحظ الصّيغ المطروحة أخيراً لتشكيل الحكومة، سواء منها حكومة الأكثرية، أو حكومة الوفاق الوطنيّ الّتي قيل عنها إنها حكومة الوفاق الطّائفيّ، لأنَّها قائمة على تفاهم الزعامات الطّائفيّة وتفرّد كلّ منها بقرار طائفتها، نرى أنَّ هاتين الصّيغتين لن يكونا الحلّ في هذا البلد، ولن يؤمّنا الاستقرار فيه، فضلاً عن أنّهما لن يحظيا بالتأييد الكافي. ولذلك، ندعو إلى حكومة وحدة وطنيّة تحقّق الحدّ الأدنى من التوازن السياسي الداخلي الَّذي تمخّضت عنه الانتخابات اللّبنانية، وتحترم إرادة اللبنانيّين.

إنَّ غالبية اللبنانيين، إن لم نقل جميعهم، يتطلَّعون إلى حكومة لا يكون فيها خاسر ورابح، أو مهزوم ومنتصر، فحكومة الأكثريَّة قد تدفع البلد نحو التوتّر، في مرحلة هو بأمسِّ الحاجة إلى الوحدة، وإلى تعزيز سلمه الأهليّ واستقراره السياسيّ، بما يهيّئ الأجواء لمواجهة الفساد والقيام بإصلاحات اقتصادية، ويشجّع الدول على تقديم العون الاقتصاديّ للبنان. كما أنَّ حكومات احتكار التّمثيل الطائفيّ، تهمّش فئات وازنة لها حقّها في التمثيل الحكومي، في وقت نريد الاعتبار من التجارب السابقة التي غذّت وعي الجميع، بأنّ هذا البلد لا يقوم إلا على قواعد التوازن، التي لا يشعر فيها هذا الفريق أو ذاك بالغبن أو الخوف.

إنّنا نريد لهذا التوازن أن يحكم علاقة الأطراف اللّبنانيّين بعضهم بالبعض الآخر، وبينهم وبين المحيط العربي والإسلامي، وذلك بتحسّسهم المصلحة الوطنيّة العليا، من خلال مقاربة ملفّ النازحين، الذي يستبطن التواصل مع سوريا بطريقة وأخرى، بالبعد السياسي لا الأمني فقط، فليس من الطبيعي أن تتمّ مقاربة هذا الملفّ بحساسية وانفعالية، بل أن تكون مصلحة البلد العليا هي التي تحتّم التعاطي معه. ونحن نتفهّم علاقات الأطراف الداخليّين كلها بالجهات الإقليمية والدولية، أو نظرتها إلى ما جرى ويجري في هذا البلد، ولكن ينبغي ــ بدورها ــ أن تأخذ بالاعتبار المصالح العليا للبلد.

الجيش اللّبنانيّ.. استقرار الوطن

ونصل إلى عيد الجيش اللبناني، لنحيّي الجيش في هذه المناسبة؛ وهو الَّذي يمثّل سياج الوطن وعنفوانه وقوّته، وهو ما تجلَّى عندما واجه العدوّ الصهيوني جنباً إلى جنب مع المقاومة، ولم يتوانَ عن تقديم التضحيات في ذلك، وهو على استعداد لها، وكذلك في تصدّيه للإرهابيين، وعمله الدؤوب على صون الاستقرار الداخلي.

إنَّ من حقِّ هذا الجيش على اللّبنانيّين جميعاً أن يثمِّنوا له دوره، والتضحيات التي بذلها من أجل حماية البلد من الخارج والداخل، قيادةً وضبّاطاً، بالعمل الجادّ على صون هذه المؤسَّسة وتقويتها مع بقية المؤسّسات الأمنيّة، بما يحفظ منطق الدّولة والسِّلم الأهلي على مختلف المستويات.

تصعيد ضدّ إيران

في هذا الوقت، تستمرّ أميركا بتصعيد ضغطها على الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، من خلال العقوبات الاقتصادية التي تفرضها عليها، لتمنعها من تطوير قدراتها وإمكانياتها، وحتى حماية نفسها، لكنّنا ندرك أنها تستطيع أن تتجاوز ذلك بحكمة قيادييها ووعيها، واستعداد شعبها للصبر والتضحية من أجل إبقاء هذا البلد على القيم التي انطلق على أساسها.

