Logo Logo
الرئيسية
البرامج
جدول البرامج
الأخبار
مع السيد
مرئيات
مع السيد
البرامج الميدانية
البرامج التخصصية
برامج السيرة
البرامج الثقافية
برامج الأطفال
البرامج الوثائقية
برامج التغطيات والتكنولوجيا
المزيد

العلامة السيد علي فضل الله في خطبتي الجمعة: الوعد الإلهيّ بدولة العدل

04 أيار 18 - 17:20
مشاهدة
1989
مشاركة

[خطبة الجمعة]

الوعد الإلهيّ بدولة العدل

ألقى العلامة السيّد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبتيه:

{وَعَدَ الله الَّذِينَ أَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً}(النّور/ 55).

الوعد الإلهيّ

نزلت هذه الآية الكريمة لتعبّر عن سنّة إلهية جارية، تقضي بأنّ الظلم مهما علا فهو إلى زوال. وقد وعد الله سبحانه وتعالى فيها المؤمنين العاملين بإيمانهم، بأنه سيخلفهم في الأرض، بأن يحكموا الأرض بعد أن ينتزعوها من أيدي الظالمين والمفسدين، وأن يمكّن لهم دينهم ويبدلهم بعد خوفهم آمناً.

وقد اختلف المفسرون في تحديد موارد نزولها، ولكن هذه الموارد على أهميتها، تبقى محدودة على مستوى المكان، فيما مظهرها الأبرز وتعبيرها الأشمل، هو الذي أشارت إليه الروايات التي تحدّثت عن التحوّل الكبير الذي سيحصل بخروج الإمام المهدي(عج)، والذي على يديه سيتحقَّق الوعد الإلهيّ، مما أشارت إليه هذه الآية بأجلى صورها، وهذا ما ندعو الله به دائماً: "اللّـهُمَّ  وَصَلِّ عَلى وَلِيِّ أَمْرِكَ الْقائِمِ الْمُؤَمَّلِ، وَالْعَدْلِ الْمُنْتَظَرِ، وَحُفَّهُ بِمَلائِكَتِكَ الْمُقَرَّبينَ، وَأَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ يا رَبَّ الْعالَمينَ. أَللّـهُمَّ اجْعَلْهُ الدّاعِيَ إِلى كِتابِكَ، وَالْقائِمَ بِدينِكَ، اِسْتَخْلِفْهُ في الأَرْضِ كَما اسْتَخْلَفْتَ الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِ، مَكِّنْ لَهُ دينَهُ الَّذي ارْتَضَيْتَهُ لَهُ، أَبْدِلْهُ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِ أَمْناً، يَعْبُدُكَ لا يُشْرِكُ بِكَ شَيْئاً. أَللّـهُمَّ أَعِزَّهُ وَأَعْزِزْ بِهِ، وَانْصُرْهُ وَانْتَصِرْ بِهِ، وَانْصُرْهُ نَصْراً عَزيزاً، وَاْفتَحْ لَهُ فَتْحاً يَسيراً، وَاجْعَلْ لَهُ مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصيراً. أَللّـهُمَّ أَظْهِرْ بِهِ دينَكَ، وَسُنَّةَ نَبِيِّكَ، حَتّى لا يَسْتَخْفِيَ بِشَيءٍ مِنَ الْحَقِّ، مَخافَةَ أَحَد مِنَ الْخَلْقِ".

وإلى هذا، أشارت الروايات المتواترة، فقد ورد في الحديث: "لا تقوم السّاعة حتى يخرج من أهلي من ولد فاطمة، فيملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً". وفي حديث آخر: "لو لم يبق من الدّنيا إلا يوم واحد، لطوّل الله ذلك اليوم، حتى يخرج رجل من ولدي، يملؤها عدلاً وقسطاً، كما ملئت جوراً وظلماً". وقد بيّنت الأحاديث الشّريفة، أنه من السلالة الطاهرة من أئمة أهل البيت(ع)، والتي لن ينقطع حضورها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

ووردَ أيضاً: "إنِّي مخلّفٌ فيكُم الثّقلين، ما إن تمسَّكتُم بهما لنْ تضلّوا بعدي: كتابَ اللهِ حبلٌ ممدودٌ منَ السّماءِ إلى الأرضِ، وعترتي أهلَ بيتي، وإنّ اللطيفَ الخبيرَ أنبأني أنّهما لن يفترقا حتّى يرِدا عليَّ الحوضَ، فانظروا كيفَ تخلّفونَني فيهِما". ففي كلّ زمان، يوجد مع القرآن رجل من أهل البيت(ع)، هذا ما حصل منذ غياب رسول الله(ص)، إلى أن يرث الله الأرض وما عليها.

وقد ورد في حديثٍ عن الإمام الحسن العسكري(ع)، وهو يشير إلى ولده الحجَّة(عج): "ابني محمّد هو الإمام والحجّة بعدي. من مات ولم يعرفه مات ميتة جاهلية، أما إنّ له غيبة يحار فيها الجاهلون، ويهلك فيها المبطلون، ويكذب فيها الوقّاتون".

إذاً، نحن على موعدٍ مع تحقّق هذا الوعد الإلهيّ الذي نترقّبه، وندعو الله أن يكون قريباً لنكون من أنصاره وأعوانه. ونحن عندما نستعيد ذكرى ولادة الإمام(عج)، التي مرَّت علينا في الخامس من شهر شعبان، فإنّما نستعيد هذا الحلم بتحقيق مشروعه الّذي هو حلم الأنبياء والرّسل، بإقامة العدل في الحياة. فالأنبياء كما تحدَّث القرآن الكريم جاؤوا لذلك: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}. وإيماننا به إنّما ينطلق من إيماننا بصدق ما جاء من عند الله، بتحقيق وعده وسنَّته بأن الأرض يرثها عباده الصّالحون، والأحاديث المتواترة الواردة عن رسول الله(ص) والأئمة(ع) في ذلك كثيرة.

