Logo Logo
الرئيسية
البرامج
جدول البرامج
الأخبار
مع السيد
مرئيات
مسلسلات
البرامج الميدانية
البرامج التخصصية
برامج السيرة
البرامج الثقافية
برامج الأطفال
البرامج الوثائقية
برامج التغطيات والتكنولوجيا
المزيد

في رحاب ولادة السيّدة زينب(ع)

11 كانون الثاني 19 - 14:11
مشاهدة
511
مشاركة

ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله ، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبتيه:

   قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {ضرب الله مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}. صدق الله العظيم.

نلتقي في الخامس من هذا الشهر، شهر جمادى الأولى، بذكرى الولادة المباركة للسيّدة زينب بنت عليّ(ع).

مثال الكلمة الطيّبة

هذه الذكرى التي نستعيد معها معالم هذه الشخصيّة التي تربّت في حضن الإسلام، ونهلت من معينه الصافي؛ معين جدّها رسول الله(ص)، وأمّها الزهراء(ع)، وأبيها علي(ع)، وأخويها الحسن والحسين سيّدي شباب أهل الجنّة، فتمثّلتهم، وانطبعت شخصيّتها بشخصيّاتهم، وقد تركت كلماتها ومواقفها بصمات واضحة وجليّة على التاريخ الإسلامي، وقد حرصت على أن تشارك فيه، ليكون تاريخ عزة وبطولة وعنفوان، وهي لاتزال تساهم في صناعته، وتترك آثارها فيه في كلّ مرحلة، وعلى مدى الزمن، وستبقى الأجيال تتناقل كلماتها ومواقفها جيلاً بعد جيل.

ولذلك، فقد استحقَّت أن تكون تلك الكلمة الطيِّبة التي أشارت إليها الآية التي تلوناها في مطلع الخطبة، التي مثّلتها بالشّجرة الطيّبة الضاربة جذورها والممتدّة إلى عنان السّماء، لكونها لا تنقطع عن العطاء، تؤتي أُكلها كلّ حين بإذن ربها.

إننا أحوج ما نكون إلى استهداء معالم هذه الشخصيّة، والدور الذي قامت به، وبهذا نعبّر عن حبّنا ووفائنا لها.

إنّ حبّنا للسيدة زينب(ع) والوفاء لها لا يكفي فيه أن نذرف الدّموع عليها، أو أن نزورها، أو أن نهب الصدقات والنّذورات على اسمها، رغم أنها تستحقّ كلّ ذلك، بل إنّه يتحقّق بأن نتمثّلها سلوكاً وعملاً، وأن نتابع الدور الذي قامت به.

لقد كان كلّ همّ السيدة زينب(ع)، والذي لأجله قدّمت التضحيات، هو أن يبقى الإسلام نقياً صافياً، وأن لا يغيب عن ساحة الحياة، ليكون الحقّ والعدل، وتكون الحريّة وكرامة الإنسان، وهذا ما نستهديه في سيرتها وحياتها.

عقيلة بني هاشم

ونحن سندخل إلى هذه السيرة من باب الألقاب التي وصفت بها، والتي طبعت شخصيّتها، ونقف في البداية مع أبرز ألقابها: "عقيلة بني هاشم"، والتي عندما تُذكَر يُذكَر معها، ويقصد بالعقيلة المرأة العظيمة الشّأن والقدر عند قومها.

فقد حظيت السيدة زينب بتكريمٍ من جدّها رسول الله(ص) ورعايته، وبتكريم أبويها، وهي حظيت بما حظي به الحسن والحسين(ع) من رعاية واهتمام، وقد أرادوا بذلك أن يعبّروا عن النهج الإسلامي الذي لا يفرّق بين الذكر والأنثى في الرعاية والتربية، وفي الحضور في كلّ ميادين الحياة، وكان لها شأن وموقع في نفوس المسلمين، وهي لم تبلغه لقربها من رسول الله(ص)، وانتسابها إلى هذا البيت الطاهر فقط، بل لمحبّتها للناس ورعايتها لهم بالبذل والعطاء، فلم يعرف أنها حملت حقداً على أحد، أو أساءت إلى أيّ منهم، كانت لا تحمل إلا الحبّ والخير للنّاس جميعاً.

ولم ينقطع هذا الحبّ في النفوس حتى بعد وفاتها، ولذا، نجد مرقدها في الشّام أو مصر محجّةً لقلوب المسلمين جميعاً ومهبط أفئدتهم، وفي ذلك، كانت مثالاً لحديث أبيها عليّ(ع): "عاشروا الناس عشرةً إن غبتم حنّوا إليكم، وإن فُقدتم بكوا عليكم"، "كونوا في الناس كالنَّحل في الطير".

العابدة

ولقب آخر حظيت به السيّدة زينب(ع)، وهو لقب العابدة، لعبادتها، فهي في عبادتها كانت كعبادة أمّها، عبدت الله حتى تورَّمت قدماها، فقد كان أنسها في ذكر ربّها والوقوف بين يديه ومناجاته، وورد في سيرتها، أنها كانت تقوم اللّيل، ولم تترك نوافله طوال حياتها، حتى في أشدّ اللّيالي حراجةً وصعوبة، كالذي قامت به في ليلة الحادي عشر من محرَّم، رغم ما حملت هذه اللّيلة من مآسٍ، وأيّ ألم وهي ترى من حولها أجساد الطاهرين مطروحين على رمضاء كربلاء؟! وفي أثناء مسيرة السبي، ورغم التعب والجهد والألم الّذي كان يلمّ بها، كانت تقف في اللّيل لمناجاة الله والتضرّع إليه.

