Logo Logo
الرئيسية
البرامج
جدول البرامج
الأخبار
مع السيد
مرئيات
تكنولوجيا وطب
أخبار العالم الإسلامي
تغطيات وتقارير
أخبار فلسطين
عربي وإقليمي
المزيد
مع السيد
البرامج الميدانية
البرامج التخصصية
برامج السيرة
البرامج الثقافية
برامج الأطفال
البرامج الوثائقية
برامج التغطيات والتكنولوجيا
المزيد

فضل الله في خطبة الجمعة: معركة بدر.. الانتصار التّاريخيّ

01 حزيران 18 - 15:36
مشاهدة
654
مشاركة

[خطبة الجمعة]

معركة بدر.. الانتصار التّاريخيّ

  ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله ، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبتيه:

 

  قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.

في رحاب هذا الشهر المبارك، شهر رمضان، وفي مثل هذا اليوم في السابع عشر منه، نستعيد ذكرى معركة بدر، ذكرى الانتصار الذي حقّقه الله للمسلمين بقيادة رسول الله(ص) على جبروت قريش وطغيانها.

معركة بدر: نقطة تحوّل

  لقد شكَّل هذا الانتصار محطة تحوّل في الجزيرة العربيّة، فقد كسر هذا الانتصار التفوّق الذي كانت تعيشه قريش منذ زمن، وهي التي كان يقال عنها: "ما ذلّت منذ عزت"، وأصبح المسلمون بعده قوّة تهاب ويحسب لها حساب. وهو أسّس للانتصارات التي حصلت بعده، حتّى إنّ القرآن الكريم سمّى هذا الانتصار بيوم الفرقان، لكونه اليوم الذي انقلبت فيه كفّة الميزان لصالح التوحيد، بعدما كان يميل قبله لمصلحة الشرك والمشركين.

ونحن عندما نستعيد هذه الذكرى، لا نستعيد بذلك انتصاراً حقّقه المسلمون في التاريخ فحسب، بل لنأخذ منه دروساً وعبراً نحن أحوج ما نكون إليها في هذه المرحلة، حيث يشتدّ الصّراع بين الحقّ والباطل، وبين العدل والظلم، وحتى نستلهم معاني هذا الانتصار لنوفّر شروطه، ليتكرّر في كلّ مكان وزمان.

دوافع المعركة

  لقد كانت البداية حين نزلت الآية: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ الله عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا الله}، والتي أذنت لرسول الله(ص) وللمسلمين بالقتال، بعد أن صبروا طويلاً على أذى قريش، والذي لم تقف حدوده عند ما جرى لهم في مكّة من تعذيب وحصار ومؤامرات وصلت إلى حدّ السعي لاغتيال رسول الله(ص)، بل تمادت قريش في طغيانها، حين راحت تؤلّب اليهود والقبائل في داخل المدينة وخارجها على المسلمين، للنيل من قوّتهم وإضعافهم، وتعدّ العدّة لذلك.

  وفي ظلّ التهديدات والاعتداءات المتواصلة والمتكررة من قريش، كان رسول الله(ص) يعلم أنّ الرئة التي تتنفّس منها قريش، هي الطريق الذي كانت تسلكه قوافلها التجاريّة، الممتدَّة من مكّة إلى الشّام، وهذا الطريق يمرّ بمحاذاة المدينة، فكان قراره لإضعاف قريش بتهديد هذا الطّريق. ولم يكن الهدف من هذا التهديد سلب هذه القوافل كما يحلو للبعض أن يتحدّث، بل الضغط على قريش حتى ترعوي عن غيّها من التعرض لهذا الدين الجديد، وتتوقّف عن تأليب الناس عليه، وتسمح للمسلمين بحرية المعتقد، والدعوة إلى ما يؤمنون به مما دعاهم إليه الله، بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن. وكانت أداة التّنفيذ لديه سرايا مقاتلة، خفيفة الحركة، مهمّتها أن تعيق حركة قوافل قريش.

الاستعداد للحرب

  لم تعبأ قريش بهذا اللّون من التهديدات، ولم تقم بردّ فعل عنيف، لكنّ الأمر تغيّر عندما خرج رسول الله(ص) ومعه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً من المهاجرين والأنصار إلى منطقة دفران على مقربة من بدر، للاستيلاء على قافلة لقريش فيها جلّ أموالها، والتي كان من المقرّر أن تمرّ من هناك. يومها، وصل الخبر إلى أبي سفيان قائد القافلة عبر عيون، فعدل مسيرة قافلته، واختار مساراً آخر جعلها تفلت من أيدي المسلمين، فخرجت قريش بعدما علمت بالأمر من مكّة بكلّ رجالاتها، بجيش يقدَّر بألف فارس بقيادة أبي جهل، ولم تتراجع، رغم إفلات أبي سفيان ونجاة قافلته، ورأت أنها فرصتها للقضاء على رسول الله والمسلمين معه.

  وصل خبر خروج جيش قريش إلى رسول الله(ص)، فما كان منه إلا أن استشار أصحابه. فقد كان رسول الله(ص) بين خيارين؛ إما أن يرجع إلى المدينة، وإما أن يقاتل من حيث كان متمركزاً، وهو الذي لم يعدّ نفسه للقتال، لا من حيث العدد، ولا من حيث العدّة. وقف يومها أحد المهاجرين، وهو المقداد بن عمرو، وقال: "يا رسول الله، "امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون".

