Logo Logo
الرئيسية
البرامج
جدول البرامج
الأخبار
مع السيد
مرئيات
تكنولوجيا وطب
أخبار العالم الإسلامي
تغطيات وتقارير
أخبار فلسطين
العالم العربي والعالم
المزيد
مسلسلات
البرامج الميدانية
البرامج التخصصية
برامج السيرة
البرامج الثقافية
برامج الأطفال
البرامج الوثائقية
برامج التغطيات والتكنولوجيا
المزيد

المقاومة في فكر سماحة العلامة المرجع السيد فضل الله (رض)

12 كانون الأول 18 - 11:16
مشاهدة
313
مشاركة

منذُ أن فَتَحَ سماحة العلامة المرجع السيّد محمد حسين فضل الله(ره) عينيه على الحياة، شكَّلت حركةُ التمرُّد في حياته جزءاً صلباً من حركةِ وجوده الإنساني وتطلّعاته الفكريّة، وهو المتمرّد الثّائر على كلِّ ما أحاط به من نُظُمٍ، وقوانين، وحدود، رغم أنَّ سماحته كان رقيقاً رقّة النّسمات النّادية. يقولُ السيِّد:

خُلقْتُ رقيقاً كأنَّ الإلَهَ براني من نسمةٍ نادية

هذه الرّقّة والشّفافيّة اللاَّمتناهيةُ، قادتْهُ إلى تحسّس آلام النّاس وقضاياهم ومشكلاتهم، وإلى مواكبة جيل الشَّباب الحركيّ الواعي، حيثُ رأى فيه سماحتُهُ إعصار التَّغيير، وتيّار الرّفض لما بلي من التَّقاليد الجوفاء الّتي وقف الكثير منها حاجزاً وعائقاً أمام تحرير الإنسان لأرضه، وتحرُّره من موبقات نفسه.

أوّلاً: انطلاقة المقاومة

من مسجده الّذي ارتبط اسمه بحركة الصِّراع بين قوى الاستكبار العالميّ والصّهيونيَّة من جهةٍ، والمستضعفين المؤمنين من جهةٍ أخرى، في بئر العبد كانت الانطلاقة. فالسَّيدُ ممن آمن بأنَّ للمسجد دوراً رئيساً تعبويّاً وتثقيفيّاً في حركة الأمَّة، فمنه البداية وإليه المآب. لهذا، ومن على منبر مسجد الإمام الرّضا(ع) الّذي أمَّهُ سماحته لسنواتٍ طويلةٍ، حيث عُرِفَ بين محبِّيه من الشّباب المؤمن الحركيِّ الواعي "بسماحة العلاَّمة المجاهد"، أطلق سماحته التَّساؤل الذي "نستطيع من خلاله أن نواكب العقليّة السياسيّة التي تحكم الساحة وتحاول أن توجِّهها باتجاهات محدَّدة، ومواجهة تلك السلبيّة المطلقة الّتي تحاول فرض الأمر الواقع أمام كلِّ حادثٍ مستجدٍّ، في محاولةٍ لدراسة الخلفيّة الفكريّة التي بدأت تظهر معالمها من خلال المواجهة الحاصلة في الجنوب، والآفاق التي تسعى لتحقيقها"([1]).

هذه المواجهة حتّمت السؤال الّذي كان مطروحاً آنذاك، وهو: لماذا المقاومة؟ وهو سؤالٌ اعتبره سماحته مثاراً "من أجل أن يوحي بأنَّنا نتحرَّك بجهدٍ ضائعٍ، أنّنا نناطح الجبل، وأنّنا نسير في طريقٍ لا نبلغ فيه أيَّ هدفٍ، وإنّما يغرقنا في المتاهات..."([2]).

فعلى مستوى الداخل اللبناني، كان هناك فريقٌ كبيرٌ يفكِّر "أنَّ قوّة لبنان في ضعفه، وعلى اللّبنانيّ أن لا يناطح الصّخرة"([3]). ومع هذا الطرح الّذي انطلق منذ الاجتياحات الإسرائيليّة لجنوب لبنان، واحتلال مساحات شاسعة من أرضه، وصولاً إلى الاجتياح الكبير في العام 1982، التقى طرحٌ آخر تمثَّل برأي بعض العلماء آنذاك، أنَّ المقاومة للاحتلال هي رميٌ للنّفس في التهلكة، بينما كان سماحته ينظر إليها كبوّابةٍ لخلاص الأمَّة، وليس لزوال الاحتلال عند لبنان فحسب، ولهذا: "كانت المقاومة لأجل أن يشعر الإنسان بإنسانيّته، أن تقاوم حتّى تشعر بأنّك حيّ، وأنّك تتحرَّك وتشعر باليقظة تملأ كيانك، فأنت لست كميَّة مهملة يتلاعب بها الأعداء، أنت قوّة وإرادة... وأنت لست أذناً تسترخي لكلِّ هذا اللَّغو السياسي الّذي يشارك في الإجهاز على آخر أملٍ للأمَّة في تحقيق أمانيها.

هكذا، اعتقد سماحة السيِّد أنَّ المقاومة هي الأمل الأخير لتحقيق أماني الأمَّة، وهي نقطة الضَّوء الوحيدة في هذا العالم الذي يستبدُّ به ظلام الاستعمار والاحتلال والتعسُّف والقتل، ولم تعد المقاومة عنده حركةً جهاديّةً عسكريّةً أو سياسيّة، بل صارت ديناً يدين لله تعالى به، وبات قتال "إسرائيل" عنده عبادةً يتعبَّدُ لله بها، "إنَّ قتال إسرائيل عبادة نتعبَّدُ بها لله كي يرضى الله عنَّا..."([4]).

ثانياً: هويَّة المقاومة

من اللاَّفت أن سماحته لم يفصل بين المقاومة والإسلام، فالمقاومة هي الحركة الجهاديَّة التي استمدَّت روحها من الإسلام الحركيّ الواعي الأصيل: "لقد انطلقت المقاومة الإسلاميّة كحركةٍ جهاديّة في لبنان، تتحرَّك من خلال الإسلام، من حيث هو دين يحمل الحياة في داخله، ومن حيث هو رسالة تسير إلى الواقع الحركيّ للإنسان، في إقامة الحياة على الأسس الّتي يحبّها الله للإنسان، في الحريّة والعدالة في خطِّ الحقّ، القائم على القوَّة"([5]).

إنَّ ارتباط المقاومة بالإسلام، وانتماءها إلى هذا الدِّين الحنيف، جعلها "تعطي الإسلام المعاصر بُعداً جديداً في السَّاحة السياسيَّة، فيما فجَّرته من مواقع للاستعمار والصهيونيّة والطّغيان الدَّاخلي، وفيما أثارته من قضايا ومشاكل وأجواء، وحقّقَتْه من إرباكاتٍ على المستوى السياسي والأمني للقوى المستكبرة..."([6]).

وانطلاقاً من حركة وعيه الموضوعيَّة، كان خوفُهُ منذُ بداية العمل المقاوم أن تقع المقاومة في فخّ الاعتداد بالذّات، ولذلك كان يصرّ دائماً على رصد السلبيّات كي يتمّ تجاوزها، واعتبر أنّ ما حقّقته المقاومة عند انطلاقتها، من نجاجات وإنجازات في مواجهة الصهيونيّة وعدد من مواقع الاستكبار والاستخبارات، جعل "الإعلام المتحرّك في أجهزة المخابرات الدولية يواجه كلَّ نتائجها بالعناوين المثيرة التي أراد من خلالها أن يُشوِّه صورتها بكلمات التطرُّف والإرهاب الديني المتزمّت..."([7]).

هذه المواجهة والإثارة حتّمت على المقاومة رصد السلبيَّات والإيجابيّات في واقعها، حتّى لا تتحوَّل انتصاراتها إلى هزائم، فالمقاومة ـ في نظر سماحته ـ فعل إنسانيّ يتحرَّك في أكثر من موقعٍ على مستوى لبنان والمنطقة والعالم، وهي واقعٌ متحرِّكٌ يعمل لصناعة تاريخ إسلاميِّ جديد في "خطى الإنسانيّة" الباحثة عن الحريّة من خلال بحثها عن الله، فيما تُمثّله وحدانيّة العبودية لله من انطلاقة الحريّة في كلِّ كيان الإنسان أمام قوى العبوديّة في العالم"([8]).

ثالثاً: المقاومة.. أداة لتطوير الذهنيّة

لاحظ سماحة السيّد أنَّ السَّاحة السياسيّة التي تستعدُّ لتحجيم العنصر الجهادي وتطويقه ومحاصرته، تريد تحويل المقاومة إلى أداةٍ من أدوات الاستعراض الحزبي أو السياسي، لتدخل كأداةٍ من أدوات الصّراع المحليِّ، فأطلق دعوته كي تكون المقاومة أداةً لتطوير الذهنيَّة السياسيّة: "المهمُّ التفكير في أن نجعل عقليّة المقاومة أداةً لتطوير الذهنيّة السياسيّة وتوسيعها وتعميقها، بحيث لا تتغذَّى المقاومة من الواقع السياسيّ المنحرف، بل تحاول أن تغذّيه وتصحِّح أخطاءه وتُقوِّم انحرافاته، ليقول المقاومون للّذين يتحركون سياسيّاً على أساس حالات الرّبح والخسارة للشّخص أو الإطار: إنَّ السياسة التي تتحرَّك من وعي حالة المقاومة الإسلاميَّة، لا بُدَّ لها من أن تعيش في الأفق الكبير، ولا تتحرّك في الدَّهاليز والزواريب الضيّقة، ليكون واقع السياسة، الّذي تعزّزه المقاومة وتوجِّهه، واقعاً منفتحاً على الأمَّة كلِّها والمستقبل كلّه"([9]).

هذا الواقع المنفتح هو الّذي يجعل من قضايانا قضايا كبيرة وعظيمة ـ في رأي سماحته ـ لا قضيّة دهاليز وزواريب ضيِّقة، أو طموحات محدودة، لأنَّ الواقع المنفتح على الأمّة والمستقبل، نستطيع من خلاله أن "نجعل قضايانا الكبيرة في عهدة الأمَّة الكبيرة، بدلاً من أن نجعلها في عهدة المحاور السياسيّة الضيّقة الصّغيرة، المحاور التي إذا دخلت هذه القضايا (قضايانا الكبيرة) في دوائرها، فإنّها تموت وتتبخَّر وتنتهي..."([10]).

رابعاً: صناعة الواقع السياسيّ الأصيل

إنَّ إيمان السيِّد بأنَّ المقاومة التي تجاوزت الآفاق السياسيّة والجغرافيّة والكيانيّة الضيّقة، هي الّتي صنعت واقعاً سياسيّاً جديداً أصيلاً في كيان الأمَّة التي صارت تنظر إلى المقاومة على أنّها حركة جهادٍ أمميٍّ لا يمكن صبغها بأيّة هويّةٍ طائفيّةٍ أو مذهبيّةٍ، إنّ إيمانه بذلك، جعله يرى أنّ على المقاومة أن "تتحرَّك لتصنع واقعاً سياسياً جديداً في الأمّة، واقع الانفتاح على قضايا الأمَّة بكلِّ فصائلها، أن لا نتقوقع على أساس التّفكير في منطقة (جغرافيّة) معيّنة... حيث نخطّط تخطيطاً ضيّقاً يجعلنا ننهزم قبل أن نتقدَّم خطوة واحدة في مواجهة إسرائيل.. كلّ هذا يحدث حين نعتبر القضيّة قضيّة جنوبيّةً أو شيعيّةً فقط..."([11]).

لقد تحرّك سماحتُهُ على أساس أن تكون قضيّة المقاومة قضيّةً إسلاميّةً تدفع مستضعفي الأرض جميعاً إلى الوقوف في وجه الحالة الإسرائيليّة، لأنَّنا عند ذلك، "يمكن أن نحقّق انتصاراً، وأن نتجدّد سياسيّاً، فلا نتقوقع في الدّوائر الصَّغيرة الضيّقة"([12]).