وقد أشار إلى ذلك الإمام زين العابدين(ع)، حين قال: "إنَّ عمَّتي زينب مع كلّ المصائب والمحن النازلة بها، ما تركت نوافلها اللّيليّة"، وهي في ذلك تأسّت بأبيها أمير المؤمنين(ع)، الذي افتقد ليلة الهرير، وهي أشدّ اللّيالي احتداماً للقتال في صفّين، فوجدوه يصلّي صلاة اللّيل بين الصفوف لا يريدها أن تفوت، وهو من قال: "ما تركت صلاة اللّيل منذ أن سمعت رسول الله(ص) يقول: صلاة اللّيل نور".

لقد كانت السيّدة زينب واعيةً كلّ الوعي لأهمية هذه الصلاة، والموقع الذي يبلغه من يحرص عليها، فقد ورد في الحديث: "إنّ العبدَ إذا تخلّى بسيّدِه في جوفِ اللّيلِ المظلمِ وناجاهُ، أثبتَ اللهُ النّورَ في قلبِه، فإذا قال: يا ربّ! ناداهُ الجليلُ جلّ جلالُه لبَّيكَ عبدِي، سَلْنِي أُعطِكَ، وتوكّل عليَّ أَكفِكَ. ثمّ يقولُ جلَّ جلالُه للملائِكةِ: ملائكتِي! انظروا إلى عبدي، قد تَخَلّى بي في جوفِ اللّيلِ المظلمِ، والبَطَّالُونَ لاهونَ، والغافلونَ ينامونَ، اشهدوا أَنّي قد غَفَرتُ لهُ".

وفي حديثٍ آخر: "ما من عملٍ حسن يعمله العبد إلا وله ثواب في القرآن، إلا صلاة اللّيل، فإنّ الله لم يبيِّن ثوابها لعظيم خطرها، فقال جلّ ذكره: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}".

العالمة غير المعلَّمة

ولقب آخر يشير إلى شخصيّة العقيلة زينب(ع)، من خلال ما قاله الإمام زين العابدين(ع): "كانت عمّتي زينب عالمة غير معلَّمة، وفاهمة غير مفهَّمة"، وفي ذلك شهادة منه لمدى علمها، وهي التي لم تدرس في حوزة أو معهد أو جامعة، بل نهلت من علم جدّها رسول الله(ص) وأبيها علي(ع)، فتذكر سيرتها، أنها كانت تكثر السؤال عليهم، حتى تتعرَّف إلى معالم دينها، وتتابعهم في أحاديثهم وخطبهم ومواعظهم، فبلغت من الموقع العلميّ أن صارت مرجعاً يرجع إليها الرّجال والنساء، يأخذون منها أحكام دينهم وما استشكل عليهم من المسائل.

وقد كان ابن عبّاس، وهو من كان يُعرَف بحبر الأمَّة، يسألها عن المسائل التي لا يهتدي إلى حلّها، ويقول: حدَّثتني عقيلتنا زينب...

أمّ المصائب

ولقب آخر للسيِّدة زينب(ع)، وهو أمّ المصائب، فقد تتالت عليها المصائب منذ نعومة أظفارها، حيث شهدت وفاة جدّها رسول الله(ص)، وبعدها وفاة أمّها الزّهراء، وهي لم تتجاوز بعد الستّ سنوات، واستشهاد أبيها علي(ع) بسيف ابن ملجم المسموم وهو يصلّي في مسجد الكوفة، وما حصل لأخيها الحسن(ع) عندما دسَّت له زوجته السّمّ، وما جرى عليها في كربلاء.. فقد شاهدت بأمّ عينها استشهاد ولديها عون ومحمّد وأخوتها وأولاد أخوتها وأصحاب أخيها.. وما تعرّضت له خلال السبي.

الصّابرة المحتسبة

ولكنّها في كلّ ذلك، كانت الصّابرة المحتسبة لله، كانت جبلاً من الصّبر لكثرة ما عانت وتألمت، والتّعبير الأبرز عن صبرها كان في كربلاء، لمَّا عضت على كلِّ جراحها وآلامها، عندما قال لها الحسين(ع): "يا أخيَّة، إني أقسمت فأبرّي قسمي، لا تشقّي عليّ جيباً، ولا تخمشي عليّ وجهاً، ولا تدعي عليّ بالويل والثّبور...".

فهي رغم كلّ الألم الذي كانت تعيشه في كربلاء، وقفت، وبكلّ عنفوان، أمام جسد أخيها الحسين(ع)، لتقول: "اللّهمّ تقبّل منّا هذا القربان".

ولذلك، نرى إساءةً ما بعدها إساءة لمقام زينب(ع)، لموقفها، لصبرها، لثباتها في مواقف الحقّ، عندما يصوّرها البعض بأنها كانت مهزومة، مكسورة، وتقف ذليلةً أمام الأعداء!

وهذا لا يعني التنكّر لعاطفتها، وهي من كانت تحمل أسمى العاطفة لأخيها الحسين، للعبَّاس، لأولادها، لإخوتها، ولصحابة الحسين(ع) الأوفياء، ولكنّ المنطق الرّساليّ هو الذي يحكم الموقف في تلك الظروف.