لماذا الحديث عن إمام غائب؟

وإذا كان البعض يتحدّث عن غرابة أن يولد إنسان ويعيش طوال هذه الفترة من الزّمن، فهذا يرد بأن ذلك ليس غريباً على قدرة الله الّذي إن شاء فعل، وهو لا يفعل إلّا لحكمة يريدها.

وهنا قد يسأل البعض: ما هي فائدة الحديث عن إمامٍ هو غائب وبعيد، فليكن الحديث عنه عند حضوره.

هنا يجاب عن ذلك، بأننا نرى في هذا الوعد أمرين أساسيّين نحن أحوج ما نكون إليهما؛ الأوّل أنّه يشعرنا بالأمل الراسخ والدّائم الذي نحتاج إليه. فهذا الوعد الذي سيتحقّق على يدي الإمام(عج)، يجعل الإنسان يثق بأنّ المستقبل لن يكون على صورة الحاضر، وأنّه مهما ادلهمّت الأوضاع وكبرت التحدّيات وتعاظم الظلم والطغيان والاستكبار في الأرض، فإنّ الفرج آتٍ، وهو ليس وهماً أو أماني معسولة، هو حقيقة يرعاها ربّ الكون والعباد، وأنّ أيّ جهود تبذل في مقارعة الظّلم والطغيان لن تذهب سدى، حتى لو خيِّل إلينا ذلك، بل ستساهم في الاقتراب نحو العدل الّذي سيتحقّق كاملاً بظهور الإمام(عج)، وتصبّ في هذا النّهر الكبير. ومن هنا، ورد الحديث: "انتظار الفرج من أعظم الفرج".

أمّا الأمر الثاني، فهو أنَّ هذا الوعد يحفّزنا للعمل، فالله عندما تحدَّث عن وعده بالاستخلاف والتمكين والأمن، لم يجعل ذلك مجاناً، أو أن يأتي بلا جهدٍ يبذل، بل هو نتيجة إيمان وعمل صالح، وبذل تضحيات وأثمانٍ غالية، فالله قال: {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ}، وهو يكون بمواجهة الضّعف والسّعي لبناء القوّة {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ}[القصص/5]. فالله لن يحقّق هذا المقام للمستضعفين، إلّا إذا عمل المستضعفون على أن ينفضوا عنهم غبار الضّعف والهزيمة؛ إنّه وعدٌ يأتي بعد صلاح وإصلاح. قال تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}[الأنبياء/ 105].

من الّذين يرثون الأرض؟!

الأرض لن يرثها إلا الّذين التزموا الصلاح، ومن أبرز عناوين الصّلاح، مواجهة التحديات، وعدم الاستسلام للضعف، وصناعة القوّة، والاستعداد لتحمّل تكاليف هذا الالتزام.

 وبذلك، نرى خطأ النظرة التي تكتفي عندما ترى ظلماً أو طغياناً أو فساداً، بأن تقلب كفّاً بكفّ، وتقول: "اللّهمّ عجّل فرجه"، وكأنها بذلك تضع الأمر عند الإمام(عج)، بدلاً من أن يقوم الفرد والأمَّة بدورهما في مواجهة الظلم والفساد والانحراف بكلّ مظاهره وأشكاله. فالإمام(عج) لن يكون بديلاً منّا في أداء دورنا المطلوب الذي حمّلنا الله إيّاه في إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل، ونشر العدل وتعميم الخير في الحياة، وتحقيق دوره لن يتمّ إلّا بعد قيامنا بالأدوار المطلوبة منا، وعندها نستحقّ أن نقول: "اللّهمّ عجّل ظهوره".

الانتظار المطلوب

إنّ انتظار الإمام المهدي(عج) لن يكون انتظار الخاملين واليائسين، بل هو انتظار العاملين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسّاعين لإقامة الحقّ والعدل. إن انتظاره يعني أن نكون حيث يكون، فالإمام كما نؤمن، هو من يقود آخر حلقة من حلقات الصّراع بين الحقّ والباطل، بين العدل والظلم، بعد أن يقوم كل الممهّدين له بدورهم في ذلك.

ومن هذا الاتّجاه، نقرأ حديث الإمام الصّادق(ع): "إنّ ظهور المهدي لا يتحقّق حتى يشقى من شقي ويسعد من سعد". فالإمام لن يظهر إلا بعد تحدّيات وصعوبات ، يُمحّص فيها النّاس، ليكون معه كلّ الذين يعيشون حقيقة الانتظار. ولذلك، نستطيع القول إنّه كما ننتظره ينتظرنا أيضاً، وكما ينتظرنا ننتظره.

لهذا نرى، ونحن في ذكراه، أنّ كلًّا منا هو معنيّ في مرحلته وعمره وزمنه بأن يدرس موقعه من الحقّ والعدل؛ أين هو من هذه القيم في حياته الخاصّة والعامّة؟ وأين موقفه من مواجهة الباطل واستشراء الظلم والطغيان؟ وأين ميدانه الذي لا يقف عند الميدان العسكريّ فحسب، بل يمتدّ إلى الميدان الثقافي والإعلامي والسياسي والاقتصادي؟ فالإمام(عج) لن يكون جنوده فقط هم الّذين يعملون في الميدان العسكري، بل أنصاره هم في كلّ الميادين؛ في ميدان الثقافة والاجتماع والاقتصاد والسياسة والدّعوة إلى الله. فالإمام(عج) لن يأتي كما يعتقد البعض ليقطع الرّقاب، بل ليهدي الناس ويبني الحياة، وبالطبع هو سيواجه من يواجهه.