خامساً: عدوى المقاومة

من خلال عدم التَّقوقع في الدّوائر الضيّقة، وإرادة الانفتاح على قضايا الأمَّة الكبرى، كان لا بُدَّ لقضيَّة فلسطين المركزيّة من أن تحضر في وجدان السيِّد وكيانه، فهو، ومنذ بداية شبابه، وأولى محاولاته الشعريّة في النَّجف، عاشت فلسطين في عقله ووعيه، وفيها نظم بعض أبياته الشعريّة التي تُعبِّرُ عن دعوته إلى المقاومة والرفض والثّورة. وممّا قاله في ذلك الحين.

دافعوا عن حقِّنا المغتَصَبِ                    في فلِسطينَ بِحَدِّ القُضُبِ

واذكروا عَهْدَ صلاحٍ حينما                  هبَّ فيها طاردِاً للأجنبي

فإسرائيل الّتي طردت شعباً من أرضه، واحتلَّت، وقتلت، أوجبت، في نظر السيِّد، وجود معركتين كبيرتين على مستوى الأمَّة، وهما:

"المعركة الأولى التي يجب أن تتحرَّك فيها المقاومة هي: معركة إخراج إسرائيل من جنوب لبنان ـ أو بالأحرى من لبنان ـ هذه معركة بدأت ولا بُدَّ من أن تستمرَّ لتصل إلى نهاية سعيدة كما وصلت معاركنا السّابقة.

المعركة الثّانية الّتي نخوضها هي معركة أن يبقى الشّعار التالي حيّاً في النفوس والضّمائر: مشروع إسرائيل غير شرعيّ وغير قانونيّ في المنطقة، مشروع إسرائيل خطر على المنطقة وغيرها"([13]).

هاتان المعركتان حتَّمتا على الدّاعين إلى مقاومة الخطر الإسرائيليّ على الأمَّة الإسلاميَّة كُلّها، الحاجة إلى تكتّل طاقات الأمّة وقواها في سبيل مواجهة كلِّ الواقع الموجود في المنطقة والعالم مواجهةً موضوعيّةً واقعيَّة لا تعتمد الحماس والانفعال، ولكنَّها تعمل على دراسة المواقع الميدانيَّة الّتي يمكن للمقاومة أن توجِّه فيها ضربات مؤلمة وموجعة للعدوِّ، تسقط من خلالها معادلاته ومؤامراته. ولهذا، طرح السيِّد قضيّة إسرائيل كمشكلةٍ، إضافةً إلى طرح القضيّة الفلسطينيّة الّتي تُمثّل حالةً إقليميّةً، بل مشكلةً سياسيّةً واقتصاديّةً وأمنيّةً للمنطقة كلِّها، وللعالم الإسلاميّ كلّه.

"إنّنا نعتبر أنَّ هناك واقعاً في الدوائر الإسلاميّة والعربيّة في العالم الثّالث، يختنق فيه الناس على أساس الوضع السياسي الطاغي والظالم، ولهذا نعتبر أنّ حركة المقاومة تحاول أن تنقل العدوى إلى الشعوب الأخرى التي تعيش تحت رحمة سلطة الظّلم والطّغيان، والتي تفكّرُ دائماً من خلال بيانات حكّامها في الأحلام التي تُمنِّيها بالسّلام في الصُّلح مع إسرائيل..."([14]). 

سادساً: نموذجيّة المقاومة

عدَّ السيّد تجربة المقاومة (العدوى) تجربةً رائدةً على مستوى العمل الجهادي المقاوم، وعلى المستوى السياسيّ، وطرح مصطلح "بلوغ المقاومة سنّ الرشد" على كافّة المستويات، وآمن بأنّ الهدف منها ليس التّحرير فقط، أو محاكاة الانتفاضة والوضع في المنطقة، بل أن تكون النّموذج الأمثل لكلِّ الساعين إلى الحريّة والتّحرير: "نحن عندما نريد أن نتحرَّك ضدّ إسرائيل، نهدف إلى أن نقدِّم لشعوبنا النّموذج الأمثل والحيّ والمتقدِّم... النّموذج الّذي يقول: إنّنا يمكننا أن نربك إسرائيل، وأن نهزمها، وأن نخرِّب معادلاتها"([15]).

من هنا، أكَّد السيّد واقعيَّة فكرة المقاومة، ورفض مقولة: "أنّ العين لا تقاوم المخرز"، بل عمل جاهداً على ترسيخ فكرة قدرة الشّعوب على الوقوف أمام المستكبرين، وعلى تحدّي جبروتهم وتكبّرهم وطغيانهم. "عندما تقدّم تجربتك وتشعر الشعوب بأنَّ من الممكن أن تنجح التجربة في مكانٍ آخر... عند ذلك، يمكن أن تكون الفكرة واقعيّةً عند الشعوب"([16]).

هذه الفكرة الواقعيّة كرَّست حقيقةً بقي السيّد ينادي بها حتّى آخر لحظات حياته، وهي أنّ فلسطين هي القضيّة التي باتت عبئاً على العرب الّذين ـ وفي رأي السيّد ـ يبحثون عن الطّرق والوسائل التي تُحرِّرهم منها، لا التي تُمكِّنُهم من تحريرها، وأنَّ القدس هي "القضيّة والموقف"، لأنّه لم ير في القدس رمزاً يعطي الأرض والمنطقة والسياسة معنىً؛ الأرض حجارة وتراب، مهما ارتبط بها الإنسان، فإنّها لا تعدو أن تثير فيه شيئاً من الألفة، ولكنَّها لا تهزُّ أعماقه من الداخل. ولهذا، فإنّ قضيَّة أن تتحرّك من أجل تحرير أرضٍ اغتصبت، لا بُدَّ لك من أن تجعل من الأرض قضيّةً، قضيّةً تتعدَّى حدودها وحجمها، حتّى يستطيع اتّساع القضيَّة أن يأتي من بعيدٍ ليُحقِّقَ لك شيئاً في حركتك من أجل الأرض، فتكون بذلك قد استطعت أن تجعل من الأرض قضيَّةً تأتي إليها من أفق واسعٍ... وكذلك تكون قد طوَّقتها من جميع الجهات، فتصبح الأرض قضيَّة ورسالة"([17]).

لذلك، عندما تتحوَّل الأرض إلى قضيّةٍ ورسالة، فإنَّه لا بُدَّ من التّضحية في سبيل الرّسالة، وفي سبيل تحرير الأرض، ولا سيَّما حين تكون الأرض هي قدس أقداس القضيَّة، والأرض المباركة في كتاب الله تعالى: {إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ}(الإسراء:1). ولا بُدَّ من العمل على تقوية الفكر المقاوم، وعيش الإسلام المنفتح المتحرِّك، والاقتداء بالقاعدة الأساس في حياة المسلمين، والإنسان النّموذج الكامل، وهو رسول الله: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآَخِرَ}(الممتحنة: 6).

"نعم... إنَّ رسول الله(ص) فكَّر في الإسلام على مستوى العالم، وبذلك استطاع أن يُقوِّي الحركة التي انطلق بها... بقدر ما تكون آفاقك واسعة، تكون حاسماً في دائرتك التي تتحرَّك فيها..."([18]).

فلطالما ركَّز السيِّد على قضيّة الانتماء إلى الإسلام، وتبنّي القضايا التي يعيشها المسلمون جميعاً، وكانت دعوته إلى أنَّ "ما نريده، هو أن نعيش الإسلام همّاً منفتحاً على السَّاحة كلِّها، لا همّاً منغلقاً على الذَّات. أن نعيش الإسلام فكراً متحرّكاً مع كلِّ حركةٍ في السَّاحة، لا فكراً يتحرّك في زاوية في السّاحة"([19]).

هكذا ربط السيِّد بين تبنّي القضيَّة وتحديد مسارها، والمقاومة من أجلها باليد والقلب واللّسان، لنكون اليد المقاومة، والعقل المقاوم، والفكر المقاوم: "علينا أن نكون الفكر المقاوم الّذي يريد أن يقاوم أيَّ فكرٍ يريد أن يُفرَض على الأمَّة، أيّ واقع سيّئ يريد أن يحجب عن الأمَّة وضوح الرؤية.

إنَّ علينا أن نكون الرّوح المقاومة، والسياسة المقاومة، والبندقيّة المقاومة. بهذا الانفتاح، يمكن لنا أن نبلغ الهدف"([20]).

ولنا أن نتساءل: هل هذه المقاومة أبديّة لا سقف لها، ولا زمن لها ولا حدود؟ يجيب السيّد: "إن لم نبلغ الهدف في حياتنا، وفي جيلنا، فعلينا أن نسلّم رسالة الهدف إلى الجيل القادم، ونوصيه بأن يسلّم رسالة الإسلام إلى الجيل الذي بعده، حتى يرث الله الأرض ومن عليها: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ}(القصص: 5)([21]).

إنَّ وضوح الهدف عند السيّد في ما يتعلّق بقضيّة المقاومة، جعله يؤمن بأنَّ الصّراع بين المسلمين واليهود هو صراعٌ تاريخيٌّ، لا بل هو صراع وجودٍ عبر التاريخ، منذ انطلاقة حركة الدّعوة النبويّة في مجتمع المدينة، وصولاً إلى زماننا المعاصر، ولذلك، نلاحظ أنَّ الله سبحانه وتعالى لم يحذِّر المسلمين من النّصارى كما حذّرهم من اليهود، بل إنَّه فرّق في طبيعة العلاقات التعايشيّة والاجتماعيّة والعمليّة، بين المسلمين واليهود والمشركين وبين النّصارى {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا اليَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ}(المائدة: 82).

ومن اللاّفت جدّاً حضور "المقاومة" في فكر السيِّد وعقله وحيويّته وحركيّته ووعيه ووجدانه، حتّى آخر نفسٍ من حياته، حين سُئِل قبيل عروج روحه إلى الملكوت الأعلى: هل أنت مرتاح؟ فكان الجواب الّذي لم يكن ينظر إلى الشّخص الذّات، بل إلى العقل القضيّة: لن أرتاح حتّى تسقط إسرائيل؟!

هذا الحضور ميّز حركة السيِّد اليوميَّة من خلال لقاءاته المباشرة مع النّاس، أو إطلالاته الإعلاميّة، أو كتاباته جميعها، أو أبحاثه الفكريّة والفقهيّة والعقائديّة، أو مقابلاته، وخطبه، وحواراته، ودروس تفسيره القرآنيّ ومواعظه، وخطب جمعته. وتكفي العودة إلى تراثه في هذا المجال، للإحاطة بهذا الحضور المميَّز "للمقاومة" التي ما خليت منها مقالةٌ أو مناسبةٌ للسيِّد، وحضور فلسطين الرّمز والقضيّة، ودعوته المتكرّرة إلى دراسة واقع الأنظمة العربيّة، والحكّام العرب، الّذين اقتصر دورهم ـ في رأي السيِّد ـ على تقديم التنازلات.

"لقد وجدنا في كلّ مراحل المفاوضات، أنَّ دور العرب فيها يقتصر على تقديـم التنازلات، وإذا استطاعوا أن يحصلوا على موقع قوّة في المفاوضات، فإنَّ الولايات المتحدة الأمريكيّة تتحرّك من أجل أن تضعف هذا الموقع، لتعطي لإسرائيل قوّة جديدة"([22]).