الشّراكة في الثّورة

ومن ألقابها: شريكة الحسين(ع)، وشراكتها للحسين(ع) لم تكن شراكة العاطفة، بل شراكة الموقف، فهي كانت ترى أنّ مشروع الحسين(ع)، والذي لأجله انطلق في ثورته، هو مشروعها، فقد كانت ترى أنّه آن الأوان للخروج للإصلاح في أمَّة جدّها رسول الله(ص)، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تستعيد الأمَّة حضورها وحرّيتها ووعيها وإحساسها بالمسؤوليّة.

ولذلك، لم تتردَّد في الخروج مع الحسين(ع) إلى حيث خرج، وتركت لذلك زوجها وأولادها، سوى ولدين أخذتهما معها، وهي كانت تعرف كلّ تبعات الخروج.

لقد كان دورها أساسياً في قلب المعركة، حيث كانت سنداً للحسين خلال المعركة، وبعدها أكملت هذا الدّور وتابعته، وكانت مستعدّة لتحمّل كلّ نتائجه، فكانت صوتاً صارخاً ينطق بلسان الحسين(ع) وأهدافه، وهذا ما فعلته طوال مرحلة السبي و ما بعدها.

الصّوت الصّادح بالحقّ

وحتى الآن، لم يخفت صوت زينب(ع) ولن يخفت، وسيبقى يتردّد صادحاً بالحقّ، متمرّداً على كلّ ظلم، وسيبقى يصنع في كلّ مرحلة عزاً وحرية، وسيبقى خالداً قولها ليزيد: "فكِدْ كيدَك، واسْعَ سعيَك، وناصِبْ جهدك، فوَاللهِ لا تمحو ذِكْرَنا، ولا تُميت وحيَنا، ولا تُدرِكُ أمَدَنا، ولا تَرحضُ عنك عارها (أي لا تغسله)، وهل رأيُك إلّا فَنَد، وأيّامك إلّا عَدَد، وجمعك إلّا بَدَد؟!"..

لقد قدّمت السيدة زينب(ع) أنموذجاً في الشّراكة بين الرجال والنساء، والتي لا بدّ من أن تتمّ في البذل والعطاء والتفاني من أجل الحقّ والعدل وكرامة الإنسان.

ودورنا في هذه المناسبة، أن يتحسّس كلّ منا موقفه في كلّ الميادين التي خاضتها السيدة زينب(ع) في حياتها، حتى نكون جديرين بحمل الأمانة التي حملتها.

وفي ذكراها، نتوجّه إليها لنقول: السّلام عليك أيّتها الصّابرة المجاهدة والمضحّية، يوم ولدت، ويوم انتقلت إلى رحاب ربِّك، ويوم تبعثين حيّة.

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخطبة الثّانية

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بتقوى الله. ومن التَّقوى، الاهتداء بما ورد في هذه القصَّة، حيث جاء أنَّ شابّاً من الأنصار في زمن رسول الله(ص)، جمع مالاً كثيراً، ولما كان على فراش الموت، عاده النبيّ(ص) في جماعة من أصحابه، فقال له الشّاب: "أوصيك بأن تتصدَّق بمقدار كبير من مالي بعد وفاتي". فاستجاب رسول الله(ص) لرغبته، وتصدَّق بعد وفاته بما أوصاه به، ولكنَّه، وبعد أن ترحّم عليه، وقدّر عطاءه وبذْلَه وإحسانه، توجَّه إلى أصحابه قائلاً: "والّذي أرسلني بالحقّ نبيّاً، لو تصدَّق هذا الشابّ بتمرةٍ واحدةٍ مما تصدَّق في حياته، لكان خيراً له من كلّ ما تصدّقت به عنه بعد وفاته". وفي ذلك قول أمير المؤمنين(ع): "كُن وصيَّ نفسك، وافعل في مالك ما تحبّ أن يفعله فيه غيرك".

أيّها الأحبَّة، بهذه الروحيّة ينبغي أن نتحمَّل مسؤوليّاتنا، فلا نتركها ليقوم بها الآخرون من بعدنا، فقد يسوّفون ولا يقومون بها، سواء كانت واجبات عباديّة عالقة في ذمّتنا، كالصّلاة والصّيام والحجّ، أو ماليّة، كالزّكاة والكفّارات والخمس، أو مستحبّات أو صدقات، أو أعمالاً خيريَّة، أو غير ذلك، فعلينا أن نكون أوصياء على أنفسنا، ونقوم بما يمكننا القيام به بأيدينا وبإرادتنا.

أيُّها الأحبَّة، لقد حرص رسول الله(ص) على بناء المجتمع المسؤول؛ المجتمع غير الاتّكاليّ، وبهذا المجتمع، واجه كلّ التحدّيات، وحقّق الانتصارات. وبهذا المجتمع، نستطيع نحن أيضاً تحقيق الانتصارات ومواجهة التحدّيات، وهي كثيرة!