إنَّ الأساس في التحضير لخروج الإمام المهدي(عج)، هو إعداد الذَّات، والحثّ على إطلاق كلّ طاقات الأمَّة، لنكون جميعاً على أتمّ الاستعداد والجهوزية، وفي أعلى درجات الكفاءة وفق حاجات السّاحة، فهو لن يقبل إلا بأصحاب الكفاءات والمواقع المتقدّمة وأصحاب الإرادات والقياديين في كلّ ميدان. لذلك، سنقف لنبايعه، على أن نكون معبّرين عنه بإيماننا، بأخلاقنا، بعلمنا، بحلمنا، بصدقنا، بشجاعتنا... وأن نكون حيث يكون الحقّ، حتى لو كان على حسابنا، ومع العدل، حتى لو عانينا في حمله، وفي مواجهة كلّ ظلم وكلّ استكبار، سواء كان داخليّاً أو على مستوى العالم، وبأن لا نهادن ظالماً ولا فاسداً ولا مفسداً، وعند ذلك، نكون فعلاً من أنصاره وأعوانه والدّاعين إليه، بحيث يكون همنا الدائم أن نواصل القيام بمسؤوليّتنا، لنكون الممهّدين له، إن لم يوفّقنا الله إلى أن نكون معه، وإن وفّقنا لنكون معه، أن نكون قادرين على أن يكون لنا دور فاعل ومؤثّر في مسيرته، وكلٌّ في الموقع الذي ينبغي أن يعدّ نفسه له، في الوقت الذي ندعو دائماً: "اللّهمّ كن لوليّك الحجّة بن الحسن، صلواتك عليه وعلى آبائه، في هذه الساعة، وفي كلّ ساعة، وليّاً وحافظاً، وقائداً وناصراً، ودليلاً وعيناً، حتى تسكنه أرضك طوعاً، وتمتّعه فيها طويلاً، برحمتك يا أرحم الراحمين".

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخطبة الثّانية

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بتقوى الله، والعمل بوصيَّته عندما قال: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ}. والتقوى تعني أن لا يفقدك الله حيث أمرك، ولا يجدك حيث نهاك، تعني أن لا تحرّك يداً أو سلاحاً، أن لا تنطق بكلمة، أن لا تتّخذ موقفاً، أن لا تؤيّد، أن لا تعارض، حتى تعلم أنَّ في ذلك رضا لله. التقوى تعني أن تخشى الله، ولا تخشى أحداً سواه.

أن نتّقي الله، يعني أن نتَّقيه في عباده وبلاده، كما قال أمير المؤمنين(ع): "اتّقوا الله في عباده وبلاده، فإنّكم مسؤولون...". ونحن لن نخسر مع التقوى، بعدما وعد الله وقال: {وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}، وقال: {إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}. فلنبادر إلى التقوى، حتى نكون أكثر وعياً ومسؤوليّةً وقوّةً وقدرةً على مواجهة التحدّيات.

أيّ مجلس ينتظر لبنان؟!

والبداية من لبنان، الَّذي يدخل بعد أقلّ من 48 ساعة في حمى الانتخابات النيابيّة، التي ستتيح للبنانيّين فرصة اختيار ممثّليهم الحقيقيّين في الندوة البرلمانية بعد طول انتظار. ونحن أمام هذا الاستحقاق، نعيد دعوة اللّبنانيين إلى أن يرتفعوا إلى مستوى هذا الحدث، والتحدّيات التي تواجه وطنهم في الداخل والخارج، وندعوهم إلى أن لا يكون اختيارهم لممثليهم ولمن سيحملون المسؤولية عنهم ارتجالياً، أو صدًى لانفعال أو حماسٍ، أو نتيجة خطاب وكلام معسول، أو نتيجة وعود لا تسمن ولا تغني من جوع، أو لاعتبارات ومصالح خاصّة، أو لإغراء مالي، وما أكثر الإغراءات المالية التي تسعى وستسعى لتشتري الضمائر والنفوس!

إنَّنا ندعو اللّبنانيين إلى أن يأخذوا في الاعتبار، أنّ الورقة التي يضعونها في صندوق الاقتراع، ليست ورقة عاديّة، هي ترسم مستقبلهم ومستقبل أبنائهم ومستقبل وطنهم لأربع سنوات قادمة، وقد تكون أكثر، فبها يعطون توكيلاً مطلقاً لمن ينتخبونهم، وهذا التوكيل ليس توكيلاً عاديّاً، هو يتضمَّن إعطاءهم الحريّة في إصدار القوانين والتّشريعات، وفي اختيار من يتولّون مواقع المسؤولية، وفي الرقابة على الحكومة ومحاكمة أدائها، وفي أسلوب معالجة قضاياهم وإزالة همومهم، وكما لا يعطي أحدٌ توكيلاً لأحد في قضاياه الخاصّة وأعماله إلّا بعد دراسة، وبعد التأكّد من أنَّه لن يخون أمانته، وأنّه سيقوم بواجباته تجاهه، لا بدَّ من أن يكون التأنّي أكبر في إعطاء الوكالة لمن يقرّر مصيره ومصير الوطن.

ولذلك، هم يتحمَّلون مسؤوليّة القرارات التي يتّخذونها، إيجاباً عندما تكون القرارات إيجابيّة، وسلباً عندما تكون سلبية. وهذه المسؤولية هي مسؤوليّة أمام الله الذي سيسألنا عن نتائج أيّ قرار نتخذه، قبل أن تكون مسؤوليّة تجاه وطننا ومستقبل أبنائنا.

لذلك، دعونا وندعو إلى التّدقيق جيّداً في أيّ خيارٍ نتّخذه، أن ندرس من ننتخبه، أن ندرس تاريخه ومدى صدقه وأمانته وإخلاصه للمسؤوليّة التي سيحملها في حفظ الوطن وقوته، حتى لا يخدعنا أحد، أو نلدغ من جحر مرتين، أو نكرّر الأخطاء والتجارب.

إنّنا لسنا حياديين بين من يريد الخير لصالح البلد وقضاياه الوطنيّة، ومن يريده بقرة حلوباً لمصالحه أو لمصالح الآخرين، ممن لا يريدون خيراً بهذا البلد. ومن هنا، دعونا وندعو إلى مشاركة فعّالة وحضور قويّ في هذا الاستحقاق.