وفي هذا المجال، طرح السيّد معادلاته الشّهيرة التي غمز فيها من قناة كلّ الحكّام العرب الذين كانوا يعملون على ترسيخ فكرة المفاوضات، والنيل من حركة المقاومة في الأمّة، على قاعدة أنّها رميٌ للنّفس في التهلكة، وهذه المعادلة هي الّتي عرَّت الواقع العربي، وهو ما دفع سماحته إلى إطلاق مقولته الشّهيرة والمأثورة: "إنَّ العرب يخافون أن يُضبَطوا متلبِّسين بالقوّة". مؤكِّداً أنَّنا كمسلمين ملتزمين بالخطّ الفقهيّ الإسلاميّ، بعيداً عن الشّعارات السياسيّة، لا نعترف بأيّ مفاوضات، ولا نلتزم بأيِّ معاهداتٍ أو أيّ صلحٍ يعقده أيّ فريقٍ عربيٍّ أو إسلاميّ مع "إسرائيل"، لأنَّه صلح ليس فيه إلاَّ إسقاط الحقّ. ومن هنا، كانت دعوة السيِّد إلى رفض المقولة اللّبنانيّة أنَّ قوّة لبنان في ضعفه، وليس في مقاومته.

"نحن نملك القوّة، ولكنَّنا لا نملك الروحيّة التي نستعمل بها قوّتنا، لأنَّ هناك الكثير من النّاس الّذين يخافون أن يضبطهم العالـم المستكبر وهم متلبّسون بالشعور بالقوّة، فيخافون من أن يصبحوا أقوياء. ألـم يكن عندنا في لبنان من كان يقول: "إنَّ قوّة لبنان في ضعفه"؟! وما لا أستطيع أن أفهمه هو: أنَّه كيف يكون الإنسان قويّاً في ضعفه. لهذا نلاحظ أنَّ العديد من شعوب العالـم الثالث في أحيان كثيرة، تقف ضدّ مجاهديها أكثر مما يقف العدوّ ضدّ الذين يجاهدون، باعتبار أنَّ هذه الدّول تخاف من نتائج قوّة المجاهدين، فترى من منظارها أنَّ الضّعف أحسن، وأسهل أن نأكل خبزنا كفاف يومنا، حتى لو كان مغموساً بالعار"([23]).

وانطلاقاً من تقوية حركة المجاهدين ومقاومتهم لواقع الاحتلال، ودفعاً له عن الأرض الّتي كان يقبع ويجثم عليها، كان للسيّد رأيه المباشر في ما يتعلَّق بالوسائل التي ينبغي على المجاهدين اللّجوء إليها، ومنها العمليّات الاستشهاديّة الّتي نظر السيِّد وأفتى بها معلِّلاً:

"العمليّة الاستشهاديّة ليست انتحاراً؛ إنّها دخولٌ في الحرب، فما الفرق بين الجنديّ الدّاخل في المعركة الشرعيَّة ليقتل الآخر، وهو يعلم مسبقاً أنّه مقتولٌ أيضاً، لأنَّ المعركة تحتاج إلى ذلك، وبين الجنديّ الّذي يقتحم المعركة ويفجِّر نفسه، ويقتل ذاته في سبيل معركته الشرعيَّة؟!([24]).

فطبيعة المعركة ـ في رأي السيّد ـ هي الّتي تحدِّد الوسائل الّتي قد يلجأ المجاهدون إليها، على قاعدة "أنَّ المعركة قد تفترض وجود ألغامٍ مزروعةٍ لا يمكن تفجيرها وتحقيق الانتصار إلاّ بتفجير الأشخاص لأنفسهم بها. فهنا لا بُدَّ من الموازنة بين الأهمّ والمهمّ؛ فهل المهمُّ هو الإنسان الجنديّ في معركة شرعيَّة، أو أنَّ الأهمّ هو الانتصار، فإذا توقَّف الانتصار أو ربح المعركة أو دفع العدوّ في القضايا الكبرى الّتي تمسُّ حياة النّاس على أن يضحّي الجنديّ بنفسه، فإنَّ هذا الأمر جائز لا مشكلة فيه، لأنَّ الله تعالى لم يحدِّد لنا آليّة المعركة، فنحن نقرأ مثلاً في كتاب الله تعالى: {إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ}(التوبة: 111). أيّة آليّةٍ؟ لا تحديد، كلّ ما تحتاجه المعركة، شرط شرعيّة المعركة"([25]).

وقد ميّز السيّد بين الاستشهاد والجهاد، وبين الانتحار والقتل، مرتكزاً على الدافعيّة والهدف الذي ينطلق الإنسان لتحقيقه، على قاعدة نبل الهدف وشرعيّته وقانونيّته، مؤكِّداً أنَّ "المجاهد حين يقتل بدافعٍ وطنيٍّ أو دينيٍّ، فإنّه ينطلق من القضيَّة الكبرى، وقيمتها رضا الله، فالمتديّن يسعى لرضا الله، وأمّا غيره، فإنّه ينطلق من إخلاصه لأمّته ومجتمعه ووطنه. إذاً هنا قضيّةٌ تصغر عندها الحياة، وأمّا هناك، فالألم هو المهيمن، الألم أو المشكلة أو الأزمة الّتي يحاول المنتحر الفرار منها، وهناك فرقٌ بين موتك لقضاياك الذاتيّة، وبين شهادتك لتعيش قضايا الإنسان والحياة"([26]).

وقد شغلت قضيّة الجهاد والمقاومة الكثير من الأوساط الغربيَّة، وحاولت حملات الغرب والمتغرِّبين أن تسِمَ المجاهدين والمقاومين بصفة الأصوليَّة والإرهاب، ووجَّهت سهامها ضدّ الإسلام والفكر الإسلاميّ، وما يحمله الإسلام من أفكارٍ ومبادئ وقناعات، حيث اعتبر الغرب المستكبر بمراكز أبحاثه وسياسيّيه ومفكِّريه، أنَّ اقتناع المسلمين بمفردة الجهاد ومصطلح المقاومة، يعني ثقافة الإرهاب، ما دفع السيِّد إلى التصدّي لهذه الاتهامات والأباطيل ورفضها، معتقداً أنَّ: "العلماء المسلمين، ومنذ النّهضة وأيّام جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وغيرهما، وامتداداً إلى كلِّ هذا الخطِّ الثّقافي المتواصل، قد تحدَّثوا عن أنَّ الجهاد في الإسلام ليس عدوانيّاً، بل هو دفاعيٌّ من جهةٍ، ووقائيٌّ من جهةٍ أخرى، وهذا ما عبّر عنه القرآن الكريم: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ}(البقرة: 190)، وإذا كان البعض يتحدّث عن بعض الآيات التي تقول: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ}(البقرة: 191). فهذه آيات وردت في تفاصيل حركة الحرب، ولم ترد في إعطاء الخطِّ العام للحرب"([27]).

ففي حركة الحرب وتفاصيلها، ركَّز السيِّد على قضيّة أن تكون المقاومة قويّةً، وحضورها فاعلاً ومؤثّراً، لا قوّة الانفعال، وإنّما قوّة التّخطيط، ودراسة الواقع الذي يدفع الأمّة إلى الانتصار. فالإسلام ـ في نظره ـ "يشجِّع المسلمين في مواقع القوّة، وهذا أمرٌ موجودٌ في كلِّ الحضارات، في ما يزوِّد به قادة الحرب جنودهم، بأن يكونوا في موقف القويّ الّذي يهيِّئ الواقع للانتصار، ارتكازاً على قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ}"(الأنفال: 60)([28]). 

سابعاً: وحدة الجهاديين وعالميّة المقاومة

وقد رأى السيّد أنَّ وحدة القضيَّة والهدف، تُحتّمُ وحدة الجهاديّين والمقاومين، لأنَّ الوحدة هي العامل الأساس لتحقيق كلِّ الأهداف النّبيلة للأمّة، وآمن بأنَّ الاختلاف الّذي يقود إلى التّنازع، يذهب بكلّ إنجازات "المقاومة" سدى، فالاختلاف في الوحدة ضروريٌّ، ولا ضير من التنوّع في الوحدة، لأنَّ التمزُّق يقوِّض الأسس الّتي يرتكز عليها أيّ نصرٍ للأمَّة في التاريخ. ولذلك دعا السيِّد إلى وحدة الجهاديّين، ووحدة المقاومين، وإلى التّنسيق فيما بينهم، ولا سيَّما في حركة الصّراع الأساسيّ من أجل القضيّة المركزيّة فلسطين، ولهذا رأى السيّد أنّ قيمة المقاومة الإسلاميّة في لبنان، والانتفاضة المباركة في فلسطين، هي باستعادة العنفوان العربيّ والإسلاميّ: "عندما نواجه الواقع الّذي نعيش فيه، ولا نجد هناك أيَّ صدى وأيَّ ردّ فعلٍ بالمستوى الّذي يمكن أن يتناسب مع حجم الجرائم الإسرائيليّة المنسَّقة تنسيقاً إسرائيليّاً أمريكيّاً بطريقةٍ أو بأخرى، فإنَّ علينا أن ننسِّق مع كلِّ الأحرار في العالم، وننطلق لنثير المسألة بكلِّ ما أوتينا من قوّةٍ، فإذا لم نستطع أن نحقِّق شيئاً اليوم فسنحقّقه غداً، وإذا لم نستطع أن نحقِّق شيئاً غداً، فإنّنا من خلال روح الحريّة، وروح العزَّة والكرامة، نستطيع أن نحقِّق الكثير في هذا وفي ذلك كلّه"([29]).

فمن خلال دعوته الوحدويّة، كانت غاية التّفكير عنده أن تتحرَّك الأمَّة وتفكّر كأمّةٍ لا كأفراد، وهو ما أفرزته تجربة المقاومة الإسلاميَّة والمجاهدين في فلسطين، لأنَّ "قيمة المقاومة في لبنان والانتفاضة في فلسطين، أنَّهما تجعلان الإنسان العربي المسلم يحترم نفسه، بحيث يشعر بأنَّه لـم يسقط أمام عنفوان الاستكبار الإسرائيلي "([30]).

من هنا، "يجب علينا أن نفكّر كأمّة لا كأفراد، لأنَّ الفرد لا يستطيع أن يحقّق لنفسه الحماية والاكتفاء، إلاّ من خلال ما تحقّقه الأمّة من أمنٍ واكتفاءٍ ذاتيّ على كلّ المستويات... لذا أقول لكم من موقع إسلاميّ شرعي: عليكم أن تنقطعوا عن الثارات على مستوى العشائر، وتفكّروا في الثأر على مستوى الأمم، لأنَّ الأمم التي لا تثأر لكرامتها، سوف تسحق كرامتها تحت كلّ أحذية الفاتحين"([31]).

وقد أكّد السيّد الروحيّة الإيمانيّة العظيمة الّتي يحملها المجاهدون المقاومون، هذه الروحيّة هي التي كانت تهزم العدوّ على كلِّ الجبهات والسَّاحات، وهي التي شكَّلت سرَّ جهاد المقاومين، وانتصارهم على العدوّ، وخصوصاً في الحرب العدوانيّة الإسرائيليّة في العام 2006م، عندما هزمت روحيّةُ الإيمان أعتى قوّةٍ طاغوتيّةٍ على وجه الأرض. وقد مثّلت رسالته إلى المجاهدين والمقاومين في الثالث من آب العام 2006م، عمق ما يختزنه سماحته من علاقة أبويّةٍ روحيّةٍ لهؤلاء المجاهدين الّذين تربّوا على يديه منذ انطلاقة المقاومة: "أيّها الأحبّة: لقد صنعتم الانتصار للبنان كلِّه وللعرب والمسلمين في العام 2000، وها أنتم من خلال صمودكم وصبركم القويّ وجهاد أبنائكم، تتحرّكون في هذه المرحلة من أجل أن تصنعوا انتصاراً جديداً للأمّة كلّها، ولإسقاط العنفوان السياسيّ الأمريكيّ والصهيونيّ، وكلّ أعداء الحريّة في المنطقة والعالم"([32]).