لبنان في عين العاصفة

والبداية من لبنان، الَّذي أظهرت العاصفة الّتي ضربته قبل أيّام، مدى الهشاشة والاهتراء في البنى التحتيّة التي كان من المفترض أنها أُعدَّت سابقاً لمواجهة أيّ عاصفة مرتقبة أو حدث طبيعيّ طارئ، وإذا باللّبنانيّين أمام مشاهد الجسور المشقَّقة، والطرقات التي تغرق فيها السيارات، أو تتراكم عليها الأتربة والصخور، وأمام طوفان المياه الآسنة المختلطة بمياه الأمطار، والتي تدخل البيوت والمحالّ التجارية والساحات العامّة، الأمر الذي أثار السؤال مجدَّداً: أين تلك المليارات التي صُرفت على الطرقات العامّة، ومشاريع البنى التحتيّة؟ فإذا كانت هذه البنية لا تستطيع الثبات أمام مجرّد عاصفة، فكيف الأمر إذا ضربنا إعصار أو زلزال؟!

لقد كشفت العاصفة الكثير من العورات في التلزيمات والمناقصات الّتي كانت تجري بالتراضي أو بناءً على محاصصات. وبدلاً من أن يدعو ذلك إلى المبادرة لإخضاع الجهات الّتي قصَّرت في التنفيذ، أو التي لم تحسن القيام بواجبها، للتحقيق والمحاسبة، شهدنا تقاذفاً في التهم، ورمياً للمسؤوليّات من الوزارات على بعضها البعض، أو بين البلديات والوزارات، لتعود الأمور إلى ما عهدناه في لبنان.. وتعود الدعوات للتّحقيق، يُصاحبها رمي التهمة الكبرى على مجهول، كما حدث في الفضيحة الشهيرة المتمثّلة بمجرور الرملة البيضاء، وفي النهاية، تمرّ الأمور مرور الكرام من دون محاسبة، بانتظار عاصفة أخرى.

ومن المفارقات أمام هذا الواقع المؤلم، أنَّ من هم في مواقع المسؤوليّة في الدولة، يُلقون باللائمة على الدولة نفسها ويتّهمونها بالتقصير، لنعود إلى السؤال نفسه: من هي الدّولة؟! هل هي هذا الجسم الوهمي الذي تُكال إليه كلّ الاتهامات، أم هي أنتم أيها الرؤساء والوزراء والنوّاب الذين تحملتم المسؤولية عن الناس في إدارة شؤونهم وسدّ احتياجاتهم ووقايتهم من الأخطار التي قد تحدق بهم؟! لذلك، يجب أن تكونوا أنتم في مواقع الرقابة والمحاسبة، لا أن تقلبوا كفاً على كفّ، أو تنتقدوا ما يجري على أرض الواقع!

إننا نرى أنَّ هذا الاهتراء الذي بات واضحاً في البنية التحتية، والّذي كشفته العاصفة، ليس إلا انعكاساً لما هو موجود في البنية الفوقيّة المتمثّلة بالمسؤولين، الّذين انتظر الناس معهم ثمانية أشهر وما يزيد، ولايزالون، لتأليف الحكومة، من دون أيّ أفق لتأليفها، في ظلّ بقاء كلّ طرفٍ على موقفه، لا يريد أن يتنازل خطوةً تؤدّي إلى الخروج من هذا المأزق، الذي بتنا نرى تداعياته الكارثية، ليس على المستوى الاقتصادي فقط، بل على الأمن الاجتماعي للناس.

لقد تعوَّد المسؤولون في هذا البلد أن يسمعوا انتقادات الناس لهم، ولكنَّهم يصرّون على أنهم يعرفون جيّداً أنها انفعالات لا أثر لها فيهم، فهي سرعان ما تتبخَّر عند أيّ استحقاق عنوانه المحاسبة، سواء كان نيابياً أو بلدياً أو ما إلى ذلك!

ولذلك، تجدنا نكرِّر ــ مع الناس ــ دعوة القوى السياسيّة إلى تحمّل مسؤوليّاتها في إخراج البلد من أزمته الراهنة، فلا يكفي أن يستمرّ الرّهان على أنَّ البلد لن ينهار، لأنَّ دول العالم لا تريد له ذلك، فلن يسهر أحد على عدم انهيار الوطن إذا كفَّ أبناؤه عن القيام بهذا الدور.

قمَّة وجدل!

ونصل إلى الجدل المستمرّ في الدّاخل اللّبناني حول القمّة العربيّة الاقتصادية المزمع انعقادها في لبنان، كونها ستجري من دون الدولة السوريّة، وبحضور ليبيا التي لم تتحمَّل السلطات الجديدة فيها مسؤوليّة الكشف عن الغموض المستمرّ حول جريمة إخفاء الإمام السيد موسى الصدر ورفيقيه.

ونحن في هذا المجال، نؤكّد أهمية انعقاد القمة العربية الاقتصادية، بما يعزّز موقع لبنان في العالم العربي، ويعطي المناعة لاقتصاده، ولكنّنا نحذّر من أن تكون هذه القمّة سبباً للانقسام في الداخل اللبناني، فاللّبنانيّون بالغنى عن كلّ أمر يؤدّي إلى زيادة الشرخ فيما بينهم، في وقت هم أحوج ما يكونون إلى ترميم الخلافات القائمة.

لقد دعونا، ولانزال ندعو كلّ المعنيّين بالقمّة الاقتصاديّة، إلى أن يأخذوا بالاعتبار كلّ تلك الحساسيات وتبعاتها على مختلف المستويات.