  وكذلك كان موقف الأنصار، إذ وقف سعد بن معاذ وقال: "بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إنّا قد آمنّا بك وصدّقناك، وشهدنا أنّ ما جئت به حقّ من عند الله، وأعطيناك عهودنا ومواثيقنا على السّمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، ونحن معك، فوالدي بعثك بالحقّ، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته، لخضناه معك، وما تخلّف منّا رجل واحد. إنّا لصُبرٌ في الحرب، صُدقٌ عند اللّقاء، لعلّ الله يريك فينا ما تقَرّ به عينك، فسِرْ بنا على بركة الله". فعزم النبيّ(ص) على القتال، واستعدّ لذلك رغم قلّة العدد والعتاد، مسدَّداً بثقته بالله، وأنه لن يخذله، وأن الله عند وعده حين قال: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين}.

  لما رأى رسول الله(ص) جموع قريش قد أقبلت بعديدها وعدّتها، توجّه إلى ربه بالدعاء: "اللّهمّ هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ أَقْبَلَتْ بِخُيَلَائِهَا وَفَخْرِهَا، تُحَادُّكَ وَتُكَذِّبُ رَسُولَكَ، اللّهمّ فَنَصْرَكَ الَّذِي وَعَدْتنِي.. اللّهمّ إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض أبداً".

انتصار تاريخيّ

  وبدأ القتال والتحم الجيشان، حيث أبدى المسلمون، شباباً وشيوخاً وفتياناً، بسالةً واستعداداً للتضحية قلّ نظيرها، حتى إن أحدهم، ويدعى عمير بن الحمام، قال للنبي(ص)، وفي يده تمرات يأكلهنّ: "يا رسول الله: بَخٍ بَخٍ، ما بيني وبين أَن أَدخل الجنّة إِلا أَن أقتل في سبيل الله". ثم قذف التمرات من يده ليسرع إلى لقاء ربّه، ولا يتأخّر حتى ينتهي من تمراته، وقاتل حتى استشهد.

وجاء المدد الإلهيّ ليعزّز موقعهم المعنوي والإيماني، والّذي تحدّث عنه الله بقوله: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ}. أمّا موارد الاستجابة، فهي أوّلاً: {أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ الله إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ الله إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. وأمّا ثانياً: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ}. وثالثاً: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ}. ورابعاً: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ}.

  ولم يمض وقت طويل، حتى تحقّق النصر المؤزَّر للمسلمين، بفعل جهادهم وتضحياتهم، وتسديد الله لهم. وفرّت قريش من أمامهم وهي تجرّ أذيال الخيبة والهزيمة التي لم تعهدها من قبل، بعد أن قتل سبعون من رجالها، أبرزهم أبو جهل وأميّة بن خلف، وأسر سبعون.

القيادة الحكيمة

  لقد أظهرت هذه المعركة، والتي هي أوَّل معركة يخوضها المسلمون، مدى الحكمة التي تجلّت في قيادة رسول الله(ص) وإدارته لها، كما بيّنت مدى شجاعته. وقد قال عنه عليّ(ع): "لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله(ص)، وهو أقربنا إلى العدوّ، وكان من أشدّ الناس يومئذٍ بأساً". وعن الدور الذي قام به علي(ع)، فقد قتل نصف قتلى بدر، وشارك المسلمين في النصف الآخر. وعن مدى حرصه على رسول الله(ص)، فقد كانت عينه لا تفارقه، حتى إنه كان يترك المعركة بين الحين والآخر ليتفقّده. وقد روي عنه أنه كان يأتي إليه فيجده ساجداً، وهو يقول: يا عليّ يا عظيم.

  وبعد الانتهاء من المعركة، عدّل الرّسول(ص) قواعد التعامل مع الأسرى، حين فرّق الأسرى بين أصحابه ليكونوا معهم في بيوتهم، وعبَّر عن الخلق الإسلامي في التعامل معهم، وقال لأصحابه: استوصوا بهم خيراً، وأطعموهم من أحسن ما تطعمون أهليكم. ووصل الأمر ببعضهم، أنّهم كانوا يقدّمون إلى الأسير خير ما في المنزل من طعام. بعد ذلك، ردَّ كلّ أسير افتداه أهله بالمال إليهم، أمّا الفقراء الّذين لم يجد أهلهم ما يفتدونهم به، فقد أطلق سراحهم من غير فدية، على أن يُعلّم واحدهم عشرةً من أولاد الأنصار القراءة والكتابة.

دروس وعبر

  أيّها الأحبّة: نتعلم من انتصار بدر الثّبات، فلم يخضع المسلمون في بدر للتهاويل ولا لحرب الأعصاب، ولا للماكينات الإعلامية التي كان تصوّر قريش بأنها قوّة لا تقهر. لقد أزال هذا الانتصار القناع عن هذه الأسطورة، وأظهرها على حقيقتها، وعلّمنا عدم الخضوع للأوهام ولا للإعلام المضلّل، بل أن نعيش الثقة بالله أوّلاً، ومن خلاله بالنفس، من دون اكتراث لما يثيره الطغاة في الإعلام والدعاية.