رمز المواجهة ضدّ العدوّ

وأخيراً، نقف عند فلسطين المحتلّة، التي استبشرت بإطلاق سراح الفتاة المناضلة عهد التميمي ووالدتها، والتي باتت رمزاً من رموز التصدّي للاحتلال، فهي لم تصفع جندياً صهيونياً فحسب، بل وجّهت إدانة قويّة لكيان العدوّ الذي لم يستطع أن يواجهها إلا بمنطق العنف والسجن.

إنَّ عهد التميمي نموذج من أبناء الشعب الفلسطيني الذي يصرّ على حريته، وعلى وقوفه بكلّ صلابة أمام العدوّ الصهيوني.

Plus
T
Print
كلمات مفتاحية

العالم العربي والعالم

السيد علي فضل الله

مسجد الحسنين (ع)

بيروت

حارة حريك

خطبة الجمعة

يهمنا تعليقك

أحدث الحلقات

صغارا كبارا نحب الحسين

المنشد هادي فقيه - صغارا كبارا نحب الحسين

19 تشرين الأول 18

أدعية الأيام بصوت سماحة السيد فضل الله (رض)

دعاء يوم الجمعة بصوت سماحة السيد فضل الله (رض)

19 تشرين الأول 18

نقطة ببحر

نقطة ببحر 16-10-2018

16 تشرين الأول 18

خطبتي صلاة الجمعة

خطبتي وصلاة الجمعة 12-10-2018

12 تشرين الأول 18

من وحي القرآن

حفظ الأمانة وأثرها في المجتمع - من وحي القرآن

05 تشرين الأول 18

من وحي القرآن

قيمة العمل الصالح - من وحي القرآن

05 تشرين الأول 18

من وحي القرآن

مفهوم الباطل في المعاملات وموارده - من وحي القرآن

05 تشرين الأول 18

من وحي القرآن

الإستضعاف والهجرة في القرآن الكريم - من وحي القرآن

04 تشرين الأول 18

تحت الضوء - الموسم الرابع

تحت الضوء الموسم الرابع الحلقة السادسة والثلاثون

29 أيلول 18

خطبتي صلاة الجمعة

خطبتي وصلاة الجمعة 28-09-2018

28 أيلول 18

موعظة

موعظة ليلة الجمعة 27-09-2018

27 أيلول 18

نقطة ببحر

نقطة ببحر 27-9-2018

27 أيلول 18

ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله ، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبتيه:

 

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}[الأنعام/ 162-163].

إنّ من الأمور التي ينبغي أن تؤخذ بالاعتبار، وتولى الاهتمام الكافي، موضوع النيّة.

ونحن عندما نتحدّث عن النيّة، لا نريد بذلك الحديث عن لفظ النيّة، كما قد يتبادر إلى الكثيرين، بل عن مضمونها، لأنّ النيّة كما يجب أن تُفهَم، مركزها القلب لا اللّسان، واللّسان ليس سوى وسيلة تعبير عنها.

ويقصد بالنيّة، الأهداف التي يريدها الإنسان من وراء أعماله وأقواله ومواقفه. ويعود الاهتمام بالنيّة إلى الدّور الذي تقوم به في تفعيل حركة الإنسان، ففاعليّة الإنسان وهمّته تتبع نيّته والأهداف التي يريدها من وراء عمله. وإلى هذا أشار عليّ(ع): "ما ضعف البدن عمّا قويت عليه النيّة".

وفي الحديث: "قدر الرّجل على قدر همّته، وعمله على قدر نيَّته". ولأنّ النيَّة تمثّل التعبير عن شخصيّة الإنسان الحقيقيّة، فالناس يُعرَفون من خلال نيّاتهم؛ إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشرّ.

أساس تقييم الأعمال

وقد أولى الإسلام النيّة الاهتمام الكبير، واعتبرها أساساً في الأعمال، وأساساً في تقييمها وفي قبولها أو عدمه، فهي روح الأعمال، والله سبحانه لا ينظر ويحكم فقط على صور الأعمال، بل ينظر إلى نيّات من قاموا بها، أي الرّوح التي انطلقت منها.