العدوّ يستغلّ الانقسام

وفي هذا الوقت، تعود إلى الواجهة الخروقات الإسرائيليّة للسّيادة اللبنانيّة، كما حدث أخيراً في العديسة، والتي توحي برغبة إسرائيليّة في قضم المزيد من الأراضي اللبنانيّة، مستغلّةً الواقع الداخلي اللّبناني المترهّل والمنقسم على نفسه.

إنّنا أمام ما جرى، نؤكّد أهميّة الموقف اللبناني الصارم في مواجهة هذا العدوان، وندعو إلى مزيدٍ من الاستعداد والتأهّب لمواجهة أيّ خلفيّات يريدها العدوّ من وراء ذلك، مستفيداً من جوّ دوليّ تصعيدي داعم له، والذي عبَّر عنه وزير خارجية أميركا بالأمس.

وفي إطار الحديث عن هذه الزيارة، فإنّنا نرى أنها محاولة لطمأنة حلفاء أميركا في المنطقة، والسّعي لتوريطهم في الصّراع، من خلال دعوتهم لمزيد من تحمل المسؤوليّة والأعباء التي تعمل الإدارة الأميركيَّة للتخفّف من تبعاتها بعد قرارها الانسحاب من سوريا.

إنّنا أمام ذلك، ندعو العرب، حكّاماً وشعوباً، إلى أن يكونوا واعين ومتنبّهين إلى المخطّطات الأميركية التي تريد لهم أن يكونوا وقوداً لحروبها وفتنها في المنطقة، وخصوصاً أنهم عرفوا أميركا على حقيقتها، وأنها لا تفكّر إلا في مصالحها ومصالح العدوّ الإسرائيلي.

Plus
T
Print
كلمات مفتاحية

حول العالم

العلّامة فضل الله

بيروت

خطبة الجمعة

مسجد الحسنين (ع)

حارة حريك

يهمنا تعليقك

أحدث الحلقات

فقه الشريعة 2019

فقه الصائم 18| فقه الشريعة

24 حزيران 19

غير نفسك

قبعات التفكير الست | غير نفسك

22 حزيران 19

Link in  الموسم الثاني

Link in season 2 | الحلقة الخامسة والعشرون

19 حزيران 19

غير نفسك

فتياتنا بين الحجاب والموضة | غير نفسك

15 حزيران 19

Link in  الموسم الثاني

Link in season 2 | الحلقة الرابعة والعشرون

12 حزيران 19

فقه الشريعة 2019

فقه الصائم 22 | فقه الشريعة

27 أيار 19

قناديل

قناديل | الحلقة الثانية والعشرون

27 أيار 19

قناديل

قناديل | الحلقة الثامنة عشرة

23 أيار 19

فقه الشريعة 2019

فقه الصائم 17 | فقه الشريعة

22 أيار 19

قناديل

قناديل | الحلقة السابعة عشرة

22 أيار 19

محاضرات في مكارم الأخلاق

عصمة أهل البيت | محاضرات مكارم الأخلاق

21 أيار 19

عشرة على عشرة

عشرة على عشرة | حلقة 16 رمضان

21 أيار 19

ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله ، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبتيه:

   قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {ضرب الله مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}. صدق الله العظيم.

نلتقي في الخامس من هذا الشهر، شهر جمادى الأولى، بذكرى الولادة المباركة للسيّدة زينب بنت عليّ(ع).

مثال الكلمة الطيّبة

هذه الذكرى التي نستعيد معها معالم هذه الشخصيّة التي تربّت في حضن الإسلام، ونهلت من معينه الصافي؛ معين جدّها رسول الله(ص)، وأمّها الزهراء(ع)، وأبيها علي(ع)، وأخويها الحسن والحسين سيّدي شباب أهل الجنّة، فتمثّلتهم، وانطبعت شخصيّتها بشخصيّاتهم، وقد تركت كلماتها ومواقفها بصمات واضحة وجليّة على التاريخ الإسلامي، وقد حرصت على أن تشارك فيه، ليكون تاريخ عزة وبطولة وعنفوان، وهي لاتزال تساهم في صناعته، وتترك آثارها فيه في كلّ مرحلة، وعلى مدى الزمن، وستبقى الأجيال تتناقل كلماتها ومواقفها جيلاً بعد جيل.

ولذلك، فقد استحقَّت أن تكون تلك الكلمة الطيِّبة التي أشارت إليها الآية التي تلوناها في مطلع الخطبة، التي مثّلتها بالشّجرة الطيّبة الضاربة جذورها والممتدّة إلى عنان السّماء، لكونها لا تنقطع عن العطاء، تؤتي أُكلها كلّ حين بإذن ربها.

إننا أحوج ما نكون إلى استهداء معالم هذه الشخصيّة، والدور الذي قامت به، وبهذا نعبّر عن حبّنا ووفائنا لها.

إنّ حبّنا للسيدة زينب(ع) والوفاء لها لا يكفي فيه أن نذرف الدّموع عليها، أو أن نزورها، أو أن نهب الصدقات والنّذورات على اسمها، رغم أنها تستحقّ كلّ ذلك، بل إنّه يتحقّق بأن نتمثّلها سلوكاً وعملاً، وأن نتابع الدور الذي قامت به.