وقد جرّبنا ذلك في لبنان في مواجهة الاحتلال الصهيوني، حيث مضت عقود من الزّمن، والإنسان العربي يعيش وهماً اسمه الجندي الإسرائيلي الذي لا يقهر، إسرائيل زرعت في أذهاننا أنها متى شاءت تستطيع أن تغزو وتقتل وتصادر، وأن لا جيش عربياً يستطيع الوقوف في وجه آلة الحرب الإسرائيليّة، ليعرّوه وليظهروا هشاشة هذا العدوّ.

  لقد خلّدت لنا معركة بدر مشاهد ومواقف تفسّر لنا كيف يمكن للعين أن تقاوم المخرز، وكرّست الحقيقة القرآنية: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله}، كم أظهرت الأثر الذي يتركه الدعاء الذي هو السّلاح الأمضى في التحدّيات، وعند أيّ غمّ أو همّ. طبعاً، هذا لا يعني عدم العمل، فهو لا بدّ من أن يكون باعثاً للعمل، لأنّ الله لا يستجيب لعباده إلّا وهم في مواقع العمل والجهاد.

معركة بدر لم تكن مشهداً مضيئاً من الزمن فحسب، ولكنها كانت مشهداً مؤسِّساً، ومنارةً لكلّ دعاة الحرية والتعبير في مواجهة الظلم والاستعباد والقهر.

  وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخطبة الثّانية

  عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بما أوصى به أمير المؤمنين، عندما توجَّه بوصيته إلى ولديه الحسن(ع) والحسين(ع)، وكلّ من بلغه أمرها، ومن خلالهما إلى كلّ المؤمنين: "أوصيكم بتقوى الله، ونظم أمركم، وصلاح ذات بينكم، فإنّي سمعت جدّكما رسول الله (ص) يقول: صلاح ذات البين أفضل من عامّة الصّلاة والصّيام، وإنَّ البغضة حالقة الدّين، ولا قوّة إلا بالله. انظروا ذوي أرحامكم فصلوهم، يهوِّن الله عليكم الحساب.

الله الله في الأيتام، لا تغبّوا أفواههم، ولا يضيعوا بحضرتكم، فإنّي سمعت رسول الله(ص) يقول: من عال يتيماً حتى يستغني، أوجب الله له الجنّة، كما أوجب لآكل مال اليتيم النّار. والله الله في القرآن، فلا يسبقكم إلى العمل به غيركم، والله الله في جيرانكم، فإنَّهم وصيّة نبيّكم، مازال يوصينا بهم حتّى ظننَّا أنّه سيورّثهم.

  والله الله في بيت ربّكم، فلا يخلو منكم ما بقيتم، فإنّه إن تُرِك لم تناظروا، وأدنى ما يرجع به مَنْ أمَّه، أن يغفر له ما سلف من ذنبه. والله الله في الصَّلاة، فإنّها خير العمل، وإنّها عمود دينكم. والله الله في الزّكاة، فإنّها تطفئ غضب ربِّكم، والله الله في صيام شهر رمضان، فإنَّ صيامه جنّة من النّار. والله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم. والله الله في الفقراء والمساكين، فأشركوهم في معايشكم...".

  ثم قال(ع): "قولوا للنّاس حسناً، كما أمركم الله عزّ وجلّ، ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، فيولي الله الأمر شراركم، ثم تدعون فلا يستجاب لكم. وعليكم بالتّواصل والتّباذل والتبارّ، وإيّاكم والتّقاطع والتّدابر والتفرّق. وتعاونوا على البرّ والتّقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان".

  أيّها الأحبّة، ونحن نستعيد في التّاسع عشر من هذا الشهر المبارك، ذكرى اليوم الذي خضِّبت فيه لحية أمير المؤمنين الشريفة بدمه الزاكي، وهو يتعبّد لله في صلاته، علينا أن نعي أنَّ عليّاً لن يكتفي منا بأن نعبّر عن ولائنا له بأن نبكيه ونذرف الدموع عليه، هو يريدنا أن نكون على صورته، أن نعمل بوصيَّته، أن نتَّخذها منهاجاً، فبذلك نخلص لعليّ، ونتابع مسيرته، ونواجه التّحدّيات.

لبنان: في انتظار الحكومة

  والبداية من لبنان، الَّذي تتواصل فيه اللّقاءات والاتصالات لتشكيل الحكومة العتيدة الّتي ينتظرها اللبنانيّون، في ظلّ إبداء كلّ القوى السياسية حرصها على أن تبصر النور في المدى القريب، وإن كانت الوقائع لا تؤكِّد ذلك، بعدما رفعت هذه القوى سقف مطالبها وشروطها، وبعد عدم وضوح مدى التدخلات الإقليمية والدولية، إلى حدٍّ يصعب الحديث معه عن ولادة قريبة لها، أسوةً بأكثر الحكومات السّابقة.