وقد ورد في خطبة رسول الله(ص)، في إطار حديثه عن الهجرة التي حصلت من مكّة إلى المدينة: "أيّها الناس، إنما الأعمال بالنيّات، ولكلّ امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهي إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، فهجرته إلى ما هاجر إليه". وقد أشار إلى ذلك الرسول(ص) أيضاً، عندما سئل عن رجل خرج للعمل وأعجب به المسلمون، فقال لهم: "إن كان خرج يسعى على ولده صغاراً، فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين، فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفّها، فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياءً ومفاخرةً، فهو في سبيل الشيطان".

وفي الحديث: "فمن غزا ابتغاء ما عند الله، فقد وقع على الله، ومن غزا يريد غرض الدّنيا أو نوى عقالاً، لم يكن له إلا ما نوى له".

وفي يوم القيامة، يبعث الناس على نيّاتهم، وهم يُعطَوْن على قدرها، فقد ورد في الحديث: "على قدر النيّة، تكون من الله العطيّة". وأكثر من ذلك، اعتبرت الأحاديث أنّ الإنسان يؤجَر على نيّته حتى لو لم يقم بالعمل. طبعاً، هذا إذا كان جاداً في العمل وراغباً فيه، لكنّ ظرفاً ما منعه من ذلك. لذا، ورد في الحديث: "النيّة أحد العملين". وورد أيضاً: "يؤتى بالعبد يوم القيامة، ومعه من الحسنات أمثال الجبال الرواسي، فينادي مناد: من كان له على فلان مظلمة فليأخذها، فيجيء ناس، فيأخذون من حسناته حتى لا يبقى له من الحسنات شيء، ويبقى العبد حيران. فيقول الله عزّ وجلّ: إنّ لك عندي كنزاً لم يطّلع عليه ملائكتي ولا أحد من خلقي. قال: يا ربّ: وما هو؟ قال: نيّتك التي تنوي من الخيرات، كتبتها لك سبعين ضعفاً".

أحاديث في النيّة

وعلى أساس ذلك، يجاب عن السؤال: لماذا يخلَّد أهل النّار في النار، ويخلَّد أهل الجنة في الجنة؟ فعن الإمام الصّادق(ع): "إنما خُلِّد أهل النار في النار، لأنّ نيّاتهم كانت في الدنيا، أن لو خُلِّدوا فيها، أن يعصوا الله أبداً، وإنما خُلِّد أهل الجنة في الجنة، لأنّ نياتهم كانت في الدنيا، أن لو بقوا فيها، أن يطيعوا الله أبداً، فبالنيّات يخلَّد هؤلاء وهؤلاء"..

وقد ورد في الحديث، أنّ رسول الله لما رجع من غزوة تبوك، قال: "لقد تركتم بالمدينة أقواماً، ما سرتم مسيراً، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم وادياً، إلا وهم معكم". قالوا: يا رسول الله، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال: "حبسهم المرض".

وفي ذلك، ورد أنّه "إذا مرض المؤمن، أوحى الله إلى صاحب الشمال: لا تكتب على عبدي مادام في حبسي ووثاقي ذنباً، ويوحي إلى صاحب الحسنات، أن اكتب لعبدي ما كنت تكتبه في صحته من الحسنات، لأنه كان ينوي القيام بها لو كان في صحة".

وفي الحديث: "إنّ العبد المؤمن الفقير ليقول: يا ربّ، ارزقني حتى أفعل كذا وكذا من البرّ ووجوه الخير، فإذا علم الله عزّ وجلّ منه صدق النيّة، كتب الله له من الأجر على ما يكتب له لو عمله، إنّ الله واسع كريم".

وفي الحديث أيضاً: "إنّ المؤمن لترد عليه الحاجة لأخيه، فلا تكون عنده، فيهتمّ بها قلبه، فيدخله الله تبارك وتعالى الجنّة كما لو فعلها".

 من هنا، كانت دعوة الإسلام الإنسانَ إلى حسن النيّة وصفائها وطهارتها؛ أن لا يشوبها أيّ شائبة بفعل الأهواء والمصالح، أو بسبب الخصومات أو الانفعالات أو التوترات مما يؤثّر فيها.

وهذا ما كان يدعو به الإمام زين العابدين(ع) في دعاء "مكارم الأخلاق": "بلّغ بإيماني أكمل الإيمان، واجعل يقيني أفضل اليقين، وانته بنيّتي إلى أحسن النيّات، وبعملي إلى أحسن الأعمال".