لقد كان كلّ همّ السيدة زينب(ع)، والذي لأجله قدّمت التضحيات، هو أن يبقى الإسلام نقياً صافياً، وأن لا يغيب عن ساحة الحياة، ليكون الحقّ والعدل، وتكون الحريّة وكرامة الإنسان، وهذا ما نستهديه في سيرتها وحياتها.

عقيلة بني هاشم

ونحن سندخل إلى هذه السيرة من باب الألقاب التي وصفت بها، والتي طبعت شخصيّتها، ونقف في البداية مع أبرز ألقابها: "عقيلة بني هاشم"، والتي عندما تُذكَر يُذكَر معها، ويقصد بالعقيلة المرأة العظيمة الشّأن والقدر عند قومها.

فقد حظيت السيدة زينب بتكريمٍ من جدّها رسول الله(ص) ورعايته، وبتكريم أبويها، وهي حظيت بما حظي به الحسن والحسين(ع) من رعاية واهتمام، وقد أرادوا بذلك أن يعبّروا عن النهج الإسلامي الذي لا يفرّق بين الذكر والأنثى في الرعاية والتربية، وفي الحضور في كلّ ميادين الحياة، وكان لها شأن وموقع في نفوس المسلمين، وهي لم تبلغه لقربها من رسول الله(ص)، وانتسابها إلى هذا البيت الطاهر فقط، بل لمحبّتها للناس ورعايتها لهم بالبذل والعطاء، فلم يعرف أنها حملت حقداً على أحد، أو أساءت إلى أيّ منهم، كانت لا تحمل إلا الحبّ والخير للنّاس جميعاً.

ولم ينقطع هذا الحبّ في النفوس حتى بعد وفاتها، ولذا، نجد مرقدها في الشّام أو مصر محجّةً لقلوب المسلمين جميعاً ومهبط أفئدتهم، وفي ذلك، كانت مثالاً لحديث أبيها عليّ(ع): "عاشروا الناس عشرةً إن غبتم حنّوا إليكم، وإن فُقدتم بكوا عليكم"، "كونوا في الناس كالنَّحل في الطير".

العابدة

ولقب آخر حظيت به السيّدة زينب(ع)، وهو لقب العابدة، لعبادتها، فهي في عبادتها كانت كعبادة أمّها، عبدت الله حتى تورَّمت قدماها، فقد كان أنسها في ذكر ربّها والوقوف بين يديه ومناجاته، وورد في سيرتها، أنها كانت تقوم اللّيل، ولم تترك نوافله طوال حياتها، حتى في أشدّ اللّيالي حراجةً وصعوبة، كالذي قامت به في ليلة الحادي عشر من محرَّم، رغم ما حملت هذه اللّيلة من مآسٍ، وأيّ ألم وهي ترى من حولها أجساد الطاهرين مطروحين على رمضاء كربلاء؟! وفي أثناء مسيرة السبي، ورغم التعب والجهد والألم الّذي كان يلمّ بها، كانت تقف في اللّيل لمناجاة الله والتضرّع إليه.

وقد أشار إلى ذلك الإمام زين العابدين(ع)، حين قال: "إنَّ عمَّتي زينب مع كلّ المصائب والمحن النازلة بها، ما تركت نوافلها اللّيليّة"، وهي في ذلك تأسّت بأبيها أمير المؤمنين(ع)، الذي افتقد ليلة الهرير، وهي أشدّ اللّيالي احتداماً للقتال في صفّين، فوجدوه يصلّي صلاة اللّيل بين الصفوف لا يريدها أن تفوت، وهو من قال: "ما تركت صلاة اللّيل منذ أن سمعت رسول الله(ص) يقول: صلاة اللّيل نور".

لقد كانت السيّدة زينب واعيةً كلّ الوعي لأهمية هذه الصلاة، والموقع الذي يبلغه من يحرص عليها، فقد ورد في الحديث: "إنّ العبدَ إذا تخلّى بسيّدِه في جوفِ اللّيلِ المظلمِ وناجاهُ، أثبتَ اللهُ النّورَ في قلبِه، فإذا قال: يا ربّ! ناداهُ الجليلُ جلّ جلالُه لبَّيكَ عبدِي، سَلْنِي أُعطِكَ، وتوكّل عليَّ أَكفِكَ. ثمّ يقولُ جلَّ جلالُه للملائِكةِ: ملائكتِي! انظروا إلى عبدي، قد تَخَلّى بي في جوفِ اللّيلِ المظلمِ، والبَطَّالُونَ لاهونَ، والغافلونَ ينامونَ، اشهدوا أَنّي قد غَفَرتُ لهُ".

وفي حديثٍ آخر: "ما من عملٍ حسن يعمله العبد إلا وله ثواب في القرآن، إلا صلاة اللّيل، فإنّ الله لم يبيِّن ثوابها لعظيم خطرها، فقال جلّ ذكره: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}".

العالمة غير المعلَّمة

ولقب آخر يشير إلى شخصيّة العقيلة زينب(ع)، من خلال ما قاله الإمام زين العابدين(ع): "كانت عمّتي زينب عالمة غير معلَّمة، وفاهمة غير مفهَّمة"، وفي ذلك شهادة منه لمدى علمها، وهي التي لم تدرس في حوزة أو معهد أو جامعة، بل نهلت من علم جدّها رسول الله(ص) وأبيها علي(ع)، فتذكر سيرتها، أنها كانت تكثر السؤال عليهم، حتى تتعرَّف إلى معالم دينها، وتتابعهم في أحاديثهم وخطبهم ومواعظهم، فبلغت من الموقع العلميّ أن صارت مرجعاً يرجع إليها الرّجال والنساء، يأخذون منها أحكام دينهم وما استشكل عليهم من المسائل.