  ونحن في هذا المجال، نعيد التأكيد على القوى السياسية أن تتواضع في مطالبها، وأن تخرج من حساباتها الخاصّة ومصالحها إلى حساب الوطن، لتسهيل مهمّة رئيس الحكومة المكلّف وولادة الحكومة، بعدما أصبح واضحاً، وبما لا يقبل الشّكّ، مدى الأخطار الّتي تحدق بالداخل اللبنانيّ، بفعل تفاقم الوضع الاقتصاديّ والأزمات الاجتماعية والمعيشية، وارتفاع نسبة البطالة، إضافةً إلى ما يجري في الخارج، حيث التجاذب الدولي والإقليمي على أشدّه في أكثر من ساحة، وهو يأخذ بعداً عسكرياً وأمنياً واقتصادياً، وشكل العقوبات المالية، والّذي ما كان لبنان بمنأى عنه، وهو لن يكون كذلك في المستقبل. ونحن في الوقت الذي ندعو إلى الإسراع في تأليف الحكومة لإكمال عقد المؤسسات الدستورية، فإننا لا نريدها أية حكومة وكيفما كان.

  لقد وعد اللبنانيون بأنّ محاسبة العهد الجديد وتقويم أدائه، ستكون بعد الانتخابات وما ينتج منها. ولذلك، هم ينتظرون أن تكون هذه الحكومة؛ حكومة العهد، على مستوى الآمال والطموحات التي وعدوا بها، بأن تكون حكومة كفاءات تقدّم فيها القوى السياسية أفضل ما عندها، والقيام بأعباء الوزارات التي ستتولّاها، أن تكون حكومة تعمل وتنتج، لا حكومة مناكفات وصراعات، حكومة خالية من الفساد والصفقات، حكومة تخطّط لا ترتجل، حكومة تعمل لمصلحة مواطنيها، كلّ مواطنيها، لا حكومة يستغلّ كلّ عضو فيها موقعه الوزاري لحساب طائفته أو مذهبه أو موقعه السياسي، حكومة تزيل آثار الماضي وإحباطاته.

جبهة لمواجهة الفساد!

  لقد أصبح من الملحّ أن تستعيد الدولة ثقة مواطنيها، وثقة العالم بها، وهو الّذي يتحدّث عن أزمة تطبع الحياة السياسية والأداء الحكومي في هذا البلد.

لقد كشف مؤتمر سيدر الأخير، عدم ثقة المانحين بإدارة اللبنانيين للملفّات التي يراد دعمها، لحجم الفساد المستشري وانعدام الشفافية. ومن هنا، وحرصاً على هذا البلد، فإننا نقف مع كلّ الداعين إلى اصطفاف جديد بعيد من كلّ الاصطفافات التي أدت إلى انقسام اللبنانيين، إلى اصطفاف عنوانه وطن جامع ومواجهة واسعة لمكافحة الفساد. وطبعاً، لا تشتمل على الفاسدين.

  إننا نأمل أن تنشأ هذه الجبهة، سواء داخل الحكومة أو خارجها، بعد أن أعلنت كلّ القوى السياسية حرصها على مواجهة الفساد، لتشكيل وسيلة ضغط على كلّ من لاتزال تسوّل له نفسه بأن يجعل من البلد بقرة حلوباً له. ودائماً نؤكّد أنّ مهمة مواجهة الفساد ليست سهلة، بعدما تجذّر ومد أذرعه وأمّن له شبكة مصالح من الصعب تفكيكها أو إزالتها.

البقاع: متى تتحرّك الدّولة؟!

  وبالانتقال إلى ما يحصل في البقاع، الذي تصاعد الفلتان الأمني فيه إلى حدّ غير مسبوق، وراح يهدّد حياة المواطنين وأرزاقهم وممتلكاتهم، فإننا في هذا المجال، في الوقت الذي نرفض اتهام هذه المنطقة بأنها خارجة عن القانون وعن منطق الدولة، ونرفض اعتبار أهلها مدانين، نرى أنّ من يقوم بذلك فئة قليلة لا تمثّل طابع هذه المنطقة وجلّ مواطنيها، وهي التي كانت ولاتزال تشكل خزاناً أساسياً للقوى الأمنية، من جيش وقوى أمن داخلي وأمن عام، وندعو الدّولة إلى القيام بمسؤولياتها، وأن تستعيد هيبتها، وأن تفرض النظام على هذه المنطقة.

  ولكننا من باب الواقعية، وحرصاً على إتمام هذه المهمة، نرى ضرورة وقوف القوى السياسية الفاعلة مع الدولة في أداء مهمّتها، ورفع الغطاء الكامل عن المطلوبين والمثيرين للشغب، لا أن تكتفي بالإعلان عن هذا الدعم، دون أن تتحمّل التبعات التي تحدث من أيّ خطوة أمنية قد تقدم عليها.