وكانت كلمته لأبنائه المقاومين المجاهدين وساماً روحيّاً، ودافعاً قويّاً لهم في ساحات المواجهة: "وكلمتي لأبنائي وأحبّائي وأعزّائي المجاهدين، الذين يقفون على الجبهة، وفي خطوط مواجهة العدوّ، فيقاتلون جنوده، ويدمّرون دبّاباته وآليّاته، ليهزموا روحه، وليسقطوا مقولة الجيش الّذي لا يقهَر، ليعود مهزوماً ذليلاً في أوَّل معركة يُهزَم بها في تاريخه... إنّكم بعتم أنفسكم لله، وتجنَّدتم في سبيل الله، وعشتم روحيَّة الإيمان وتقواه وإخلاصه، وجاهدتم في الله حقَّ جهاده"([33]).

إنَّ الإنسان الذي يستردُّ من تاريخه روحيّة الصفحات المشرقة، لا بُدَّ من أن يتحقّق النّصر على يديه، وهو ما رآه السيّد في تجربة المقاومين المجاهدين، وما استشرفه من خلال مسيرة دعمه المادّيّ والمعنويّ لحركة المقاومة في لبنان وفلسطين وشتّى حركات التحرُّر في العالم الإسلاميّ، وقد عدَّ السيّد أنّ الواقع الذي نعيشه كأمّة، هو نفسه الذي عاشه المجاهدون الأوائل مع رسول الله(ص). وقد خاطب المجاهدين المقاومين خلال حرب تموز من العام 2006، مدركاً أهميَّة استيحاء التجربة القرآنيَّة وتجسيدها في الواقع الصّعب والمرحلة الأصعب: "أيُّها البدريّون الّذين يستمدّون القوّة من الله، ويستوحون روحية النصر منه، أيّها المجاهدون في "خيبر" الجديدة، الّذين حملوا الراية، فكانوا ممن أحبّوا الله ورسوله، وأحبَّهم الله ورسوله، الذين يكرّون ولا يفرّون، والّذين يفتح الله على أيديهم.. أنتم جيش الأمّة العربيّة والإسلاميّة، إنّ جهادكم سوف يصنع للعرب وللمسلمين والمستضعفين المستقبل الجديد الّذي سوف تكون فيه السّاحة كلّها للشّعوب المستضعفة لا للمستكبرين، وسوف يتحقّق النّصر على أيديكم، لأنكم نصرتم الله بنصرة عباده المظلومين، {وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}(الحجّ: 40)، وسوف تكونون القدوة لكلّ الشعوب، في مقاومةٍ تجتاح كلّ الّذين يريدون للأمّة أن تضعف وتسقط في مواقع المستكبرين"([34]).

ثامناً: محاولات تطويق المقاومة بعد انتصاراتها

لم يترك السيِّد مناسبةً إلا وعمل على احتضان المقاومة وحفظها ودعمها وحمايتها، كما عمل على تعرية الدّور الأمريكي والغربي في ما يتعلَّق بحفظ أمن إسرائيل، وتطويق حركة المقاومة التي صارت عبئاً على السياسات الأمريكيّة والإسرائيليّة في المنطقة، ولهذا ركَّز على دور الغرب المتعاظم فيما يرتبط بمحاصرة الشعوب التائقة إلى الحريّة، وقد رأى أنّ الغرب "خطّط لتأسيس الدولة اليهوديّة في فلسطين موقعاً ودوراً، وذلك في سياق إحكام السّيطرة على منطقتنا، مبتدئاً بالحرب الّتي اجتاحت الشعب الفلسطيني، وشرَّدته من أرضه، واستخدمت هذه الدّولة سياسة الحديد والنّار، حيث شكّلت المجازر الوحشيّة المكوِّن الرئيس للجيش الإسرائيلي، سواء في البنية أو الأهداف، وكانت الإبادة المنظّمة لكلّ بنى الشّعب الفلسطيني وتشكيلاته، هي السياسة المتَّبعة والمدعومة بتشجيعٍ أميركيٍّ، ونفاقٍ أوروبيٍّ، وعجزٍ من الأمم المتَّحدة، وصمتٍ أو تشجيعٍ عربيّ..."([35]).

هذه الإبادة وهذا الحصار لشعب القضيَّة الأساس؛ قضيّة فلسطين، حتَّمت نظرة السيّد إلى تلازم قضايا ومشكلات العالم العربيّ والإسلاميّ جميعها، وإلى التّفكير في الأهداف التي دفعت بالمستعمرين والمحتلّين إلى احتلال العراق، حيث "نلتقي بالاحتلال الأميركي البريطاني لهذا البلد"([36])، وصولاً إلى لبنان الذي حقّقت فيه المقاومة أعظم إنجازاتها في التحرير والتحرّر، ما دفع الاستكبار العالمي إلى تحريك كلِّ فتنة، وبثّ كلّ سمومه لتطويق المقاومة التي أسقطت العصر الإسرائيلي، وقهرت إرادة القوّة عنده. وقد رأى السيّد أنّه في سياق هذا التوجه ـ محاصرة قوى المقاومة ـ "كان للبنان موقعه في هذه الاستراتيجيّة الأميركيّة، لذا امتدّت الحرب (حرب تموز) إلى هذا البلد الّذي أرادته الولايات المتحدة الأميركيّة أن يتحوَّل إلى قاعدةٍ لنفوذها، في خططها السياسيّة والأمنيّة التي تتمثّل في إسقاط قوّة الرَّفض والممانعة والمقاومة الّتي يمتلكها ضدّ العدوان الإسرائيليّ، وتطويع سياسته بما يخدم أطماعها في لبنان، ويسهِّل لإسرائيل اختراق أرضه وجوّه وبحره، لذا لم تتأخّر الإدارة الأميركيّة في استغلال بعض الثغرات السياسيّة والأمنيّة في لبنان، فاحتوت لنفسها فريقاً سياسيّاً لا ينفتح على قضايا العالم العربيّ في مسألة الصِّراع مع إسرائيل، بل يتحرَّك ضدّ هذا البلد العربيّ أو ذاك، في عمليَّة استغلالٍ لبعض الأخطاء والمشاكل"([37]).

وضمن توجيهٍ منظّم، رأى السيّد أنَّ أمريكا هي التي تتحرَّك لإرباك سياسة المقاومة، وإسقاطها في أتون الفتن والضّغوط، فضمن أجواء الحرب الإسرائيليّة على لبنان، "تحركت واشنطن على وقع خطّة سياسيّة تستهدف تعقيد أوضاع المقاومة وإرباك سياستها، ما دفعها إلى الضّغط على مجلس الأمن، حيث جرى إصدار أكثر من قرار يمسّ استقلال لبنان، ويثير موضوع المقاومة تحت غطاء بعض العناوين الوطنيّة"([38]).

وقد توقّع السيِّد معادلة الثّأر الإسرائيليّ من المقاومة، نتيجة تحرير المقاومة للجنوب اللبناني بقوّة السلاح وإرادة الإيمان، حيث شكَّل تحرير العام 2000 "صدمةً" لأمريكا وإسرائيل، لأنّه استطاع أن ينـزل بإسرائيل الهزيمة بشكلٍ مباشر لأوّل مرّة في تاريخها([39])، ما أوجب ردَّ الفعل الأمريكيّ ـ كما رأى السيّد ـ فقد "حشدت واشنطن قوى الشرّ في العالم ممثّلةً بالمستكبرين الذين اجتمعوا في مؤتمر الثمانية الكبار في روما، ثمّ في مجلس الأمن، لاستصدار القرار 1701 لمصلحة إسرائيل التي انهزمت عسكريّاً في الحرب ضدّ المقاومة، وذلك باعتراف مسؤوليها السياسيّين والعسكريّين، في الوقت الّذي كانت أمريكا تنتظر منها تحقيق أهدافها في إسقاط المقاومة ميدانيّاً، تمهيداً لنـزع سلاحها، ولذلك امتنعت الإدارة الأمريكيّة ـ برئاسة بوش ـ من إقرار قرار وقف إطلاق النّار الذي ارتفعت الصّيحات في العالم الإسلامي والعربي وبقيَّة أحرار العالم للمطالبة به، احتجاجاً على المجازر الإسرائيليَّة واستمرار الحرب ضدّ المدنيّين العُزَّل الذين كانت إسرائيل تهدم بيوتهم على رؤوسهم، بمن فيهم الأطفال والنّساء والشّيوخ، وخصوصاً في قانا ومروحين وصريفا والدوير وعيناثا والقاع وغيرها من القرى، لأنَّ أمريكا كانت تنتظر نصراً للجيش الإسرائيليّ، لكنّه لم يستطع تحقيقه على الأرض"([40]).


([1]) المقاومة الإسلاميّة في الجنوب والبقاع الغربي وراشيا ـ تطلُّعات وآفاق-18 تموز-1984.

([2]) م.ن.

([3]) م.ن.

([4]) المقاومة الإسلاميّة، آفاق وتطلُّعات، لجنة مسجد الإمام الرّضا، 1986م/1406هـ، ط2.

([5]) م.ن.

([6]) م.ن، ص4.

([7]) المقاومة الإسلاميّة، آفاق وتطلُّعات، مصدر سابق، ص4.

([8]) م.ن، ص11.

([9]) المقاومة الإسلاميّة، آفاق وتطلُّعات، مصدر سابق، ص12.

([10]) م.ن، ص12.

([11]) م.ن، ص13.

([12]) المقاومة الإسلاميّة، آفاق وتطلُّعات، مصدر سابق، ص13.

([13]) إرادة القوّة، جهاد المقاومة في خطاب سماحة آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله، إعداد وتنسيق د. نجيب نور الدين، دار الملاك، ط1، 1420هـ/2000م.

([14]) المقاومة الإسلاميّة، آفاق وتطلُّعات، مصدر سابق، ص15-16.

([15]) المقاومة الإسلاميّة، آفاق وتطلُّعات، مصدر سابق، ص16-17.

([16]) م.ن، ص17.

([17]) القدس القضيّة والموقف، من أجل الإسلام، 13 حزيران 1985.

([18]) المقاومة الإسلاميّة، آفاق وتطلُّعات، مصدر سابق، ص18.

([19]) إرادة القوّة، مصدر سابق، ص61.

([20]) م.ن، ص 11.

([21]) إرادة القوّة، مصدر سابق، ص11.

([22]) إرادة القوة، مصدر سابق، ص117.

([23]) إرادة القوّة، مصدر سابق، ص305.

([24]) الأخلاقيّات الطبيّة وأخلاقيّات الحياة، ط1، 1423هـ/2002م، ص42.

([25]) الأخلاقيّات الطبيّة وأخلاقيّات الحياة، مصدر سابق، ص42.

([26]) م.ن، ص44.

([27]) عن سنوات ومواقف وشخصيّات، هكذا تحدَّث، هكذا قال، حوار منى سكريّة، دار النهار، ط1، ص108.

([28]) م.ن، ص108.

([29]) إرادة القوّة، مصدر سابق، ص109.

([30]) م.ن، ص350.

([31]) م.ن، ص351.

([32]) السيد محمد حسين فضل الله، خطاب المقاومة والنّصر، دار الملاك، بيروت، ط1، 2006، ص69.

([33]) م.ن، ص69.

([34]) خطاب المقاومة والنّصر، مصدر سابق، ص70.

([35]) م.ن، ص141-142.

([36]) خطاب المقاومة والنّصر، مصدر سابق، ص:143.

([37]) م.ن، ص146.

([38]) خطاب المقاومة والنصر، دار الملاك، ط1، 2006، ص146/147.

([39]) م.ن، ص143.

([40]) م.ن، ص189.