وقد كان ابن عبّاس، وهو من كان يُعرَف بحبر الأمَّة، يسألها عن المسائل التي لا يهتدي إلى حلّها، ويقول: حدَّثتني عقيلتنا زينب...

أمّ المصائب

ولقب آخر للسيِّدة زينب(ع)، وهو أمّ المصائب، فقد تتالت عليها المصائب منذ نعومة أظفارها، حيث شهدت وفاة جدّها رسول الله(ص)، وبعدها وفاة أمّها الزّهراء، وهي لم تتجاوز بعد الستّ سنوات، واستشهاد أبيها علي(ع) بسيف ابن ملجم المسموم وهو يصلّي في مسجد الكوفة، وما حصل لأخيها الحسن(ع) عندما دسَّت له زوجته السّمّ، وما جرى عليها في كربلاء.. فقد شاهدت بأمّ عينها استشهاد ولديها عون ومحمّد وأخوتها وأولاد أخوتها وأصحاب أخيها.. وما تعرّضت له خلال السبي.

الصّابرة المحتسبة

ولكنّها في كلّ ذلك، كانت الصّابرة المحتسبة لله، كانت جبلاً من الصّبر لكثرة ما عانت وتألمت، والتّعبير الأبرز عن صبرها كان في كربلاء، لمَّا عضت على كلِّ جراحها وآلامها، عندما قال لها الحسين(ع): "يا أخيَّة، إني أقسمت فأبرّي قسمي، لا تشقّي عليّ جيباً، ولا تخمشي عليّ وجهاً، ولا تدعي عليّ بالويل والثّبور...".

فهي رغم كلّ الألم الذي كانت تعيشه في كربلاء، وقفت، وبكلّ عنفوان، أمام جسد أخيها الحسين(ع)، لتقول: "اللّهمّ تقبّل منّا هذا القربان".

ولذلك، نرى إساءةً ما بعدها إساءة لمقام زينب(ع)، لموقفها، لصبرها، لثباتها في مواقف الحقّ، عندما يصوّرها البعض بأنها كانت مهزومة، مكسورة، وتقف ذليلةً أمام الأعداء!

وهذا لا يعني التنكّر لعاطفتها، وهي من كانت تحمل أسمى العاطفة لأخيها الحسين، للعبَّاس، لأولادها، لإخوتها، ولصحابة الحسين(ع) الأوفياء، ولكنّ المنطق الرّساليّ هو الذي يحكم الموقف في تلك الظروف.

الشّراكة في الثّورة

ومن ألقابها: شريكة الحسين(ع)، وشراكتها للحسين(ع) لم تكن شراكة العاطفة، بل شراكة الموقف، فهي كانت ترى أنّ مشروع الحسين(ع)، والذي لأجله انطلق في ثورته، هو مشروعها، فقد كانت ترى أنّه آن الأوان للخروج للإصلاح في أمَّة جدّها رسول الله(ص)، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تستعيد الأمَّة حضورها وحرّيتها ووعيها وإحساسها بالمسؤوليّة.

ولذلك، لم تتردَّد في الخروج مع الحسين(ع) إلى حيث خرج، وتركت لذلك زوجها وأولادها، سوى ولدين أخذتهما معها، وهي كانت تعرف كلّ تبعات الخروج.

لقد كان دورها أساسياً في قلب المعركة، حيث كانت سنداً للحسين خلال المعركة، وبعدها أكملت هذا الدّور وتابعته، وكانت مستعدّة لتحمّل كلّ نتائجه، فكانت صوتاً صارخاً ينطق بلسان الحسين(ع) وأهدافه، وهذا ما فعلته طوال مرحلة السبي و ما بعدها.

الصّوت الصّادح بالحقّ

وحتى الآن، لم يخفت صوت زينب(ع) ولن يخفت، وسيبقى يتردّد صادحاً بالحقّ، متمرّداً على كلّ ظلم، وسيبقى يصنع في كلّ مرحلة عزاً وحرية، وسيبقى خالداً قولها ليزيد: "فكِدْ كيدَك، واسْعَ سعيَك، وناصِبْ جهدك، فوَاللهِ لا تمحو ذِكْرَنا، ولا تُميت وحيَنا، ولا تُدرِكُ أمَدَنا، ولا تَرحضُ عنك عارها (أي لا تغسله)، وهل رأيُك إلّا فَنَد، وأيّامك إلّا عَدَد، وجمعك إلّا بَدَد؟!"..

لقد قدّمت السيدة زينب(ع) أنموذجاً في الشّراكة بين الرجال والنساء، والتي لا بدّ من أن تتمّ في البذل والعطاء والتفاني من أجل الحقّ والعدل وكرامة الإنسان.

ودورنا في هذه المناسبة، أن يتحسّس كلّ منا موقفه في كلّ الميادين التي خاضتها السيدة زينب(ع) في حياتها، حتى نكون جديرين بحمل الأمانة التي حملتها.

وفي ذكراها، نتوجّه إليها لنقول: السّلام عليك أيّتها الصّابرة المجاهدة والمضحّية، يوم ولدت، ويوم انتقلت إلى رحاب ربِّك، ويوم تبعثين حيّة.