 

 

 

Plus
T
Print
كلمات مفتاحية

عربي وإقليمي

خطبة الجمعة

السيد علي فضل الله

السيد فضل الله

مسجد الحسنين

معركة بدر

يهمنا تعليقك

أحدث الحلقات

أدعية الأيام

دعاء يوم الأحد بصوت حيدر ملك

17 حزيران 18

أدعية الأيام

دعاء يوم السبت بصوت حيدر ملك

16 حزيران 18

عشرة على عشرة

عشرة على عشرة حلقة عيد الفطر السعيد

15 حزيران 18

أدعية رمضانية

دعاء وداع شهر رمضان المبارك بصوت أبو أيمن

15 حزيران 18

الأدعية العامة

دعاء ختم القرآن بصوت أبو أيمن

15 حزيران 18

الأدعية العامة

دعاء الإمام السجاد عليه السلام عند ختم القرآن بصوت ميثم كاظم

15 حزيران 18

عيد الفطر المبارك

أعمال ومستحبات يوم عيد الفطر المبارك

15 حزيران 18

كلمات للحياة

كلمات سماحة السيد فضل الله (رض) في عيد الفطر المبارك

15 حزيران 18

عيد الفطر المبارك

فاصل عيد الفطر المبارك

15 حزيران 18

عيد الفطر المبارك

أحاديث الائمة في عيد الفطر المبارك - الإمام علي (ع)

15 حزيران 18

عيد الفطر المبارك

أحاديث الائمة في عيد الفطر المبارك - الإمام علي (ع)

15 حزيران 18

عيد الفطر المبارك

أحاديث الائمة في عيد الفطر المبارك الإمام الحسن (ع)

15 حزيران 18

[خطبة الجمعة]

معركة بدر.. الانتصار التّاريخيّ

  ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله ، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبتيه:

 

  قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.

في رحاب هذا الشهر المبارك، شهر رمضان، وفي مثل هذا اليوم في السابع عشر منه، نستعيد ذكرى معركة بدر، ذكرى الانتصار الذي حقّقه الله للمسلمين بقيادة رسول الله(ص) على جبروت قريش وطغيانها.

معركة بدر: نقطة تحوّل

  لقد شكَّل هذا الانتصار محطة تحوّل في الجزيرة العربيّة، فقد كسر هذا الانتصار التفوّق الذي كانت تعيشه قريش منذ زمن، وهي التي كان يقال عنها: "ما ذلّت منذ عزت"، وأصبح المسلمون بعده قوّة تهاب ويحسب لها حساب. وهو أسّس للانتصارات التي حصلت بعده، حتّى إنّ القرآن الكريم سمّى هذا الانتصار بيوم الفرقان، لكونه اليوم الذي انقلبت فيه كفّة الميزان لصالح التوحيد، بعدما كان يميل قبله لمصلحة الشرك والمشركين.

ونحن عندما نستعيد هذه الذكرى، لا نستعيد بذلك انتصاراً حقّقه المسلمون في التاريخ فحسب، بل لنأخذ منه دروساً وعبراً نحن أحوج ما نكون إليها في هذه المرحلة، حيث يشتدّ الصّراع بين الحقّ والباطل، وبين العدل والظلم، وحتى نستلهم معاني هذا الانتصار لنوفّر شروطه، ليتكرّر في كلّ مكان وزمان.

دوافع المعركة

  لقد كانت البداية حين نزلت الآية: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ الله عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا الله}، والتي أذنت لرسول الله(ص) وللمسلمين بالقتال، بعد أن صبروا طويلاً على أذى قريش، والذي لم تقف حدوده عند ما جرى لهم في مكّة من تعذيب وحصار ومؤامرات وصلت إلى حدّ السعي لاغتيال رسول الله(ص)، بل تمادت قريش في طغيانها، حين راحت تؤلّب اليهود والقبائل في داخل المدينة وخارجها على المسلمين، للنيل من قوّتهم وإضعافهم، وتعدّ العدّة لذلك.

  وفي ظلّ التهديدات والاعتداءات المتواصلة والمتكررة من قريش، كان رسول الله(ص) يعلم أنّ الرئة التي تتنفّس منها قريش، هي الطريق الذي كانت تسلكه قوافلها التجاريّة، الممتدَّة من مكّة إلى الشّام، وهذا الطريق يمرّ بمحاذاة المدينة، فكان قراره لإضعاف قريش بتهديد هذا الطّريق. ولم يكن الهدف من هذا التهديد سلب هذه القوافل كما يحلو للبعض أن يتحدّث، بل الضغط على قريش حتى ترعوي عن غيّها من التعرض لهذا الدين الجديد، وتتوقّف عن تأليب الناس عليه، وتسمح للمسلمين بحرية المعتقد، والدعوة إلى ما يؤمنون به مما دعاهم إليه الله، بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن. وكانت أداة التّنفيذ لديه سرايا مقاتلة، خفيفة الحركة، مهمّتها أن تعيق حركة قوافل قريش.

الاستعداد للحرب

  لم تعبأ قريش بهذا اللّون من التهديدات، ولم تقم بردّ فعل عنيف، لكنّ الأمر تغيّر عندما خرج رسول الله(ص) ومعه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً من المهاجرين والأنصار إلى منطقة دفران على مقربة من بدر، للاستيلاء على قافلة لقريش فيها جلّ أموالها، والتي كان من المقرّر أن تمرّ من هناك. يومها، وصل الخبر إلى أبي سفيان قائد القافلة عبر عيون، فعدل مسيرة قافلته، واختار مساراً آخر جعلها تفلت من أيدي المسلمين، فخرجت قريش بعدما علمت بالأمر من مكّة بكلّ رجالاتها، بجيش يقدَّر بألف فارس بقيادة أبي جهل، ولم تتراجع، رغم إفلات أبي سفيان ونجاة قافلته، ورأت أنها فرصتها للقضاء على رسول الله والمسلمين معه.