Plus
T
Print
كلمات مفتاحية

أخبار العالم الإسلامي

المقاومة

السيد فضل الله

يهمنا تعليقك

أحدث الحلقات

فقه الشريعة 2019

السحر والكِتبة | فقه الشريعة

16 كانون الثاني 19

عشرة على عشرة

عشرة على عشرة | 14/1/2019

14 كانون الثاني 19

من خارج النص

الإعلام وقضايا الإسلاموفوبيا | من خارج النص

13 كانون الثاني 19

تحت الضوء الموسم الخامس

تحت الضوء | الموسم 5 الحلقة السادسة

12 كانون الثاني 19

أذن واعية

أذن واعية | الحلقة السادسة

11 كانون الثاني 19

الدينُ القيّم

الأحاديث والمرويات في التراث الإسلامي | الدين القيّم

11 كانون الثاني 19

فقه الشريعة 2019

أحكام اللهو واللعب | فقه الشريعة

09 كانون الثاني 19

وجهة نظر

عمليات التجميل غاية أم وسيلة | وجهة نظر

08 كانون الثاني 19

قبس من نورهم

الملامح الشخصية للإمام الكاظم (ع) | قبس من نورهم

07 كانون الثاني 19

من خارج النص

غياب قضايا الشباب عن الشاشة | من خارج النص

06 كانون الثاني 19

تحت الضوء الموسم الخامس

تحت الضوء | الموسم 5 الحلقة الخامسة

05 كانون الثاني 19

أذن واعية

أذن واعية | الحلقة الخامسة

04 كانون الثاني 19

هل تشعر بالشك في عصمة الأنبياء حين تقرأ آيات قرآنية توحي بضعفهم البشري؟
المزيد

منذُ أن فَتَحَ سماحة العلامة المرجع السيّد محمد حسين فضل الله(ره) عينيه على الحياة، شكَّلت حركةُ التمرُّد في حياته جزءاً صلباً من حركةِ وجوده الإنساني وتطلّعاته الفكريّة، وهو المتمرّد الثّائر على كلِّ ما أحاط به من نُظُمٍ، وقوانين، وحدود، رغم أنَّ سماحته كان رقيقاً رقّة النّسمات النّادية. يقولُ السيِّد:

خُلقْتُ رقيقاً كأنَّ الإلَهَ براني من نسمةٍ نادية

هذه الرّقّة والشّفافيّة اللاَّمتناهيةُ، قادتْهُ إلى تحسّس آلام النّاس وقضاياهم ومشكلاتهم، وإلى مواكبة جيل الشَّباب الحركيّ الواعي، حيثُ رأى فيه سماحتُهُ إعصار التَّغيير، وتيّار الرّفض لما بلي من التَّقاليد الجوفاء الّتي وقف الكثير منها حاجزاً وعائقاً أمام تحرير الإنسان لأرضه، وتحرُّره من موبقات نفسه.

أوّلاً: انطلاقة المقاومة

من مسجده الّذي ارتبط اسمه بحركة الصِّراع بين قوى الاستكبار العالميّ والصّهيونيَّة من جهةٍ، والمستضعفين المؤمنين من جهةٍ أخرى، في بئر العبد كانت الانطلاقة. فالسَّيدُ ممن آمن بأنَّ للمسجد دوراً رئيساً تعبويّاً وتثقيفيّاً في حركة الأمَّة، فمنه البداية وإليه المآب. لهذا، ومن على منبر مسجد الإمام الرّضا(ع) الّذي أمَّهُ سماحته لسنواتٍ طويلةٍ، حيث عُرِفَ بين محبِّيه من الشّباب المؤمن الحركيِّ الواعي "بسماحة العلاَّمة المجاهد"، أطلق سماحته التَّساؤل الذي "نستطيع من خلاله أن نواكب العقليّة السياسيّة التي تحكم الساحة وتحاول أن توجِّهها باتجاهات محدَّدة، ومواجهة تلك السلبيّة المطلقة الّتي تحاول فرض الأمر الواقع أمام كلِّ حادثٍ مستجدٍّ، في محاولةٍ لدراسة الخلفيّة الفكريّة التي بدأت تظهر معالمها من خلال المواجهة الحاصلة في الجنوب، والآفاق التي تسعى لتحقيقها"([1]).

هذه المواجهة حتّمت السؤال الّذي كان مطروحاً آنذاك، وهو: لماذا المقاومة؟ وهو سؤالٌ اعتبره سماحته مثاراً "من أجل أن يوحي بأنَّنا نتحرَّك بجهدٍ ضائعٍ، أنّنا نناطح الجبل، وأنّنا نسير في طريقٍ لا نبلغ فيه أيَّ هدفٍ، وإنّما يغرقنا في المتاهات..."([2]).

فعلى مستوى الداخل اللبناني، كان هناك فريقٌ كبيرٌ يفكِّر "أنَّ قوّة لبنان في ضعفه، وعلى اللّبنانيّ أن لا يناطح الصّخرة"([3]). ومع هذا الطرح الّذي انطلق منذ الاجتياحات الإسرائيليّة لجنوب لبنان، واحتلال مساحات شاسعة من أرضه، وصولاً إلى الاجتياح الكبير في العام 1982، التقى طرحٌ آخر تمثَّل برأي بعض العلماء آنذاك، أنَّ المقاومة للاحتلال هي رميٌ للنّفس في التهلكة، بينما كان سماحته ينظر إليها كبوّابةٍ لخلاص الأمَّة، وليس لزوال الاحتلال عند لبنان فحسب، ولهذا: "كانت المقاومة لأجل أن يشعر الإنسان بإنسانيّته، أن تقاوم حتّى تشعر بأنّك حيّ، وأنّك تتحرَّك وتشعر باليقظة تملأ كيانك، فأنت لست كميَّة مهملة يتلاعب بها الأعداء، أنت قوّة وإرادة... وأنت لست أذناً تسترخي لكلِّ هذا اللَّغو السياسي الّذي يشارك في الإجهاز على آخر أملٍ للأمَّة في تحقيق أمانيها.

هكذا، اعتقد سماحة السيِّد أنَّ المقاومة هي الأمل الأخير لتحقيق أماني الأمَّة، وهي نقطة الضَّوء الوحيدة في هذا العالم الذي يستبدُّ به ظلام الاستعمار والاحتلال والتعسُّف والقتل، ولم تعد المقاومة عنده حركةً جهاديّةً عسكريّةً أو سياسيّة، بل صارت ديناً يدين لله تعالى به، وبات قتال "إسرائيل" عنده عبادةً يتعبَّدُ لله بها، "إنَّ قتال إسرائيل عبادة نتعبَّدُ بها لله كي يرضى الله عنَّا..."([4]).

ثانياً: هويَّة المقاومة

من اللاَّفت أن سماحته لم يفصل بين المقاومة والإسلام، فالمقاومة هي الحركة الجهاديَّة التي استمدَّت روحها من الإسلام الحركيّ الواعي الأصيل: "لقد انطلقت المقاومة الإسلاميّة كحركةٍ جهاديّة في لبنان، تتحرَّك من خلال الإسلام، من حيث هو دين يحمل الحياة في داخله، ومن حيث هو رسالة تسير إلى الواقع الحركيّ للإنسان، في إقامة الحياة على الأسس الّتي يحبّها الله للإنسان، في الحريّة والعدالة في خطِّ الحقّ، القائم على القوَّة"([5]).

إنَّ ارتباط المقاومة بالإسلام، وانتماءها إلى هذا الدِّين الحنيف، جعلها "تعطي الإسلام المعاصر بُعداً جديداً في السَّاحة السياسيَّة، فيما فجَّرته من مواقع للاستعمار والصهيونيّة والطّغيان الدَّاخلي، وفيما أثارته من قضايا ومشاكل وأجواء، وحقّقَتْه من إرباكاتٍ على المستوى السياسي والأمني للقوى المستكبرة..."([6]).

وانطلاقاً من حركة وعيه الموضوعيَّة، كان خوفُهُ منذُ بداية العمل المقاوم أن تقع المقاومة في فخّ الاعتداد بالذّات، ولذلك كان يصرّ دائماً على رصد السلبيّات كي يتمّ تجاوزها، واعتبر أنّ ما حقّقته المقاومة عند انطلاقتها، من نجاجات وإنجازات في مواجهة الصهيونيّة وعدد من مواقع الاستكبار والاستخبارات، جعل "الإعلام المتحرّك في أجهزة المخابرات الدولية يواجه كلَّ نتائجها بالعناوين المثيرة التي أراد من خلالها أن يُشوِّه صورتها بكلمات التطرُّف والإرهاب الديني المتزمّت..."([7]).

هذه المواجهة والإثارة حتّمت على المقاومة رصد السلبيَّات والإيجابيّات في واقعها، حتّى لا تتحوَّل انتصاراتها إلى هزائم، فالمقاومة ـ في نظر سماحته ـ فعل إنسانيّ يتحرَّك في أكثر من موقعٍ على مستوى لبنان والمنطقة والعالم، وهي واقعٌ متحرِّكٌ يعمل لصناعة تاريخ إسلاميِّ جديد في "خطى الإنسانيّة" الباحثة عن الحريّة من خلال بحثها عن الله، فيما تُمثّله وحدانيّة العبودية لله من انطلاقة الحريّة في كلِّ كيان الإنسان أمام قوى العبوديّة في العالم"([8]).

ثالثاً: المقاومة.. أداة لتطوير الذهنيّة

لاحظ سماحة السيّد أنَّ السَّاحة السياسيّة التي تستعدُّ لتحجيم العنصر الجهادي وتطويقه ومحاصرته، تريد تحويل المقاومة إلى أداةٍ من أدوات الاستعراض الحزبي أو السياسي، لتدخل كأداةٍ من أدوات الصّراع المحليِّ، فأطلق دعوته كي تكون المقاومة أداةً لتطوير الذهنيَّة السياسيّة: "المهمُّ التفكير في أن نجعل عقليّة المقاومة أداةً لتطوير الذهنيّة السياسيّة وتوسيعها وتعميقها، بحيث لا تتغذَّى المقاومة من الواقع السياسيّ المنحرف، بل تحاول أن تغذّيه وتصحِّح أخطاءه وتُقوِّم انحرافاته، ليقول المقاومون للّذين يتحركون سياسيّاً على أساس حالات الرّبح والخسارة للشّخص أو الإطار: إنَّ السياسة التي تتحرَّك من وعي حالة المقاومة الإسلاميَّة، لا بُدَّ لها من أن تعيش في الأفق الكبير، ولا تتحرّك في الدَّهاليز والزواريب الضيّقة، ليكون واقع السياسة، الّذي تعزّزه المقاومة وتوجِّهه، واقعاً منفتحاً على الأمَّة كلِّها والمستقبل كلّه"([9]).

هذا الواقع المنفتح هو الّذي يجعل من قضايانا قضايا كبيرة وعظيمة ـ في رأي سماحته ـ لا قضيّة دهاليز وزواريب ضيِّقة، أو طموحات محدودة، لأنَّ الواقع المنفتح على الأمّة والمستقبل، نستطيع من خلاله أن "نجعل قضايانا الكبيرة في عهدة الأمَّة الكبيرة، بدلاً من أن نجعلها في عهدة المحاور السياسيّة الضيّقة الصّغيرة، المحاور التي إذا دخلت هذه القضايا (قضايانا الكبيرة) في دوائرها، فإنّها تموت وتتبخَّر وتنتهي..."([10]).

رابعاً: صناعة الواقع السياسيّ الأصيل

إنَّ إيمان السيِّد بأنَّ المقاومة التي تجاوزت الآفاق السياسيّة والجغرافيّة والكيانيّة الضيّقة، هي الّتي صنعت واقعاً سياسيّاً جديداً أصيلاً في كيان الأمَّة التي صارت تنظر إلى المقاومة على أنّها حركة جهادٍ أمميٍّ لا يمكن صبغها بأيّة هويّةٍ طائفيّةٍ أو مذهبيّةٍ، إنّ إيمانه بذلك، جعله يرى أنّ على المقاومة أن "تتحرَّك لتصنع واقعاً سياسياً جديداً في الأمّة، واقع الانفتاح على قضايا الأمَّة بكلِّ فصائلها، أن لا نتقوقع على أساس التّفكير في منطقة (جغرافيّة) معيّنة... حيث نخطّط تخطيطاً ضيّقاً يجعلنا ننهزم قبل أن نتقدَّم خطوة واحدة في مواجهة إسرائيل.. كلّ هذا يحدث حين نعتبر القضيّة قضيّة جنوبيّةً أو شيعيّةً فقط..."([11]).