لقد اعتدنا في هذا البلد أن نكثر الانتقاد، ونداري ونجامل عند اتخاذ المواقف، فلنعكس الأمر، بأن نقلّل الانتقاد، ونقف الموقف القويّ الذي نتجاوز فيه كلّ حساباتنا الخاصّة، لحساب وطن نريده أن يكون عزيزاً قوياً حراً خالياً من الفساد والمفسدين، ومن المستثمرين في مصائر النّاس ومستقبلهم، أو من يريدونه أن يكون بقرةً حلوباً لهم.

وفي هذا الوقت، ندعو كلّ القوى السياسيّة إلى أن ترأف بهذا الوطن، أن لا تكون الساعات المتبقّية فرصة لها لتفرغ مخزونها من الشحن الطّائفي والمذهبيّ والمناطقيّ والعشائريّ، وإثارة التهم والتخوين بحقّ شركاء الوطن أو الطائفة، ما يهدِّد الوحدة داخل كلّ طائفة، أو بين الطوائف والمذاهب، ويهدّد الوحدة الوطنيّة أيضاً، فلا ينبغي لأجل الوصول إلى مقعد نيابي، أو لحماية موقع موجود، أن نجعل البلد في مهبّ رياح الفتنة، أن نهدِّد الوحدة بكلّ عناوينها، أو نحدث جروحاً في الدّاخل قد لا تندمل بسرعة كما نعتقد.

لقد قلناها سابقاً، ونقولها الآن، إنَّ الانتخابات نعمة وفرصة للتّغيير، ولتجديد الدم في عروق الوطن، فعلينا أن لا نحوّلها إلى نقمة لتزيد البلد جراحاً.

فلسطين: المواجهة بالوحدة

وفي مجال آخر، ومع انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني، الذي لم ينعقد منذ فترة طويلة، ومع ما رافق دورته الـ 23، والمقررات الصادرة عنه من ردود فعل، فإننا نتوجَّه إلى كلِّ فصائل المقاومة الفلسطينية، وكلِّ الحريصين على القضيَّة الفلسطينيَّة، أن يكون شعارهم الوحيد في هذه المرحلة هو الوحدة، بالنّظر إلى حجم المؤامرة الهائل الذي يستهدف الشعب الفلسطيني وقضيّته بالكامل.

إنَّنا نقول للجميع: إنّ الوقت ليس وقت تخوين واتهامات من هنا وهناك، والمرحلة هي أخطر بكثير من أن تغدو القضية بمجملها محلّ مساومات، فالعالم كلّه يترقّب الثاني عشر من الشهر الحالي، لا من حيث كونه الموعد الذي ستنتقل فيه السفارة الأميركيّة إلى القدس فحسب، بل لأنَّ هذا الموعد يراد له أن يكون الخطوة الأولى لإنهاء القضيّة الفلسطينيّة، ما يستدعي وحدة فلسطينيّة داخليّة، وبذل كلّ الجهود لإعادة القضية الفلسطينيّة إلى الواجهة، لئلّا تغرق في متاهات الخلافات الداخليّة.

اتّهامات باطلة ضدّ إيران

ونصل إلى الاتّهامات الّتي صدرت عن رئيس وزراء العدوّ الصّهيونيّ، وأشارت إلى وجود وثائق تزعم بأنَّ إيران تخفي برنامجاً للأسلحة النوويّة منذ سنوات عن أنظار المجتمع الدّولي في محفوظاتها النووية السرية.

إننا أمام هذا الادّعاء، لا بدَّ من أن نتوقَّف عند ملاحظتين: الملاحظة الأولى هي الفبركة التي اعتدناها من هذا العالم، والتي كان شاهدها الأبرز العراق، حيث عرضت سابقاً مثل هذه الوثائق، ثم تبيَّن أنَّها مزوّرة ومفبركة، ما يجعلنا لا نصدّق مثل هذه الأخبار، أو لا نسارع إلى تصديقها. أما الملاحظة الثانية، فهي أنّ هذا الاتهام يصدر عمن يملك ترسانة نووية وأكثر من مائتي صاروخ نووي.

إننا لا نرى في هذا الاستعراض إلّا تبريراً لقرارات قد تتخذ بحقّ الجمهورية الإسلامية، وتمهيداً لضغوط تمارس عليها، ورغبةً في خلق أمان أوسع للكيان الصهيوني.

عيد الصّحافة

وأخيراً، لا بدَّ من أن نتوجَّه في السادس من أيار، في عيد الصّحافة، بالتهنئة إلى الصحافيّين وكلّ الذين يمارسون مهنة الإعلام، هذه المهنة التي إن أحسن العاملون بها دورهم في أدائها، فهي تساهم في إصلاح واقعنا، وإن أخفقوا في هذا الدّور أو أساؤوا إليه، وجعلوا أنفسهم رهائن لأصحاب المال والسلطة، فسيجلبون المعاناة للجميع.

هناك من يقول إنَّ الصحافة هي السّلطة الرابعة، لكنّنا نقول إنَّ الصحافة هي السّلطة الأولى، وهي القادرة على قلب المعادلات وتغيير الواقع؛ من صحافة مخلصة واعية ومسؤولة، إلى بناء مجتمع واعٍ ومخلص ومسؤول.