  وصل خبر خروج جيش قريش إلى رسول الله(ص)، فما كان منه إلا أن استشار أصحابه. فقد كان رسول الله(ص) بين خيارين؛ إما أن يرجع إلى المدينة، وإما أن يقاتل من حيث كان متمركزاً، وهو الذي لم يعدّ نفسه للقتال، لا من حيث العدد، ولا من حيث العدّة. وقف يومها أحد المهاجرين، وهو المقداد بن عمرو، وقال: "يا رسول الله، "امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون".

  وكذلك كان موقف الأنصار، إذ وقف سعد بن معاذ وقال: "بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إنّا قد آمنّا بك وصدّقناك، وشهدنا أنّ ما جئت به حقّ من عند الله، وأعطيناك عهودنا ومواثيقنا على السّمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، ونحن معك، فوالدي بعثك بالحقّ، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته، لخضناه معك، وما تخلّف منّا رجل واحد. إنّا لصُبرٌ في الحرب، صُدقٌ عند اللّقاء، لعلّ الله يريك فينا ما تقَرّ به عينك، فسِرْ بنا على بركة الله". فعزم النبيّ(ص) على القتال، واستعدّ لذلك رغم قلّة العدد والعتاد، مسدَّداً بثقته بالله، وأنه لن يخذله، وأن الله عند وعده حين قال: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين}.

  لما رأى رسول الله(ص) جموع قريش قد أقبلت بعديدها وعدّتها، توجّه إلى ربه بالدعاء: "اللّهمّ هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ أَقْبَلَتْ بِخُيَلَائِهَا وَفَخْرِهَا، تُحَادُّكَ وَتُكَذِّبُ رَسُولَكَ، اللّهمّ فَنَصْرَكَ الَّذِي وَعَدْتنِي.. اللّهمّ إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض أبداً".

انتصار تاريخيّ

  وبدأ القتال والتحم الجيشان، حيث أبدى المسلمون، شباباً وشيوخاً وفتياناً، بسالةً واستعداداً للتضحية قلّ نظيرها، حتى إن أحدهم، ويدعى عمير بن الحمام، قال للنبي(ص)، وفي يده تمرات يأكلهنّ: "يا رسول الله: بَخٍ بَخٍ، ما بيني وبين أَن أَدخل الجنّة إِلا أَن أقتل في سبيل الله". ثم قذف التمرات من يده ليسرع إلى لقاء ربّه، ولا يتأخّر حتى ينتهي من تمراته، وقاتل حتى استشهد.

وجاء المدد الإلهيّ ليعزّز موقعهم المعنوي والإيماني، والّذي تحدّث عنه الله بقوله: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ}. أمّا موارد الاستجابة، فهي أوّلاً: {أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ الله إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ الله إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. وأمّا ثانياً: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ}. وثالثاً: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ}. ورابعاً: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ}.

  ولم يمض وقت طويل، حتى تحقّق النصر المؤزَّر للمسلمين، بفعل جهادهم وتضحياتهم، وتسديد الله لهم. وفرّت قريش من أمامهم وهي تجرّ أذيال الخيبة والهزيمة التي لم تعهدها من قبل، بعد أن قتل سبعون من رجالها، أبرزهم أبو جهل وأميّة بن خلف، وأسر سبعون.

القيادة الحكيمة

  لقد أظهرت هذه المعركة، والتي هي أوَّل معركة يخوضها المسلمون، مدى الحكمة التي تجلّت في قيادة رسول الله(ص) وإدارته لها، كما بيّنت مدى شجاعته. وقد قال عنه عليّ(ع): "لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله(ص)، وهو أقربنا إلى العدوّ، وكان من أشدّ الناس يومئذٍ بأساً". وعن الدور الذي قام به علي(ع)، فقد قتل نصف قتلى بدر، وشارك المسلمين في النصف الآخر. وعن مدى حرصه على رسول الله(ص)، فقد كانت عينه لا تفارقه، حتى إنه كان يترك المعركة بين الحين والآخر ليتفقّده. وقد روي عنه أنه كان يأتي إليه فيجده ساجداً، وهو يقول: يا عليّ يا عظيم.

  وبعد الانتهاء من المعركة، عدّل الرّسول(ص) قواعد التعامل مع الأسرى، حين فرّق الأسرى بين أصحابه ليكونوا معهم في بيوتهم، وعبَّر عن الخلق الإسلامي في التعامل معهم، وقال لأصحابه: استوصوا بهم خيراً، وأطعموهم من أحسن ما تطعمون أهليكم. ووصل الأمر ببعضهم، أنّهم كانوا يقدّمون إلى الأسير خير ما في المنزل من طعام. بعد ذلك، ردَّ كلّ أسير افتداه أهله بالمال إليهم، أمّا الفقراء الّذين لم يجد أهلهم ما يفتدونهم به، فقد أطلق سراحهم من غير فدية، على أن يُعلّم واحدهم عشرةً من أولاد الأنصار القراءة والكتابة.