لقد تحرّك سماحتُهُ على أساس أن تكون قضيّة المقاومة قضيّةً إسلاميّةً تدفع مستضعفي الأرض جميعاً إلى الوقوف في وجه الحالة الإسرائيليّة، لأنَّنا عند ذلك، "يمكن أن نحقّق انتصاراً، وأن نتجدّد سياسيّاً، فلا نتقوقع في الدّوائر الصَّغيرة الضيّقة"([12]).

خامساً: عدوى المقاومة

من خلال عدم التَّقوقع في الدّوائر الضيّقة، وإرادة الانفتاح على قضايا الأمَّة الكبرى، كان لا بُدَّ لقضيَّة فلسطين المركزيّة من أن تحضر في وجدان السيِّد وكيانه، فهو، ومنذ بداية شبابه، وأولى محاولاته الشعريّة في النَّجف، عاشت فلسطين في عقله ووعيه، وفيها نظم بعض أبياته الشعريّة التي تُعبِّرُ عن دعوته إلى المقاومة والرفض والثّورة. وممّا قاله في ذلك الحين.

دافعوا عن حقِّنا المغتَصَبِ                    في فلِسطينَ بِحَدِّ القُضُبِ

واذكروا عَهْدَ صلاحٍ حينما                  هبَّ فيها طاردِاً للأجنبي

فإسرائيل الّتي طردت شعباً من أرضه، واحتلَّت، وقتلت، أوجبت، في نظر السيِّد، وجود معركتين كبيرتين على مستوى الأمَّة، وهما:

"المعركة الأولى التي يجب أن تتحرَّك فيها المقاومة هي: معركة إخراج إسرائيل من جنوب لبنان ـ أو بالأحرى من لبنان ـ هذه معركة بدأت ولا بُدَّ من أن تستمرَّ لتصل إلى نهاية سعيدة كما وصلت معاركنا السّابقة.

المعركة الثّانية الّتي نخوضها هي معركة أن يبقى الشّعار التالي حيّاً في النفوس والضّمائر: مشروع إسرائيل غير شرعيّ وغير قانونيّ في المنطقة، مشروع إسرائيل خطر على المنطقة وغيرها"([13]).

هاتان المعركتان حتَّمتا على الدّاعين إلى مقاومة الخطر الإسرائيليّ على الأمَّة الإسلاميَّة كُلّها، الحاجة إلى تكتّل طاقات الأمّة وقواها في سبيل مواجهة كلِّ الواقع الموجود في المنطقة والعالم مواجهةً موضوعيّةً واقعيَّة لا تعتمد الحماس والانفعال، ولكنَّها تعمل على دراسة المواقع الميدانيَّة الّتي يمكن للمقاومة أن توجِّه فيها ضربات مؤلمة وموجعة للعدوِّ، تسقط من خلالها معادلاته ومؤامراته. ولهذا، طرح السيِّد قضيّة إسرائيل كمشكلةٍ، إضافةً إلى طرح القضيّة الفلسطينيّة الّتي تُمثّل حالةً إقليميّةً، بل مشكلةً سياسيّةً واقتصاديّةً وأمنيّةً للمنطقة كلِّها، وللعالم الإسلاميّ كلّه.

"إنّنا نعتبر أنَّ هناك واقعاً في الدوائر الإسلاميّة والعربيّة في العالم الثّالث، يختنق فيه الناس على أساس الوضع السياسي الطاغي والظالم، ولهذا نعتبر أنّ حركة المقاومة تحاول أن تنقل العدوى إلى الشعوب الأخرى التي تعيش تحت رحمة سلطة الظّلم والطّغيان، والتي تفكّرُ دائماً من خلال بيانات حكّامها في الأحلام التي تُمنِّيها بالسّلام في الصُّلح مع إسرائيل..."([14]). 

سادساً: نموذجيّة المقاومة

عدَّ السيّد تجربة المقاومة (العدوى) تجربةً رائدةً على مستوى العمل الجهادي المقاوم، وعلى المستوى السياسيّ، وطرح مصطلح "بلوغ المقاومة سنّ الرشد" على كافّة المستويات، وآمن بأنّ الهدف منها ليس التّحرير فقط، أو محاكاة الانتفاضة والوضع في المنطقة، بل أن تكون النّموذج الأمثل لكلِّ الساعين إلى الحريّة والتّحرير: "نحن عندما نريد أن نتحرَّك ضدّ إسرائيل، نهدف إلى أن نقدِّم لشعوبنا النّموذج الأمثل والحيّ والمتقدِّم... النّموذج الّذي يقول: إنّنا يمكننا أن نربك إسرائيل، وأن نهزمها، وأن نخرِّب معادلاتها"([15]).

من هنا، أكَّد السيّد واقعيَّة فكرة المقاومة، ورفض مقولة: "أنّ العين لا تقاوم المخرز"، بل عمل جاهداً على ترسيخ فكرة قدرة الشّعوب على الوقوف أمام المستكبرين، وعلى تحدّي جبروتهم وتكبّرهم وطغيانهم. "عندما تقدّم تجربتك وتشعر الشعوب بأنَّ من الممكن أن تنجح التجربة في مكانٍ آخر... عند ذلك، يمكن أن تكون الفكرة واقعيّةً عند الشعوب"([16]).

هذه الفكرة الواقعيّة كرَّست حقيقةً بقي السيّد ينادي بها حتّى آخر لحظات حياته، وهي أنّ فلسطين هي القضيّة التي باتت عبئاً على العرب الّذين ـ وفي رأي السيّد ـ يبحثون عن الطّرق والوسائل التي تُحرِّرهم منها، لا التي تُمكِّنُهم من تحريرها، وأنَّ القدس هي "القضيّة والموقف"، لأنّه لم ير في القدس رمزاً يعطي الأرض والمنطقة والسياسة معنىً؛ الأرض حجارة وتراب، مهما ارتبط بها الإنسان، فإنّها لا تعدو أن تثير فيه شيئاً من الألفة، ولكنَّها لا تهزُّ أعماقه من الداخل. ولهذا، فإنّ قضيَّة أن تتحرّك من أجل تحرير أرضٍ اغتصبت، لا بُدَّ لك من أن تجعل من الأرض قضيّةً، قضيّةً تتعدَّى حدودها وحجمها، حتّى يستطيع اتّساع القضيَّة أن يأتي من بعيدٍ ليُحقِّقَ لك شيئاً في حركتك من أجل الأرض، فتكون بذلك قد استطعت أن تجعل من الأرض قضيَّةً تأتي إليها من أفق واسعٍ... وكذلك تكون قد طوَّقتها من جميع الجهات، فتصبح الأرض قضيَّة ورسالة"([17]).

لذلك، عندما تتحوَّل الأرض إلى قضيّةٍ ورسالة، فإنَّه لا بُدَّ من التّضحية في سبيل الرّسالة، وفي سبيل تحرير الأرض، ولا سيَّما حين تكون الأرض هي قدس أقداس القضيَّة، والأرض المباركة في كتاب الله تعالى: {إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ}(الإسراء:1). ولا بُدَّ من العمل على تقوية الفكر المقاوم، وعيش الإسلام المنفتح المتحرِّك، والاقتداء بالقاعدة الأساس في حياة المسلمين، والإنسان النّموذج الكامل، وهو رسول الله: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآَخِرَ}(الممتحنة: 6).

"نعم... إنَّ رسول الله(ص) فكَّر في الإسلام على مستوى العالم، وبذلك استطاع أن يُقوِّي الحركة التي انطلق بها... بقدر ما تكون آفاقك واسعة، تكون حاسماً في دائرتك التي تتحرَّك فيها..."([18]).

فلطالما ركَّز السيِّد على قضيّة الانتماء إلى الإسلام، وتبنّي القضايا التي يعيشها المسلمون جميعاً، وكانت دعوته إلى أنَّ "ما نريده، هو أن نعيش الإسلام همّاً منفتحاً على السَّاحة كلِّها، لا همّاً منغلقاً على الذَّات. أن نعيش الإسلام فكراً متحرّكاً مع كلِّ حركةٍ في السَّاحة، لا فكراً يتحرّك في زاوية في السّاحة"([19]).

هكذا ربط السيِّد بين تبنّي القضيَّة وتحديد مسارها، والمقاومة من أجلها باليد والقلب واللّسان، لنكون اليد المقاومة، والعقل المقاوم، والفكر المقاوم: "علينا أن نكون الفكر المقاوم الّذي يريد أن يقاوم أيَّ فكرٍ يريد أن يُفرَض على الأمَّة، أيّ واقع سيّئ يريد أن يحجب عن الأمَّة وضوح الرؤية.

إنَّ علينا أن نكون الرّوح المقاومة، والسياسة المقاومة، والبندقيّة المقاومة. بهذا الانفتاح، يمكن لنا أن نبلغ الهدف"([20]).

ولنا أن نتساءل: هل هذه المقاومة أبديّة لا سقف لها، ولا زمن لها ولا حدود؟ يجيب السيّد: "إن لم نبلغ الهدف في حياتنا، وفي جيلنا، فعلينا أن نسلّم رسالة الهدف إلى الجيل القادم، ونوصيه بأن يسلّم رسالة الإسلام إلى الجيل الذي بعده، حتى يرث الله الأرض ومن عليها: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ}(القصص: 5)([21]).

إنَّ وضوح الهدف عند السيّد في ما يتعلّق بقضيّة المقاومة، جعله يؤمن بأنَّ الصّراع بين المسلمين واليهود هو صراعٌ تاريخيٌّ، لا بل هو صراع وجودٍ عبر التاريخ، منذ انطلاقة حركة الدّعوة النبويّة في مجتمع المدينة، وصولاً إلى زماننا المعاصر، ولذلك، نلاحظ أنَّ الله سبحانه وتعالى لم يحذِّر المسلمين من النّصارى كما حذّرهم من اليهود، بل إنَّه فرّق في طبيعة العلاقات التعايشيّة والاجتماعيّة والعمليّة، بين المسلمين واليهود والمشركين وبين النّصارى {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا اليَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ}(المائدة: 82).

ومن اللاّفت جدّاً حضور "المقاومة" في فكر السيِّد وعقله وحيويّته وحركيّته ووعيه ووجدانه، حتّى آخر نفسٍ من حياته، حين سُئِل قبيل عروج روحه إلى الملكوت الأعلى: هل أنت مرتاح؟ فكان الجواب الّذي لم يكن ينظر إلى الشّخص الذّات، بل إلى العقل القضيّة: لن أرتاح حتّى تسقط إسرائيل؟!

هذا الحضور ميّز حركة السيِّد اليوميَّة من خلال لقاءاته المباشرة مع النّاس، أو إطلالاته الإعلاميّة، أو كتاباته جميعها، أو أبحاثه الفكريّة والفقهيّة والعقائديّة، أو مقابلاته، وخطبه، وحواراته، ودروس تفسيره القرآنيّ ومواعظه، وخطب جمعته. وتكفي العودة إلى تراثه في هذا المجال، للإحاطة بهذا الحضور المميَّز "للمقاومة" التي ما خليت منها مقالةٌ أو مناسبةٌ للسيِّد، وحضور فلسطين الرّمز والقضيّة، ودعوته المتكرّرة إلى دراسة واقع الأنظمة العربيّة، والحكّام العرب، الّذين اقتصر دورهم ـ في رأي السيِّد ـ على تقديم التنازلات.

"لقد وجدنا في كلّ مراحل المفاوضات، أنَّ دور العرب فيها يقتصر على تقديـم التنازلات، وإذا استطاعوا أن يحصلوا على موقع قوّة في المفاوضات، فإنَّ الولايات المتحدة الأمريكيّة تتحرّك من أجل أن تضعف هذا الموقع، لتعطي لإسرائيل قوّة جديدة"([22]).