فالإنسان مدعوّ إلى أن يتابع نيّته عندما يتوجّه إلى الله في صلاته وصومه، وفي حجّه وخمسه وزكاته، وفي جهاده، وعندما يتصدّق بأيّ صدقة، أو يقوم بأيّ خدمة لمحتاج، أو عند بنائه مسجداً، أو أيّ مؤسّسة من مؤسّسات الخير، وحتى في طعامه وشرابه.

أحسن النيّات

ولكن يبقى السؤال: أيّ نية ينبغي أن يعقدها الإنسان لتكون نيّته أحسن النيّات، وبالتالي عمله أحسن الأعمال؟!

لقد بيّنت الآية التي تلوناها، والتي توجَّه بها الله إلى رسوله(ص)، ومنه إلى كلّ واحد: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[الأنعام/ 162]. هي دعوة للإنسان بأن يكون الهدف في كلّ ما يقوم به في الحياة هو الله؛ ما يقرّبنا إلى الله، وما يجعلنا في موقع رضاه ومحبّته. وهي أعلى قيمة يبلغها الإنسان، وأهمّ هدف يصل إليه. وبذلك، لا تقف حدود نيّة القربة إلى الله التي نأتي بها عند الصلاة أو الصيام أو الحجّ أو الخمس والزكاة وأيّ عمل عباديّ، بل تشمل كلّ المفردات في حياتنا الخاصّة والعامّة، بحيث تصاحبنا هذه النيّة في كلّ شيء.

وهذا ما قاله رسول الله(ص) لأبي ذرّ: "يا أبا ذرّ، ليكن لك من كلّ شيء نيّة صالحة، حتى في النوم والأكل".

وقد قال سبحانه: {وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى* إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى}[اللّيل/ 19-20].

وإلى هذا، أشار الله عندما تحدّث عن أهل البيت(ع): {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً}.

وعندما يكون العمل لله وقربةً إليه، فبالطبع سينعكس هذا على العمل، ليكون خيراً للإنسان نفسه الّذي يقوم بالعمل وللآخرين. فلا يمكن أن يكون الهدف هو الله، إلا ويكون العمل خيراً للإنسان وللآخرين، وسيكون الاندفاع نحو العمل أكثر، لأنّه سيكون بعين الله ورعايته، وسيصل إلى النّتائج حتى لو لم يقدَّر من الآخرين ممن يستفيدون من عمله ويحصلون على نتائجه.

مراقبة ومتابعة!

وحتى يكون العمل لله، لا بدَّ من أن تكون النيّة لله، والله لا يقبل أن يشاركه النيّة أحد، وهذا ما ورد في الحديث القدسيّ: "من أشرك في عمله، لن أقبله إلا ما كان لي خالصاً". وفي الحديث: "أنا خير شريك، ومن أشرك معي غيري في عملٍ عمله، لم أقبله إلا ما كان لي خالصاً".

ولكنّ هذا لن يحصل إلا بمراقبة دقيقة لنيّاتنا، فقد يختلط علينا الأمر، فنعتقد أنّ هدفنا هو الله، فيما هدفنا هو غيره. ولذلك، فلندقِّق في نيّاتنا جيّداً قبل أن نقدم على أيّ عمل، ولا نقم بعمل إلا بعد أن نطمئنّ إلى أنه خالص لله، فوحده الله من يستحقّ أن نعمل من أجله، فكلّ شيء عندنا هو منه. وهذا لا يعني أن نتنكّر لعطاءات الناس من حولنا، فمن يكن هدفه الله، لا يمكن إلا أن يشكر المخلوقين ويقدّر معروفهم: فـ"مَنْ لَم يَشكُرِ المَخلُوقَ لَم يَشكُرِ الخالِقَ".

إنّنا أحوج ما نكون إلى تعزيز هذه النيّة الخالصة لله، حتى تصفو نيّاتنا، وتفيض أرواحنا بالخير، وعند ذلك، سنجد أنفسنا في بحر كرم الله وعطائه في الدّنيا، وهذا وعده عندما قال: "لا أطّلع على عبد من عبادي، فأعلم منه حبّ الإخلاص لطاعتي ولوجهي وابتغاء مرضاتي، إلا تولَّيت تقويمه وسياسته".