Plus
T
Print
كلمات مفتاحية

عربي وإقليمي

أخبار العالم الإسلامي

خطبة الجمعة

السيد علي فضل الله

مسجد الإمامين الحسنين

فضل الله

يهمنا تعليقك

أحدث الحلقات

باقة خاصة في موسم الحج

أحاديث حول الحج -2-

14 آب 18

لبيتُ لك

الحج تجليات الوسطية - لبيتُ لك

13 آب 18

كلمات في الحج

كلمات سماحة السيد فضل الله (رض) في موسم الحج -1-

13 آب 18

لبيتُ لك

الحج جامعة إسلامية - لبيتُ لك

12 آب 18

باقة خاصة في موسم الحج

فلاش موسم الحج ١٤٣٩ ه

12 آب 18

باقة خاصة في موسم الحج

أحاديث حول الحج -1-

12 آب 18

خطبتي صلاة الجمعة

خطبة الجمعة 10-08-2018

10 آب 18

Link In

link in - الحلقة التاسعة والعشرون

08 آب 18

أدعية الصحيفة السجادية بصوت السيد فضل الله (رض)

دعاؤه متفزعا الى الله تعالى - بصوت سماحة السيد فضل الله (رض)

08 آب 18

قضايا الناس

قضايا الناس - الحجاب

07 آب 18

خطوة

قصص تموز - خطوة

05 آب 18

إضاءات

فجوة التفاهم بين الرجل والمرأة - إضاءات

04 آب 18

[خطبة الجمعة]

الوعد الإلهيّ بدولة العدل

ألقى العلامة السيّد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبتيه:

{وَعَدَ الله الَّذِينَ أَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً}(النّور/ 55).

الوعد الإلهيّ

نزلت هذه الآية الكريمة لتعبّر عن سنّة إلهية جارية، تقضي بأنّ الظلم مهما علا فهو إلى زوال. وقد وعد الله سبحانه وتعالى فيها المؤمنين العاملين بإيمانهم، بأنه سيخلفهم في الأرض، بأن يحكموا الأرض بعد أن ينتزعوها من أيدي الظالمين والمفسدين، وأن يمكّن لهم دينهم ويبدلهم بعد خوفهم آمناً.

وقد اختلف المفسرون في تحديد موارد نزولها، ولكن هذه الموارد على أهميتها، تبقى محدودة على مستوى المكان، فيما مظهرها الأبرز وتعبيرها الأشمل، هو الذي أشارت إليه الروايات التي تحدّثت عن التحوّل الكبير الذي سيحصل بخروج الإمام المهدي(عج)، والذي على يديه سيتحقَّق الوعد الإلهيّ، مما أشارت إليه هذه الآية بأجلى صورها، وهذا ما ندعو الله به دائماً: "اللّـهُمَّ  وَصَلِّ عَلى وَلِيِّ أَمْرِكَ الْقائِمِ الْمُؤَمَّلِ، وَالْعَدْلِ الْمُنْتَظَرِ، وَحُفَّهُ بِمَلائِكَتِكَ الْمُقَرَّبينَ، وَأَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ يا رَبَّ الْعالَمينَ. أَللّـهُمَّ اجْعَلْهُ الدّاعِيَ إِلى كِتابِكَ، وَالْقائِمَ بِدينِكَ، اِسْتَخْلِفْهُ في الأَرْضِ كَما اسْتَخْلَفْتَ الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِ، مَكِّنْ لَهُ دينَهُ الَّذي ارْتَضَيْتَهُ لَهُ، أَبْدِلْهُ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِ أَمْناً، يَعْبُدُكَ لا يُشْرِكُ بِكَ شَيْئاً. أَللّـهُمَّ أَعِزَّهُ وَأَعْزِزْ بِهِ، وَانْصُرْهُ وَانْتَصِرْ بِهِ، وَانْصُرْهُ نَصْراً عَزيزاً، وَاْفتَحْ لَهُ فَتْحاً يَسيراً، وَاجْعَلْ لَهُ مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصيراً. أَللّـهُمَّ أَظْهِرْ بِهِ دينَكَ، وَسُنَّةَ نَبِيِّكَ، حَتّى لا يَسْتَخْفِيَ بِشَيءٍ مِنَ الْحَقِّ، مَخافَةَ أَحَد مِنَ الْخَلْقِ".

وإلى هذا، أشارت الروايات المتواترة، فقد ورد في الحديث: "لا تقوم السّاعة حتى يخرج من أهلي من ولد فاطمة، فيملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً". وفي حديث آخر: "لو لم يبق من الدّنيا إلا يوم واحد، لطوّل الله ذلك اليوم، حتى يخرج رجل من ولدي، يملؤها عدلاً وقسطاً، كما ملئت جوراً وظلماً". وقد بيّنت الأحاديث الشّريفة، أنه من السلالة الطاهرة من أئمة أهل البيت(ع)، والتي لن ينقطع حضورها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

ووردَ أيضاً: "إنِّي مخلّفٌ فيكُم الثّقلين، ما إن تمسَّكتُم بهما لنْ تضلّوا بعدي: كتابَ اللهِ حبلٌ ممدودٌ منَ السّماءِ إلى الأرضِ، وعترتي أهلَ بيتي، وإنّ اللطيفَ الخبيرَ أنبأني أنّهما لن يفترقا حتّى يرِدا عليَّ الحوضَ، فانظروا كيفَ تخلّفونَني فيهِما". ففي كلّ زمان، يوجد مع القرآن رجل من أهل البيت(ع)، هذا ما حصل منذ غياب رسول الله(ص)، إلى أن يرث الله الأرض وما عليها.

وقد ورد في حديثٍ عن الإمام الحسن العسكري(ع)، وهو يشير إلى ولده الحجَّة(عج): "ابني محمّد هو الإمام والحجّة بعدي. من مات ولم يعرفه مات ميتة جاهلية، أما إنّ له غيبة يحار فيها الجاهلون، ويهلك فيها المبطلون، ويكذب فيها الوقّاتون".

إذاً، نحن على موعدٍ مع تحقّق هذا الوعد الإلهيّ الذي نترقّبه، وندعو الله أن يكون قريباً لنكون من أنصاره وأعوانه. ونحن عندما نستعيد ذكرى ولادة الإمام(عج)، التي مرَّت علينا في الخامس من شهر شعبان، فإنّما نستعيد هذا الحلم بتحقيق مشروعه الّذي هو حلم الأنبياء والرّسل، بإقامة العدل في الحياة. فالأنبياء كما تحدَّث القرآن الكريم جاؤوا لذلك: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}. وإيماننا به إنّما ينطلق من إيماننا بصدق ما جاء من عند الله، بتحقيق وعده وسنَّته بأن الأرض يرثها عباده الصّالحون، والأحاديث المتواترة الواردة عن رسول الله(ص) والأئمة(ع) في ذلك كثيرة.