وفي هذا المجال، طرح السيّد معادلاته الشّهيرة التي غمز فيها من قناة كلّ الحكّام العرب الذين كانوا يعملون على ترسيخ فكرة المفاوضات، والنيل من حركة المقاومة في الأمّة، على قاعدة أنّها رميٌ للنّفس في التهلكة، وهذه المعادلة هي الّتي عرَّت الواقع العربي، وهو ما دفع سماحته إلى إطلاق مقولته الشّهيرة والمأثورة: "إنَّ العرب يخافون أن يُضبَطوا متلبِّسين بالقوّة". مؤكِّداً أنَّنا كمسلمين ملتزمين بالخطّ الفقهيّ الإسلاميّ، بعيداً عن الشّعارات السياسيّة، لا نعترف بأيّ مفاوضات، ولا نلتزم بأيِّ معاهداتٍ أو أيّ صلحٍ يعقده أيّ فريقٍ عربيٍّ أو إسلاميّ مع "إسرائيل"، لأنَّه صلح ليس فيه إلاَّ إسقاط الحقّ. ومن هنا، كانت دعوة السيِّد إلى رفض المقولة اللّبنانيّة أنَّ قوّة لبنان في ضعفه، وليس في مقاومته.

"نحن نملك القوّة، ولكنَّنا لا نملك الروحيّة التي نستعمل بها قوّتنا، لأنَّ هناك الكثير من النّاس الّذين يخافون أن يضبطهم العالـم المستكبر وهم متلبّسون بالشعور بالقوّة، فيخافون من أن يصبحوا أقوياء. ألـم يكن عندنا في لبنان من كان يقول: "إنَّ قوّة لبنان في ضعفه"؟! وما لا أستطيع أن أفهمه هو: أنَّه كيف يكون الإنسان قويّاً في ضعفه. لهذا نلاحظ أنَّ العديد من شعوب العالـم الثالث في أحيان كثيرة، تقف ضدّ مجاهديها أكثر مما يقف العدوّ ضدّ الذين يجاهدون، باعتبار أنَّ هذه الدّول تخاف من نتائج قوّة المجاهدين، فترى من منظارها أنَّ الضّعف أحسن، وأسهل أن نأكل خبزنا كفاف يومنا، حتى لو كان مغموساً بالعار"([23]).

وانطلاقاً من تقوية حركة المجاهدين ومقاومتهم لواقع الاحتلال، ودفعاً له عن الأرض الّتي كان يقبع ويجثم عليها، كان للسيّد رأيه المباشر في ما يتعلَّق بالوسائل التي ينبغي على المجاهدين اللّجوء إليها، ومنها العمليّات الاستشهاديّة الّتي نظر السيِّد وأفتى بها معلِّلاً:

"العمليّة الاستشهاديّة ليست انتحاراً؛ إنّها دخولٌ في الحرب، فما الفرق بين الجنديّ الدّاخل في المعركة الشرعيَّة ليقتل الآخر، وهو يعلم مسبقاً أنّه مقتولٌ أيضاً، لأنَّ المعركة تحتاج إلى ذلك، وبين الجنديّ الّذي يقتحم المعركة ويفجِّر نفسه، ويقتل ذاته في سبيل معركته الشرعيَّة؟!([24]).

فطبيعة المعركة ـ في رأي السيّد ـ هي الّتي تحدِّد الوسائل الّتي قد يلجأ المجاهدون إليها، على قاعدة "أنَّ المعركة قد تفترض وجود ألغامٍ مزروعةٍ لا يمكن تفجيرها وتحقيق الانتصار إلاّ بتفجير الأشخاص لأنفسهم بها. فهنا لا بُدَّ من الموازنة بين الأهمّ والمهمّ؛ فهل المهمُّ هو الإنسان الجنديّ في معركة شرعيَّة، أو أنَّ الأهمّ هو الانتصار، فإذا توقَّف الانتصار أو ربح المعركة أو دفع العدوّ في القضايا الكبرى الّتي تمسُّ حياة النّاس على أن يضحّي الجنديّ بنفسه، فإنَّ هذا الأمر جائز لا مشكلة فيه، لأنَّ الله تعالى لم يحدِّد لنا آليّة المعركة، فنحن نقرأ مثلاً في كتاب الله تعالى: {إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ}(التوبة: 111). أيّة آليّةٍ؟ لا تحديد، كلّ ما تحتاجه المعركة، شرط شرعيّة المعركة"([25]).

وقد ميّز السيّد بين الاستشهاد والجهاد، وبين الانتحار والقتل، مرتكزاً على الدافعيّة والهدف الذي ينطلق الإنسان لتحقيقه، على قاعدة نبل الهدف وشرعيّته وقانونيّته، مؤكِّداً أنَّ "المجاهد حين يقتل بدافعٍ وطنيٍّ أو دينيٍّ، فإنّه ينطلق من القضيَّة الكبرى، وقيمتها رضا الله، فالمتديّن يسعى لرضا الله، وأمّا غيره، فإنّه ينطلق من إخلاصه لأمّته ومجتمعه ووطنه. إذاً هنا قضيّةٌ تصغر عندها الحياة، وأمّا هناك، فالألم هو المهيمن، الألم أو المشكلة أو الأزمة الّتي يحاول المنتحر الفرار منها، وهناك فرقٌ بين موتك لقضاياك الذاتيّة، وبين شهادتك لتعيش قضايا الإنسان والحياة"([26]).

وقد شغلت قضيّة الجهاد والمقاومة الكثير من الأوساط الغربيَّة، وحاولت حملات الغرب والمتغرِّبين أن تسِمَ المجاهدين والمقاومين بصفة الأصوليَّة والإرهاب، ووجَّهت سهامها ضدّ الإسلام والفكر الإسلاميّ، وما يحمله الإسلام من أفكارٍ ومبادئ وقناعات، حيث اعتبر الغرب المستكبر بمراكز أبحاثه وسياسيّيه ومفكِّريه، أنَّ اقتناع المسلمين بمفردة الجهاد ومصطلح المقاومة، يعني ثقافة الإرهاب، ما دفع السيِّد إلى التصدّي لهذه الاتهامات والأباطيل ورفضها، معتقداً أنَّ: "العلماء المسلمين، ومنذ النّهضة وأيّام جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وغيرهما، وامتداداً إلى كلِّ هذا الخطِّ الثّقافي المتواصل، قد تحدَّثوا عن أنَّ الجهاد في الإسلام ليس عدوانيّاً، بل هو دفاعيٌّ من جهةٍ، ووقائيٌّ من جهةٍ أخرى، وهذا ما عبّر عنه القرآن الكريم: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ}(البقرة: 190)، وإذا كان البعض يتحدّث عن بعض الآيات التي تقول: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ}(البقرة: 191). فهذه آيات وردت في تفاصيل حركة الحرب، ولم ترد في إعطاء الخطِّ العام للحرب"([27]).

ففي حركة الحرب وتفاصيلها، ركَّز السيِّد على قضيّة أن تكون المقاومة قويّةً، وحضورها فاعلاً ومؤثّراً، لا قوّة الانفعال، وإنّما قوّة التّخطيط، ودراسة الواقع الذي يدفع الأمّة إلى الانتصار. فالإسلام ـ في نظره ـ "يشجِّع المسلمين في مواقع القوّة، وهذا أمرٌ موجودٌ في كلِّ الحضارات، في ما يزوِّد به قادة الحرب جنودهم، بأن يكونوا في موقف القويّ الّذي يهيِّئ الواقع للانتصار، ارتكازاً على قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ}"(الأنفال: 60)([28]). 

سابعاً: وحدة الجهاديين وعالميّة المقاومة

وقد رأى السيّد أنَّ وحدة القضيَّة والهدف، تُحتّمُ وحدة الجهاديّين والمقاومين، لأنَّ الوحدة هي العامل الأساس لتحقيق كلِّ الأهداف النّبيلة للأمّة، وآمن بأنَّ الاختلاف الّذي يقود إلى التّنازع، يذهب بكلّ إنجازات "المقاومة" سدى، فالاختلاف في الوحدة ضروريٌّ، ولا ضير من التنوّع في الوحدة، لأنَّ التمزُّق يقوِّض الأسس الّتي يرتكز عليها أيّ نصرٍ للأمَّة في التاريخ. ولذلك دعا السيِّد إلى وحدة الجهاديّين، ووحدة المقاومين، وإلى التّنسيق فيما بينهم، ولا سيَّما في حركة الصّراع الأساسيّ من أجل القضيّة المركزيّة فلسطين، ولهذا رأى السيّد أنّ قيمة المقاومة الإسلاميّة في لبنان، والانتفاضة المباركة في فلسطين، هي باستعادة العنفوان العربيّ والإسلاميّ: "عندما نواجه الواقع الّذي نعيش فيه، ولا نجد هناك أيَّ صدى وأيَّ ردّ فعلٍ بالمستوى الّذي يمكن أن يتناسب مع حجم الجرائم الإسرائيليّة المنسَّقة تنسيقاً إسرائيليّاً أمريكيّاً بطريقةٍ أو بأخرى، فإنَّ علينا أن ننسِّق مع كلِّ الأحرار في العالم، وننطلق لنثير المسألة بكلِّ ما أوتينا من قوّةٍ، فإذا لم نستطع أن نحقِّق شيئاً اليوم فسنحقّقه غداً، وإذا لم نستطع أن نحقِّق شيئاً غداً، فإنّنا من خلال روح الحريّة، وروح العزَّة والكرامة، نستطيع أن نحقِّق الكثير في هذا وفي ذلك كلّه"([29]).

فمن خلال دعوته الوحدويّة، كانت غاية التّفكير عنده أن تتحرَّك الأمَّة وتفكّر كأمّةٍ لا كأفراد، وهو ما أفرزته تجربة المقاومة الإسلاميَّة والمجاهدين في فلسطين، لأنَّ "قيمة المقاومة في لبنان والانتفاضة في فلسطين، أنَّهما تجعلان الإنسان العربي المسلم يحترم نفسه، بحيث يشعر بأنَّه لـم يسقط أمام عنفوان الاستكبار الإسرائيلي "([30]).

من هنا، "يجب علينا أن نفكّر كأمّة لا كأفراد، لأنَّ الفرد لا يستطيع أن يحقّق لنفسه الحماية والاكتفاء، إلاّ من خلال ما تحقّقه الأمّة من أمنٍ واكتفاءٍ ذاتيّ على كلّ المستويات... لذا أقول لكم من موقع إسلاميّ شرعي: عليكم أن تنقطعوا عن الثارات على مستوى العشائر، وتفكّروا في الثأر على مستوى الأمم، لأنَّ الأمم التي لا تثأر لكرامتها، سوف تسحق كرامتها تحت كلّ أحذية الفاتحين"([31]).

وقد أكّد السيّد الروحيّة الإيمانيّة العظيمة الّتي يحملها المجاهدون المقاومون، هذه الروحيّة هي التي كانت تهزم العدوّ على كلِّ الجبهات والسَّاحات، وهي التي شكَّلت سرَّ جهاد المقاومين، وانتصارهم على العدوّ، وخصوصاً في الحرب العدوانيّة الإسرائيليّة في العام 2006م، عندما هزمت روحيّةُ الإيمان أعتى قوّةٍ طاغوتيّةٍ على وجه الأرض. وقد مثّلت رسالته إلى المجاهدين والمقاومين في الثالث من آب العام 2006م، عمق ما يختزنه سماحته من علاقة أبويّةٍ روحيّةٍ لهؤلاء المجاهدين الّذين تربّوا على يديه منذ انطلاقة المقاومة: "أيّها الأحبّة: لقد صنعتم الانتصار للبنان كلِّه وللعرب والمسلمين في العام 2000، وها أنتم من خلال صمودكم وصبركم القويّ وجهاد أبنائكم، تتحرّكون في هذه المرحلة من أجل أن تصنعوا انتصاراً جديداً للأمّة كلّها، ولإسقاط العنفوان السياسيّ الأمريكيّ والصهيونيّ، وكلّ أعداء الحريّة في المنطقة والعالم"([32]).