وفي الآخرة، حيت يقول: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ* نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ* نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ}.

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخطبة الثّانية

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بأن نستهدي بهدى أمير المؤمنين(ع)، حيث يُذكَر في سيرته في معركة الخندق، أنّه عندما ضرب عمرو بن ودّ العامري وأسقطه على الأرض، جلس على صدره ليحتزّ رأسه، وكان لايزال به رمق من الحياة، لكنَّ الإمام(ع) تمهَّل قليلاً، في الوقت الَّذي كان المسلمون يصيحون بأعلى أصواتهم أن أجهز عليه قبل أن يغدر بك، ثم عاد وقتله. ولما عاد من المعركة، سأله المسلمون حينها: لِمَ لم تقتله مباشرة؟ أتردَّدت في قتله أم خشيت منه؟ فقال، وهنا انظروا إلى سرّ عليّ(ع): "عندما جلست على صدره، تفل في وجهي، فغضبت، فخفت إن أنا قتلته على هذه الحال، أن أقتله ثأراً لنفسي، فتنحّيت حتّى برد غضبي، ليكون قتلي له حبّاً لله خالصاً".

هذا هو درس عليّ(ع) لنا؛ أن يكون الله هو الهدف، ولا يكون لنا هدف سواه، ومتى كان الله هو الهدف، فسيكون مؤيّداً وكفيلاً وناصراً لنا. ومتى وعينا ذلك، فلن نحبط، وسنقدر على مواجهة التحديات.

لبنان بلا حكومة!

والبداية من لبنان، الذي غابت عنه مسحة التفاؤل بعد أن طويت الأسبوع الفائت، وعادت الأمور فيه إلى نقطة الصفر فيما يتعلّق بتشكيل الحكومة، ليبقى البلد بلا حكومة، رغم مرور ثلاثة أشهر على الانتخابات النيابية، ولتتَّسع معها دائرة التساؤل من قبل اللّبنانيّين، مما لا إجابة واضحة عليه: ماذا ينتظر الفرقاء السياسيون حتى يخرجوا البلد من حالة المراوحة التي يعيشها؟ هل هم في لعبة عضّ الأصابع، حيث ينتظر كلٌّ الآخر حتى يُسلّم له، أو أنّ هناك من ينتظر تطوّرات ستجري في الخارج لا تضطرّه إلى تقديم تنازلات، أو تجعله أكثر قدرة على تقديم شروط أكثر؟!

في هذا الوقت، يستمرّ البلد في أزماته ومعاناته على مختلف المستويات، ولا سيّما على المستوى الاقتصادي والمعيشي، مما يواجهه النّاس مباشرة. ونحن نرى أنَّ استمرار التباطؤ في تشكيل الحكومة، ستكون تداعياته خطيرة، بالنّظر إلى مخاطر السّجال الحادّ والخطاب الاستفزازي الذي أخذ يتصاعد من دون أدنى اهتمام بشعور اللّبنانيين، الّذين من حقّهم على هذه القيادات أن يؤمّنوا لهم ولو الحدّ أدنى من الاستقرار الاقتصادي المفقود، وأن يؤمّنوا متطلّباتهم المعيشية الأساسية، إن لم يكن أكثر من ذلك.

ونحن عندما نلاحظ الصّيغ المطروحة أخيراً لتشكيل الحكومة، سواء منها حكومة الأكثرية، أو حكومة الوفاق الوطنيّ الّتي قيل عنها إنها حكومة الوفاق الطّائفيّ، لأنَّها قائمة على تفاهم الزعامات الطّائفيّة وتفرّد كلّ منها بقرار طائفتها، نرى أنَّ هاتين الصّيغتين لن يكونا الحلّ في هذا البلد، ولن يؤمّنا الاستقرار فيه، فضلاً عن أنّهما لن يحظيا بالتأييد الكافي. ولذلك، ندعو إلى حكومة وحدة وطنيّة تحقّق الحدّ الأدنى من التوازن السياسي الداخلي الَّذي تمخّضت عنه الانتخابات اللّبنانية، وتحترم إرادة اللبنانيّين.