لماذا الحديث عن إمام غائب؟

وإذا كان البعض يتحدّث عن غرابة أن يولد إنسان ويعيش طوال هذه الفترة من الزّمن، فهذا يرد بأن ذلك ليس غريباً على قدرة الله الّذي إن شاء فعل، وهو لا يفعل إلّا لحكمة يريدها.

وهنا قد يسأل البعض: ما هي فائدة الحديث عن إمامٍ هو غائب وبعيد، فليكن الحديث عنه عند حضوره.

هنا يجاب عن ذلك، بأننا نرى في هذا الوعد أمرين أساسيّين نحن أحوج ما نكون إليهما؛ الأوّل أنّه يشعرنا بالأمل الراسخ والدّائم الذي نحتاج إليه. فهذا الوعد الذي سيتحقّق على يدي الإمام(عج)، يجعل الإنسان يثق بأنّ المستقبل لن يكون على صورة الحاضر، وأنّه مهما ادلهمّت الأوضاع وكبرت التحدّيات وتعاظم الظلم والطغيان والاستكبار في الأرض، فإنّ الفرج آتٍ، وهو ليس وهماً أو أماني معسولة، هو حقيقة يرعاها ربّ الكون والعباد، وأنّ أيّ جهود تبذل في مقارعة الظّلم والطغيان لن تذهب سدى، حتى لو خيِّل إلينا ذلك، بل ستساهم في الاقتراب نحو العدل الّذي سيتحقّق كاملاً بظهور الإمام(عج)، وتصبّ في هذا النّهر الكبير. ومن هنا، ورد الحديث: "انتظار الفرج من أعظم الفرج".

أمّا الأمر الثاني، فهو أنَّ هذا الوعد يحفّزنا للعمل، فالله عندما تحدَّث عن وعده بالاستخلاف والتمكين والأمن، لم يجعل ذلك مجاناً، أو أن يأتي بلا جهدٍ يبذل، بل هو نتيجة إيمان وعمل صالح، وبذل تضحيات وأثمانٍ غالية، فالله قال: {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ}، وهو يكون بمواجهة الضّعف والسّعي لبناء القوّة {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ}[القصص/5]. فالله لن يحقّق هذا المقام للمستضعفين، إلّا إذا عمل المستضعفون على أن ينفضوا عنهم غبار الضّعف والهزيمة؛ إنّه وعدٌ يأتي بعد صلاح وإصلاح. قال تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}[الأنبياء/ 105].

من الّذين يرثون الأرض؟!

الأرض لن يرثها إلا الّذين التزموا الصلاح، ومن أبرز عناوين الصّلاح، مواجهة التحديات، وعدم الاستسلام للضعف، وصناعة القوّة، والاستعداد لتحمّل تكاليف هذا الالتزام.

 وبذلك، نرى خطأ النظرة التي تكتفي عندما ترى ظلماً أو طغياناً أو فساداً، بأن تقلب كفّاً بكفّ، وتقول: "اللّهمّ عجّل فرجه"، وكأنها بذلك تضع الأمر عند الإمام(عج)، بدلاً من أن يقوم الفرد والأمَّة بدورهما في مواجهة الظلم والفساد والانحراف بكلّ مظاهره وأشكاله. فالإمام(عج) لن يكون بديلاً منّا في أداء دورنا المطلوب الذي حمّلنا الله إيّاه في إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل، ونشر العدل وتعميم الخير في الحياة، وتحقيق دوره لن يتمّ إلّا بعد قيامنا بالأدوار المطلوبة منا، وعندها نستحقّ أن نقول: "اللّهمّ عجّل ظهوره".

الانتظار المطلوب

إنّ انتظار الإمام المهدي(عج) لن يكون انتظار الخاملين واليائسين، بل هو انتظار العاملين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسّاعين لإقامة الحقّ والعدل. إن انتظاره يعني أن نكون حيث يكون، فالإمام كما نؤمن، هو من يقود آخر حلقة من حلقات الصّراع بين الحقّ والباطل، بين العدل والظلم، بعد أن يقوم كل الممهّدين له بدورهم في ذلك.

ومن هذا الاتّجاه، نقرأ حديث الإمام الصّادق(ع): "إنّ ظهور المهدي لا يتحقّق حتى يشقى من شقي ويسعد من سعد". فالإمام لن يظهر إلا بعد تحدّيات وصعوبات ، يُمحّص فيها النّاس، ليكون معه كلّ الذين يعيشون حقيقة الانتظار. ولذلك، نستطيع القول إنّه كما ننتظره ينتظرنا أيضاً، وكما ينتظرنا ننتظره.

لهذا نرى، ونحن في ذكراه، أنّ كلًّا منا هو معنيّ في مرحلته وعمره وزمنه بأن يدرس موقعه من الحقّ والعدل؛ أين هو من هذه القيم في حياته الخاصّة والعامّة؟ وأين موقفه من مواجهة الباطل واستشراء الظلم والطغيان؟ وأين ميدانه الذي لا يقف عند الميدان العسكريّ فحسب، بل يمتدّ إلى الميدان الثقافي والإعلامي والسياسي والاقتصادي؟ فالإمام(عج) لن يكون جنوده فقط هم الّذين يعملون في الميدان العسكري، بل أنصاره هم في كلّ الميادين؛ في ميدان الثقافة والاجتماع والاقتصاد والسياسة والدّعوة إلى الله. فالإمام(عج) لن يأتي كما يعتقد البعض ليقطع الرّقاب، بل ليهدي الناس ويبني الحياة، وبالطبع هو سيواجه من يواجهه.