وكانت كلمته لأبنائه المقاومين المجاهدين وساماً روحيّاً، ودافعاً قويّاً لهم في ساحات المواجهة: "وكلمتي لأبنائي وأحبّائي وأعزّائي المجاهدين، الذين يقفون على الجبهة، وفي خطوط مواجهة العدوّ، فيقاتلون جنوده، ويدمّرون دبّاباته وآليّاته، ليهزموا روحه، وليسقطوا مقولة الجيش الّذي لا يقهَر، ليعود مهزوماً ذليلاً في أوَّل معركة يُهزَم بها في تاريخه... إنّكم بعتم أنفسكم لله، وتجنَّدتم في سبيل الله، وعشتم روحيَّة الإيمان وتقواه وإخلاصه، وجاهدتم في الله حقَّ جهاده"([33]).

إنَّ الإنسان الذي يستردُّ من تاريخه روحيّة الصفحات المشرقة، لا بُدَّ من أن يتحقّق النّصر على يديه، وهو ما رآه السيّد في تجربة المقاومين المجاهدين، وما استشرفه من خلال مسيرة دعمه المادّيّ والمعنويّ لحركة المقاومة في لبنان وفلسطين وشتّى حركات التحرُّر في العالم الإسلاميّ، وقد عدَّ السيّد أنّ الواقع الذي نعيشه كأمّة، هو نفسه الذي عاشه المجاهدون الأوائل مع رسول الله(ص). وقد خاطب المجاهدين المقاومين خلال حرب تموز من العام 2006، مدركاً أهميَّة استيحاء التجربة القرآنيَّة وتجسيدها في الواقع الصّعب والمرحلة الأصعب: "أيُّها البدريّون الّذين يستمدّون القوّة من الله، ويستوحون روحية النصر منه، أيّها المجاهدون في "خيبر" الجديدة، الّذين حملوا الراية، فكانوا ممن أحبّوا الله ورسوله، وأحبَّهم الله ورسوله، الذين يكرّون ولا يفرّون، والّذين يفتح الله على أيديهم.. أنتم جيش الأمّة العربيّة والإسلاميّة، إنّ جهادكم سوف يصنع للعرب وللمسلمين والمستضعفين المستقبل الجديد الّذي سوف تكون فيه السّاحة كلّها للشّعوب المستضعفة لا للمستكبرين، وسوف يتحقّق النّصر على أيديكم، لأنكم نصرتم الله بنصرة عباده المظلومين، {وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}(الحجّ: 40)، وسوف تكونون القدوة لكلّ الشعوب، في مقاومةٍ تجتاح كلّ الّذين يريدون للأمّة أن تضعف وتسقط في مواقع المستكبرين"([34]).

ثامناً: محاولات تطويق المقاومة بعد انتصاراتها

لم يترك السيِّد مناسبةً إلا وعمل على احتضان المقاومة وحفظها ودعمها وحمايتها، كما عمل على تعرية الدّور الأمريكي والغربي في ما يتعلَّق بحفظ أمن إسرائيل، وتطويق حركة المقاومة التي صارت عبئاً على السياسات الأمريكيّة والإسرائيليّة في المنطقة، ولهذا ركَّز على دور الغرب المتعاظم فيما يرتبط بمحاصرة الشعوب التائقة إلى الحريّة، وقد رأى أنّ الغرب "خطّط لتأسيس الدولة اليهوديّة في فلسطين موقعاً ودوراً، وذلك في سياق إحكام السّيطرة على منطقتنا، مبتدئاً بالحرب الّتي اجتاحت الشعب الفلسطيني، وشرَّدته من أرضه، واستخدمت هذه الدّولة سياسة الحديد والنّار، حيث شكّلت المجازر الوحشيّة المكوِّن الرئيس للجيش الإسرائيلي، سواء في البنية أو الأهداف، وكانت الإبادة المنظّمة لكلّ بنى الشّعب الفلسطيني وتشكيلاته، هي السياسة المتَّبعة والمدعومة بتشجيعٍ أميركيٍّ، ونفاقٍ أوروبيٍّ، وعجزٍ من الأمم المتَّحدة، وصمتٍ أو تشجيعٍ عربيّ..."([35]).

هذه الإبادة وهذا الحصار لشعب القضيَّة الأساس؛ قضيّة فلسطين، حتَّمت نظرة السيّد إلى تلازم قضايا ومشكلات العالم العربيّ والإسلاميّ جميعها، وإلى التّفكير في الأهداف التي دفعت بالمستعمرين والمحتلّين إلى احتلال العراق، حيث "نلتقي بالاحتلال الأميركي البريطاني لهذا البلد"([36])، وصولاً إلى لبنان الذي حقّقت فيه المقاومة أعظم إنجازاتها في التحرير والتحرّر، ما دفع الاستكبار العالمي إلى تحريك كلِّ فتنة، وبثّ كلّ سمومه لتطويق المقاومة التي أسقطت العصر الإسرائيلي، وقهرت إرادة القوّة عنده. وقد رأى السيّد أنّه في سياق هذا التوجه ـ محاصرة قوى المقاومة ـ "كان للبنان موقعه في هذه الاستراتيجيّة الأميركيّة، لذا امتدّت الحرب (حرب تموز) إلى هذا البلد الّذي أرادته الولايات المتحدة الأميركيّة أن يتحوَّل إلى قاعدةٍ لنفوذها، في خططها السياسيّة والأمنيّة التي تتمثّل في إسقاط قوّة الرَّفض والممانعة والمقاومة الّتي يمتلكها ضدّ العدوان الإسرائيليّ، وتطويع سياسته بما يخدم أطماعها في لبنان، ويسهِّل لإسرائيل اختراق أرضه وجوّه وبحره، لذا لم تتأخّر الإدارة الأميركيّة في استغلال بعض الثغرات السياسيّة والأمنيّة في لبنان، فاحتوت لنفسها فريقاً سياسيّاً لا ينفتح على قضايا العالم العربيّ في مسألة الصِّراع مع إسرائيل، بل يتحرَّك ضدّ هذا البلد العربيّ أو ذاك، في عمليَّة استغلالٍ لبعض الأخطاء والمشاكل"([37]).

وضمن توجيهٍ منظّم، رأى السيّد أنَّ أمريكا هي التي تتحرَّك لإرباك سياسة المقاومة، وإسقاطها في أتون الفتن والضّغوط، فضمن أجواء الحرب الإسرائيليّة على لبنان، "تحركت واشنطن على وقع خطّة سياسيّة تستهدف تعقيد أوضاع المقاومة وإرباك سياستها، ما دفعها إلى الضّغط على مجلس الأمن، حيث جرى إصدار أكثر من قرار يمسّ استقلال لبنان، ويثير موضوع المقاومة تحت غطاء بعض العناوين الوطنيّة"([38]).

وقد توقّع السيِّد معادلة الثّأر الإسرائيليّ من المقاومة، نتيجة تحرير المقاومة للجنوب اللبناني بقوّة السلاح وإرادة الإيمان، حيث شكَّل تحرير العام 2000 "صدمةً" لأمريكا وإسرائيل، لأنّه استطاع أن ينـزل بإسرائيل الهزيمة بشكلٍ مباشر لأوّل مرّة في تاريخها([39])، ما أوجب ردَّ الفعل الأمريكيّ ـ كما رأى السيّد ـ فقد "حشدت واشنطن قوى الشرّ في العالم ممثّلةً بالمستكبرين الذين اجتمعوا في مؤتمر الثمانية الكبار في روما، ثمّ في مجلس الأمن، لاستصدار القرار 1701 لمصلحة إسرائيل التي انهزمت عسكريّاً في الحرب ضدّ المقاومة، وذلك باعتراف مسؤوليها السياسيّين والعسكريّين، في الوقت الّذي كانت أمريكا تنتظر منها تحقيق أهدافها في إسقاط المقاومة ميدانيّاً، تمهيداً لنـزع سلاحها، ولذلك امتنعت الإدارة الأمريكيّة ـ برئاسة بوش ـ من إقرار قرار وقف إطلاق النّار الذي ارتفعت الصّيحات في العالم الإسلامي والعربي وبقيَّة أحرار العالم للمطالبة به، احتجاجاً على المجازر الإسرائيليَّة واستمرار الحرب ضدّ المدنيّين العُزَّل الذين كانت إسرائيل تهدم بيوتهم على رؤوسهم، بمن فيهم الأطفال والنّساء والشّيوخ، وخصوصاً في قانا ومروحين وصريفا والدوير وعيناثا والقاع وغيرها من القرى، لأنَّ أمريكا كانت تنتظر نصراً للجيش الإسرائيليّ، لكنّه لم يستطع تحقيقه على الأرض"([40]).


([1]) المقاومة الإسلاميّة في الجنوب والبقاع الغربي وراشيا ـ تطلُّعات وآفاق-18 تموز-1984.

([2]) م.ن.

([3]) م.ن.

([4]) المقاومة الإسلاميّة، آفاق وتطلُّعات، لجنة مسجد الإمام الرّضا، 1986م/1406هـ، ط2.

([5]) م.ن.

([6]) م.ن، ص4.

([7]) المقاومة الإسلاميّة، آفاق وتطلُّعات، مصدر سابق، ص4.

([8]) م.ن، ص11.

([9]) المقاومة الإسلاميّة، آفاق وتطلُّعات، مصدر سابق، ص12.

([10]) م.ن، ص12.

([11]) م.ن، ص13.

([12]) المقاومة الإسلاميّة، آفاق وتطلُّعات، مصدر سابق، ص13.

([13]) إرادة القوّة، جهاد المقاومة في خطاب سماحة آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله، إعداد وتنسيق د. نجيب نور الدين، دار الملاك، ط1، 1420هـ/2000م.

([14]) المقاومة الإسلاميّة، آفاق وتطلُّعات، مصدر سابق، ص15-16.

([15]) المقاومة الإسلاميّة، آفاق وتطلُّعات، مصدر سابق، ص16-17.

([16]) م.ن، ص17.

([17]) القدس القضيّة والموقف، من أجل الإسلام، 13 حزيران 1985.

([18]) المقاومة الإسلاميّة، آفاق وتطلُّعات، مصدر سابق، ص18.

([19]) إرادة القوّة، مصدر سابق، ص61.

([20]) م.ن، ص 11.

([21]) إرادة القوّة، مصدر سابق، ص11.

([22]) إرادة القوة، مصدر سابق، ص117.

([23]) إرادة القوّة، مصدر سابق، ص305.

([24]) الأخلاقيّات الطبيّة وأخلاقيّات الحياة، ط1، 1423هـ/2002م، ص42.

([25]) الأخلاقيّات الطبيّة وأخلاقيّات الحياة، مصدر سابق، ص42.

([26]) م.ن، ص44.

([27]) عن سنوات ومواقف وشخصيّات، هكذا تحدَّث، هكذا قال، حوار منى سكريّة، دار النهار، ط1، ص108.

([28]) م.ن، ص108.

([29]) إرادة القوّة، مصدر سابق، ص109.

([30]) م.ن، ص350.

([31]) م.ن، ص351.

([32]) السيد محمد حسين فضل الله، خطاب المقاومة والنّصر، دار الملاك، بيروت، ط1، 2006، ص69.

([33]) م.ن، ص69.

([34]) خطاب المقاومة والنّصر، مصدر سابق، ص70.

([35]) م.ن، ص141-142.

([36]) خطاب المقاومة والنّصر، مصدر سابق، ص:143.

([37]) م.ن، ص146.

([38]) خطاب المقاومة والنصر، دار الملاك، ط1، 2006، ص146/147.

([39]) م.ن، ص143.

([40]) م.ن، ص189.

أخبار العالم الإسلامي,المقاومة, السيد فضل الله
Print
جميع الحقوق محفوظة, قناة الإيمان الفضائية