إنَّ غالبية اللبنانيين، إن لم نقل جميعهم، يتطلَّعون إلى حكومة لا يكون فيها خاسر ورابح، أو مهزوم ومنتصر، فحكومة الأكثريَّة قد تدفع البلد نحو التوتّر، في مرحلة هو بأمسِّ الحاجة إلى الوحدة، وإلى تعزيز سلمه الأهليّ واستقراره السياسيّ، بما يهيّئ الأجواء لمواجهة الفساد والقيام بإصلاحات اقتصادية، ويشجّع الدول على تقديم العون الاقتصاديّ للبنان. كما أنَّ حكومات احتكار التّمثيل الطائفيّ، تهمّش فئات وازنة لها حقّها في التمثيل الحكومي، في وقت نريد الاعتبار من التجارب السابقة التي غذّت وعي الجميع، بأنّ هذا البلد لا يقوم إلا على قواعد التوازن، التي لا يشعر فيها هذا الفريق أو ذاك بالغبن أو الخوف.

إنّنا نريد لهذا التوازن أن يحكم علاقة الأطراف اللّبنانيّين بعضهم بالبعض الآخر، وبينهم وبين المحيط العربي والإسلامي، وذلك بتحسّسهم المصلحة الوطنيّة العليا، من خلال مقاربة ملفّ النازحين، الذي يستبطن التواصل مع سوريا بطريقة وأخرى، بالبعد السياسي لا الأمني فقط، فليس من الطبيعي أن تتمّ مقاربة هذا الملفّ بحساسية وانفعالية، بل أن تكون مصلحة البلد العليا هي التي تحتّم التعاطي معه. ونحن نتفهّم علاقات الأطراف الداخليّين كلها بالجهات الإقليمية والدولية، أو نظرتها إلى ما جرى ويجري في هذا البلد، ولكن ينبغي ــ بدورها ــ أن تأخذ بالاعتبار المصالح العليا للبلد.

الجيش اللّبنانيّ.. استقرار الوطن

ونصل إلى عيد الجيش اللبناني، لنحيّي الجيش في هذه المناسبة؛ وهو الَّذي يمثّل سياج الوطن وعنفوانه وقوّته، وهو ما تجلَّى عندما واجه العدوّ الصهيوني جنباً إلى جنب مع المقاومة، ولم يتوانَ عن تقديم التضحيات في ذلك، وهو على استعداد لها، وكذلك في تصدّيه للإرهابيين، وعمله الدؤوب على صون الاستقرار الداخلي.

إنَّ من حقِّ هذا الجيش على اللّبنانيّين جميعاً أن يثمِّنوا له دوره، والتضحيات التي بذلها من أجل حماية البلد من الخارج والداخل، قيادةً وضبّاطاً، بالعمل الجادّ على صون هذه المؤسَّسة وتقويتها مع بقية المؤسّسات الأمنيّة، بما يحفظ منطق الدّولة والسِّلم الأهلي على مختلف المستويات.

تصعيد ضدّ إيران

في هذا الوقت، تستمرّ أميركا بتصعيد ضغطها على الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، من خلال العقوبات الاقتصادية التي تفرضها عليها، لتمنعها من تطوير قدراتها وإمكانياتها، وحتى حماية نفسها، لكنّنا ندرك أنها تستطيع أن تتجاوز ذلك بحكمة قيادييها ووعيها، واستعداد شعبها للصبر والتضحية من أجل إبقاء هذا البلد على القيم التي انطلق على أساسها.

رمز المواجهة ضدّ العدوّ

وأخيراً، نقف عند فلسطين المحتلّة، التي استبشرت بإطلاق سراح الفتاة المناضلة عهد التميمي ووالدتها، والتي باتت رمزاً من رموز التصدّي للاحتلال، فهي لم تصفع جندياً صهيونياً فحسب، بل وجّهت إدانة قويّة لكيان العدوّ الذي لم يستطع أن يواجهها إلا بمنطق العنف والسجن.

إنَّ عهد التميمي نموذج من أبناء الشعب الفلسطيني الذي يصرّ على حريته، وعلى وقوفه بكلّ صلابة أمام العدوّ الصهيوني.

العالم العربي والعالم,السيد علي فضل الله, مسجد الحسنين (ع), بيروت, حارة حريك, خطبة الجمعة
Print
جميع الحقوق محفوظة, قناة الإيمان الفضائية