إنَّ الأساس في التحضير لخروج الإمام المهدي(عج)، هو إعداد الذَّات، والحثّ على إطلاق كلّ طاقات الأمَّة، لنكون جميعاً على أتمّ الاستعداد والجهوزية، وفي أعلى درجات الكفاءة وفق حاجات السّاحة، فهو لن يقبل إلا بأصحاب الكفاءات والمواقع المتقدّمة وأصحاب الإرادات والقياديين في كلّ ميدان. لذلك، سنقف لنبايعه، على أن نكون معبّرين عنه بإيماننا، بأخلاقنا، بعلمنا، بحلمنا، بصدقنا، بشجاعتنا... وأن نكون حيث يكون الحقّ، حتى لو كان على حسابنا، ومع العدل، حتى لو عانينا في حمله، وفي مواجهة كلّ ظلم وكلّ استكبار، سواء كان داخليّاً أو على مستوى العالم، وبأن لا نهادن ظالماً ولا فاسداً ولا مفسداً، وعند ذلك، نكون فعلاً من أنصاره وأعوانه والدّاعين إليه، بحيث يكون همنا الدائم أن نواصل القيام بمسؤوليّتنا، لنكون الممهّدين له، إن لم يوفّقنا الله إلى أن نكون معه، وإن وفّقنا لنكون معه، أن نكون قادرين على أن يكون لنا دور فاعل ومؤثّر في مسيرته، وكلٌّ في الموقع الذي ينبغي أن يعدّ نفسه له، في الوقت الذي ندعو دائماً: "اللّهمّ كن لوليّك الحجّة بن الحسن، صلواتك عليه وعلى آبائه، في هذه الساعة، وفي كلّ ساعة، وليّاً وحافظاً، وقائداً وناصراً، ودليلاً وعيناً، حتى تسكنه أرضك طوعاً، وتمتّعه فيها طويلاً، برحمتك يا أرحم الراحمين".

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخطبة الثّانية

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بتقوى الله، والعمل بوصيَّته عندما قال: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ}. والتقوى تعني أن لا يفقدك الله حيث أمرك، ولا يجدك حيث نهاك، تعني أن لا تحرّك يداً أو سلاحاً، أن لا تنطق بكلمة، أن لا تتّخذ موقفاً، أن لا تؤيّد، أن لا تعارض، حتى تعلم أنَّ في ذلك رضا لله. التقوى تعني أن تخشى الله، ولا تخشى أحداً سواه.

أن نتّقي الله، يعني أن نتَّقيه في عباده وبلاده، كما قال أمير المؤمنين(ع): "اتّقوا الله في عباده وبلاده، فإنّكم مسؤولون...". ونحن لن نخسر مع التقوى، بعدما وعد الله وقال: {وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}، وقال: {إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}. فلنبادر إلى التقوى، حتى نكون أكثر وعياً ومسؤوليّةً وقوّةً وقدرةً على مواجهة التحدّيات.

أيّ مجلس ينتظر لبنان؟!

والبداية من لبنان، الَّذي يدخل بعد أقلّ من 48 ساعة في حمى الانتخابات النيابيّة، التي ستتيح للبنانيّين فرصة اختيار ممثّليهم الحقيقيّين في الندوة البرلمانية بعد طول انتظار. ونحن أمام هذا الاستحقاق، نعيد دعوة اللّبنانيين إلى أن يرتفعوا إلى مستوى هذا الحدث، والتحدّيات التي تواجه وطنهم في الداخل والخارج، وندعوهم إلى أن لا يكون اختيارهم لممثليهم ولمن سيحملون المسؤولية عنهم ارتجالياً، أو صدًى لانفعال أو حماسٍ، أو نتيجة خطاب وكلام معسول، أو نتيجة وعود لا تسمن ولا تغني من جوع، أو لاعتبارات ومصالح خاصّة، أو لإغراء مالي، وما أكثر الإغراءات المالية التي تسعى وستسعى لتشتري الضمائر والنفوس!

إنَّنا ندعو اللّبنانيين إلى أن يأخذوا في الاعتبار، أنّ الورقة التي يضعونها في صندوق الاقتراع، ليست ورقة عاديّة، هي ترسم مستقبلهم ومستقبل أبنائهم ومستقبل وطنهم لأربع سنوات قادمة، وقد تكون أكثر، فبها يعطون توكيلاً مطلقاً لمن ينتخبونهم، وهذا التوكيل ليس توكيلاً عاديّاً، هو يتضمَّن إعطاءهم الحريّة في إصدار القوانين والتّشريعات، وفي اختيار من يتولّون مواقع المسؤولية، وفي الرقابة على الحكومة ومحاكمة أدائها، وفي أسلوب معالجة قضاياهم وإزالة همومهم، وكما لا يعطي أحدٌ توكيلاً لأحد في قضاياه الخاصّة وأعماله إلّا بعد دراسة، وبعد التأكّد من أنَّه لن يخون أمانته، وأنّه سيقوم بواجباته تجاهه، لا بدَّ من أن يكون التأنّي أكبر في إعطاء الوكالة لمن يقرّر مصيره ومصير الوطن.

ولذلك، هم يتحمَّلون مسؤوليّة القرارات التي يتّخذونها، إيجاباً عندما تكون القرارات إيجابيّة، وسلباً عندما تكون سلبية. وهذه المسؤولية هي مسؤوليّة أمام الله الذي سيسألنا عن نتائج أيّ قرار نتخذه، قبل أن تكون مسؤوليّة تجاه وطننا ومستقبل أبنائنا.

لذلك، دعونا وندعو إلى التّدقيق جيّداً في أيّ خيارٍ نتّخذه، أن ندرس من ننتخبه، أن ندرس تاريخه ومدى صدقه وأمانته وإخلاصه للمسؤوليّة التي سيحملها في حفظ الوطن وقوته، حتى لا يخدعنا أحد، أو نلدغ من جحر مرتين، أو نكرّر الأخطاء والتجارب.