دروس وعبر

  أيّها الأحبّة: نتعلم من انتصار بدر الثّبات، فلم يخضع المسلمون في بدر للتهاويل ولا لحرب الأعصاب، ولا للماكينات الإعلامية التي كان تصوّر قريش بأنها قوّة لا تقهر. لقد أزال هذا الانتصار القناع عن هذه الأسطورة، وأظهرها على حقيقتها، وعلّمنا عدم الخضوع للأوهام ولا للإعلام المضلّل، بل أن نعيش الثقة بالله أوّلاً، ومن خلاله بالنفس، من دون اكتراث لما يثيره الطغاة في الإعلام والدعاية.

وقد جرّبنا ذلك في لبنان في مواجهة الاحتلال الصهيوني، حيث مضت عقود من الزّمن، والإنسان العربي يعيش وهماً اسمه الجندي الإسرائيلي الذي لا يقهر، إسرائيل زرعت في أذهاننا أنها متى شاءت تستطيع أن تغزو وتقتل وتصادر، وأن لا جيش عربياً يستطيع الوقوف في وجه آلة الحرب الإسرائيليّة، ليعرّوه وليظهروا هشاشة هذا العدوّ.

  لقد خلّدت لنا معركة بدر مشاهد ومواقف تفسّر لنا كيف يمكن للعين أن تقاوم المخرز، وكرّست الحقيقة القرآنية: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله}، كم أظهرت الأثر الذي يتركه الدعاء الذي هو السّلاح الأمضى في التحدّيات، وعند أيّ غمّ أو همّ. طبعاً، هذا لا يعني عدم العمل، فهو لا بدّ من أن يكون باعثاً للعمل، لأنّ الله لا يستجيب لعباده إلّا وهم في مواقع العمل والجهاد.

معركة بدر لم تكن مشهداً مضيئاً من الزمن فحسب، ولكنها كانت مشهداً مؤسِّساً، ومنارةً لكلّ دعاة الحرية والتعبير في مواجهة الظلم والاستعباد والقهر.

  وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخطبة الثّانية

  عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بما أوصى به أمير المؤمنين، عندما توجَّه بوصيته إلى ولديه الحسن(ع) والحسين(ع)، وكلّ من بلغه أمرها، ومن خلالهما إلى كلّ المؤمنين: "أوصيكم بتقوى الله، ونظم أمركم، وصلاح ذات بينكم، فإنّي سمعت جدّكما رسول الله (ص) يقول: صلاح ذات البين أفضل من عامّة الصّلاة والصّيام، وإنَّ البغضة حالقة الدّين، ولا قوّة إلا بالله. انظروا ذوي أرحامكم فصلوهم، يهوِّن الله عليكم الحساب.

الله الله في الأيتام، لا تغبّوا أفواههم، ولا يضيعوا بحضرتكم، فإنّي سمعت رسول الله(ص) يقول: من عال يتيماً حتى يستغني، أوجب الله له الجنّة، كما أوجب لآكل مال اليتيم النّار. والله الله في القرآن، فلا يسبقكم إلى العمل به غيركم، والله الله في جيرانكم، فإنَّهم وصيّة نبيّكم، مازال يوصينا بهم حتّى ظننَّا أنّه سيورّثهم.

  والله الله في بيت ربّكم، فلا يخلو منكم ما بقيتم، فإنّه إن تُرِك لم تناظروا، وأدنى ما يرجع به مَنْ أمَّه، أن يغفر له ما سلف من ذنبه. والله الله في الصَّلاة، فإنّها خير العمل، وإنّها عمود دينكم. والله الله في الزّكاة، فإنّها تطفئ غضب ربِّكم، والله الله في صيام شهر رمضان، فإنَّ صيامه جنّة من النّار. والله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم. والله الله في الفقراء والمساكين، فأشركوهم في معايشكم...".

  ثم قال(ع): "قولوا للنّاس حسناً، كما أمركم الله عزّ وجلّ، ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، فيولي الله الأمر شراركم، ثم تدعون فلا يستجاب لكم. وعليكم بالتّواصل والتّباذل والتبارّ، وإيّاكم والتّقاطع والتّدابر والتفرّق. وتعاونوا على البرّ والتّقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان".

  أيّها الأحبّة، ونحن نستعيد في التّاسع عشر من هذا الشهر المبارك، ذكرى اليوم الذي خضِّبت فيه لحية أمير المؤمنين الشريفة بدمه الزاكي، وهو يتعبّد لله في صلاته، علينا أن نعي أنَّ عليّاً لن يكتفي منا بأن نعبّر عن ولائنا له بأن نبكيه ونذرف الدموع عليه، هو يريدنا أن نكون على صورته، أن نعمل بوصيَّته، أن نتَّخذها منهاجاً، فبذلك نخلص لعليّ، ونتابع مسيرته، ونواجه التّحدّيات.

لبنان: في انتظار الحكومة

  والبداية من لبنان، الَّذي تتواصل فيه اللّقاءات والاتصالات لتشكيل الحكومة العتيدة الّتي ينتظرها اللبنانيّون، في ظلّ إبداء كلّ القوى السياسية حرصها على أن تبصر النور في المدى القريب، وإن كانت الوقائع لا تؤكِّد ذلك، بعدما رفعت هذه القوى سقف مطالبها وشروطها، وبعد عدم وضوح مدى التدخلات الإقليمية والدولية، إلى حدٍّ يصعب الحديث معه عن ولادة قريبة لها، أسوةً بأكثر الحكومات السّابقة.