إنّنا لسنا حياديين بين من يريد الخير لصالح البلد وقضاياه الوطنيّة، ومن يريده بقرة حلوباً لمصالحه أو لمصالح الآخرين، ممن لا يريدون خيراً بهذا البلد. ومن هنا، دعونا وندعو إلى مشاركة فعّالة وحضور قويّ في هذا الاستحقاق.

لقد اعتدنا في هذا البلد أن نكثر الانتقاد، ونداري ونجامل عند اتخاذ المواقف، فلنعكس الأمر، بأن نقلّل الانتقاد، ونقف الموقف القويّ الذي نتجاوز فيه كلّ حساباتنا الخاصّة، لحساب وطن نريده أن يكون عزيزاً قوياً حراً خالياً من الفساد والمفسدين، ومن المستثمرين في مصائر النّاس ومستقبلهم، أو من يريدونه أن يكون بقرةً حلوباً لهم.

وفي هذا الوقت، ندعو كلّ القوى السياسيّة إلى أن ترأف بهذا الوطن، أن لا تكون الساعات المتبقّية فرصة لها لتفرغ مخزونها من الشحن الطّائفي والمذهبيّ والمناطقيّ والعشائريّ، وإثارة التهم والتخوين بحقّ شركاء الوطن أو الطائفة، ما يهدِّد الوحدة داخل كلّ طائفة، أو بين الطوائف والمذاهب، ويهدّد الوحدة الوطنيّة أيضاً، فلا ينبغي لأجل الوصول إلى مقعد نيابي، أو لحماية موقع موجود، أن نجعل البلد في مهبّ رياح الفتنة، أن نهدِّد الوحدة بكلّ عناوينها، أو نحدث جروحاً في الدّاخل قد لا تندمل بسرعة كما نعتقد.

لقد قلناها سابقاً، ونقولها الآن، إنَّ الانتخابات نعمة وفرصة للتّغيير، ولتجديد الدم في عروق الوطن، فعلينا أن لا نحوّلها إلى نقمة لتزيد البلد جراحاً.

فلسطين: المواجهة بالوحدة

وفي مجال آخر، ومع انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني، الذي لم ينعقد منذ فترة طويلة، ومع ما رافق دورته الـ 23، والمقررات الصادرة عنه من ردود فعل، فإننا نتوجَّه إلى كلِّ فصائل المقاومة الفلسطينية، وكلِّ الحريصين على القضيَّة الفلسطينيَّة، أن يكون شعارهم الوحيد في هذه المرحلة هو الوحدة، بالنّظر إلى حجم المؤامرة الهائل الذي يستهدف الشعب الفلسطيني وقضيّته بالكامل.

إنَّنا نقول للجميع: إنّ الوقت ليس وقت تخوين واتهامات من هنا وهناك، والمرحلة هي أخطر بكثير من أن تغدو القضية بمجملها محلّ مساومات، فالعالم كلّه يترقّب الثاني عشر من الشهر الحالي، لا من حيث كونه الموعد الذي ستنتقل فيه السفارة الأميركيّة إلى القدس فحسب، بل لأنَّ هذا الموعد يراد له أن يكون الخطوة الأولى لإنهاء القضيّة الفلسطينيّة، ما يستدعي وحدة فلسطينيّة داخليّة، وبذل كلّ الجهود لإعادة القضية الفلسطينيّة إلى الواجهة، لئلّا تغرق في متاهات الخلافات الداخليّة.

اتّهامات باطلة ضدّ إيران

ونصل إلى الاتّهامات الّتي صدرت عن رئيس وزراء العدوّ الصّهيونيّ، وأشارت إلى وجود وثائق تزعم بأنَّ إيران تخفي برنامجاً للأسلحة النوويّة منذ سنوات عن أنظار المجتمع الدّولي في محفوظاتها النووية السرية.

إننا أمام هذا الادّعاء، لا بدَّ من أن نتوقَّف عند ملاحظتين: الملاحظة الأولى هي الفبركة التي اعتدناها من هذا العالم، والتي كان شاهدها الأبرز العراق، حيث عرضت سابقاً مثل هذه الوثائق، ثم تبيَّن أنَّها مزوّرة ومفبركة، ما يجعلنا لا نصدّق مثل هذه الأخبار، أو لا نسارع إلى تصديقها. أما الملاحظة الثانية، فهي أنّ هذا الاتهام يصدر عمن يملك ترسانة نووية وأكثر من مائتي صاروخ نووي.

إننا لا نرى في هذا الاستعراض إلّا تبريراً لقرارات قد تتخذ بحقّ الجمهورية الإسلامية، وتمهيداً لضغوط تمارس عليها، ورغبةً في خلق أمان أوسع للكيان الصهيوني.

عيد الصّحافة

وأخيراً، لا بدَّ من أن نتوجَّه في السادس من أيار، في عيد الصّحافة، بالتهنئة إلى الصحافيّين وكلّ الذين يمارسون مهنة الإعلام، هذه المهنة التي إن أحسن العاملون بها دورهم في أدائها، فهي تساهم في إصلاح واقعنا، وإن أخفقوا في هذا الدّور أو أساؤوا إليه، وجعلوا أنفسهم رهائن لأصحاب المال والسلطة، فسيجلبون المعاناة للجميع.

هناك من يقول إنَّ الصحافة هي السّلطة الرابعة، لكنّنا نقول إنَّ الصحافة هي السّلطة الأولى، وهي القادرة على قلب المعادلات وتغيير الواقع؛ من صحافة مخلصة واعية ومسؤولة، إلى بناء مجتمع واعٍ ومخلص ومسؤول.

عربي وإقليمي,أخبار العالم الإسلامي,خطبة الجمعة, السيد علي فضل الله, مسجد الإمامين الحسنين, فضل الله
Print
جميع الحقوق محفوظة, قناة الإيمان الفضائية