  ونحن في هذا المجال، نعيد التأكيد على القوى السياسية أن تتواضع في مطالبها، وأن تخرج من حساباتها الخاصّة ومصالحها إلى حساب الوطن، لتسهيل مهمّة رئيس الحكومة المكلّف وولادة الحكومة، بعدما أصبح واضحاً، وبما لا يقبل الشّكّ، مدى الأخطار الّتي تحدق بالداخل اللبنانيّ، بفعل تفاقم الوضع الاقتصاديّ والأزمات الاجتماعية والمعيشية، وارتفاع نسبة البطالة، إضافةً إلى ما يجري في الخارج، حيث التجاذب الدولي والإقليمي على أشدّه في أكثر من ساحة، وهو يأخذ بعداً عسكرياً وأمنياً واقتصادياً، وشكل العقوبات المالية، والّذي ما كان لبنان بمنأى عنه، وهو لن يكون كذلك في المستقبل. ونحن في الوقت الذي ندعو إلى الإسراع في تأليف الحكومة لإكمال عقد المؤسسات الدستورية، فإننا لا نريدها أية حكومة وكيفما كان.

  لقد وعد اللبنانيون بأنّ محاسبة العهد الجديد وتقويم أدائه، ستكون بعد الانتخابات وما ينتج منها. ولذلك، هم ينتظرون أن تكون هذه الحكومة؛ حكومة العهد، على مستوى الآمال والطموحات التي وعدوا بها، بأن تكون حكومة كفاءات تقدّم فيها القوى السياسية أفضل ما عندها، والقيام بأعباء الوزارات التي ستتولّاها، أن تكون حكومة تعمل وتنتج، لا حكومة مناكفات وصراعات، حكومة خالية من الفساد والصفقات، حكومة تخطّط لا ترتجل، حكومة تعمل لمصلحة مواطنيها، كلّ مواطنيها، لا حكومة يستغلّ كلّ عضو فيها موقعه الوزاري لحساب طائفته أو مذهبه أو موقعه السياسي، حكومة تزيل آثار الماضي وإحباطاته.

جبهة لمواجهة الفساد!

  لقد أصبح من الملحّ أن تستعيد الدولة ثقة مواطنيها، وثقة العالم بها، وهو الّذي يتحدّث عن أزمة تطبع الحياة السياسية والأداء الحكومي في هذا البلد.

لقد كشف مؤتمر سيدر الأخير، عدم ثقة المانحين بإدارة اللبنانيين للملفّات التي يراد دعمها، لحجم الفساد المستشري وانعدام الشفافية. ومن هنا، وحرصاً على هذا البلد، فإننا نقف مع كلّ الداعين إلى اصطفاف جديد بعيد من كلّ الاصطفافات التي أدت إلى انقسام اللبنانيين، إلى اصطفاف عنوانه وطن جامع ومواجهة واسعة لمكافحة الفساد. وطبعاً، لا تشتمل على الفاسدين.

  إننا نأمل أن تنشأ هذه الجبهة، سواء داخل الحكومة أو خارجها، بعد أن أعلنت كلّ القوى السياسية حرصها على مواجهة الفساد، لتشكيل وسيلة ضغط على كلّ من لاتزال تسوّل له نفسه بأن يجعل من البلد بقرة حلوباً له. ودائماً نؤكّد أنّ مهمة مواجهة الفساد ليست سهلة، بعدما تجذّر ومد أذرعه وأمّن له شبكة مصالح من الصعب تفكيكها أو إزالتها.

البقاع: متى تتحرّك الدّولة؟!

  وبالانتقال إلى ما يحصل في البقاع، الذي تصاعد الفلتان الأمني فيه إلى حدّ غير مسبوق، وراح يهدّد حياة المواطنين وأرزاقهم وممتلكاتهم، فإننا في هذا المجال، في الوقت الذي نرفض اتهام هذه المنطقة بأنها خارجة عن القانون وعن منطق الدولة، ونرفض اعتبار أهلها مدانين، نرى أنّ من يقوم بذلك فئة قليلة لا تمثّل طابع هذه المنطقة وجلّ مواطنيها، وهي التي كانت ولاتزال تشكل خزاناً أساسياً للقوى الأمنية، من جيش وقوى أمن داخلي وأمن عام، وندعو الدّولة إلى القيام بمسؤولياتها، وأن تستعيد هيبتها، وأن تفرض النظام على هذه المنطقة.

  ولكننا من باب الواقعية، وحرصاً على إتمام هذه المهمة، نرى ضرورة وقوف القوى السياسية الفاعلة مع الدولة في أداء مهمّتها، ورفع الغطاء الكامل عن المطلوبين والمثيرين للشغب، لا أن تكتفي بالإعلان عن هذا الدعم، دون أن تتحمّل التبعات التي تحدث من أيّ خطوة أمنية قد تقدم عليها.

 

 

 

عربي وإقليمي,خطبة الجمعة, السيد علي فضل الله, السيد فضل الله, مسجد الحسنين, معركة بدر
Print
جميع الحقوق محفوظة, قناة الإيمان الفضائية