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخطبة الثّانية

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بتقوى الله. ومن التَّقوى، الاهتداء بما ورد في هذه القصَّة، حيث جاء أنَّ شابّاً من الأنصار في زمن رسول الله(ص)، جمع مالاً كثيراً، ولما كان على فراش الموت، عاده النبيّ(ص) في جماعة من أصحابه، فقال له الشّاب: "أوصيك بأن تتصدَّق بمقدار كبير من مالي بعد وفاتي". فاستجاب رسول الله(ص) لرغبته، وتصدَّق بعد وفاته بما أوصاه به، ولكنَّه، وبعد أن ترحّم عليه، وقدّر عطاءه وبذْلَه وإحسانه، توجَّه إلى أصحابه قائلاً: "والّذي أرسلني بالحقّ نبيّاً، لو تصدَّق هذا الشابّ بتمرةٍ واحدةٍ مما تصدَّق في حياته، لكان خيراً له من كلّ ما تصدّقت به عنه بعد وفاته". وفي ذلك قول أمير المؤمنين(ع): "كُن وصيَّ نفسك، وافعل في مالك ما تحبّ أن يفعله فيه غيرك".

أيّها الأحبَّة، بهذه الروحيّة ينبغي أن نتحمَّل مسؤوليّاتنا، فلا نتركها ليقوم بها الآخرون من بعدنا، فقد يسوّفون ولا يقومون بها، سواء كانت واجبات عباديّة عالقة في ذمّتنا، كالصّلاة والصّيام والحجّ، أو ماليّة، كالزّكاة والكفّارات والخمس، أو مستحبّات أو صدقات، أو أعمالاً خيريَّة، أو غير ذلك، فعلينا أن نكون أوصياء على أنفسنا، ونقوم بما يمكننا القيام به بأيدينا وبإرادتنا.

أيُّها الأحبَّة، لقد حرص رسول الله(ص) على بناء المجتمع المسؤول؛ المجتمع غير الاتّكاليّ، وبهذا المجتمع، واجه كلّ التحدّيات، وحقّق الانتصارات. وبهذا المجتمع، نستطيع نحن أيضاً تحقيق الانتصارات ومواجهة التحدّيات، وهي كثيرة!

لبنان في عين العاصفة

والبداية من لبنان، الَّذي أظهرت العاصفة الّتي ضربته قبل أيّام، مدى الهشاشة والاهتراء في البنى التحتيّة التي كان من المفترض أنها أُعدَّت سابقاً لمواجهة أيّ عاصفة مرتقبة أو حدث طبيعيّ طارئ، وإذا باللّبنانيّين أمام مشاهد الجسور المشقَّقة، والطرقات التي تغرق فيها السيارات، أو تتراكم عليها الأتربة والصخور، وأمام طوفان المياه الآسنة المختلطة بمياه الأمطار، والتي تدخل البيوت والمحالّ التجارية والساحات العامّة، الأمر الذي أثار السؤال مجدَّداً: أين تلك المليارات التي صُرفت على الطرقات العامّة، ومشاريع البنى التحتيّة؟ فإذا كانت هذه البنية لا تستطيع الثبات أمام مجرّد عاصفة، فكيف الأمر إذا ضربنا إعصار أو زلزال؟!

لقد كشفت العاصفة الكثير من العورات في التلزيمات والمناقصات الّتي كانت تجري بالتراضي أو بناءً على محاصصات. وبدلاً من أن يدعو ذلك إلى المبادرة لإخضاع الجهات الّتي قصَّرت في التنفيذ، أو التي لم تحسن القيام بواجبها، للتحقيق والمحاسبة، شهدنا تقاذفاً في التهم، ورمياً للمسؤوليّات من الوزارات على بعضها البعض، أو بين البلديات والوزارات، لتعود الأمور إلى ما عهدناه في لبنان.. وتعود الدعوات للتّحقيق، يُصاحبها رمي التهمة الكبرى على مجهول، كما حدث في الفضيحة الشهيرة المتمثّلة بمجرور الرملة البيضاء، وفي النهاية، تمرّ الأمور مرور الكرام من دون محاسبة، بانتظار عاصفة أخرى.

ومن المفارقات أمام هذا الواقع المؤلم، أنَّ من هم في مواقع المسؤوليّة في الدولة، يُلقون باللائمة على الدولة نفسها ويتّهمونها بالتقصير، لنعود إلى السؤال نفسه: من هي الدّولة؟! هل هي هذا الجسم الوهمي الذي تُكال إليه كلّ الاتهامات، أم هي أنتم أيها الرؤساء والوزراء والنوّاب الذين تحملتم المسؤولية عن الناس في إدارة شؤونهم وسدّ احتياجاتهم ووقايتهم من الأخطار التي قد تحدق بهم؟! لذلك، يجب أن تكونوا أنتم في مواقع الرقابة والمحاسبة، لا أن تقلبوا كفاً على كفّ، أو تنتقدوا ما يجري على أرض الواقع!

إننا نرى أنَّ هذا الاهتراء الذي بات واضحاً في البنية التحتية، والّذي كشفته العاصفة، ليس إلا انعكاساً لما هو موجود في البنية الفوقيّة المتمثّلة بالمسؤولين، الّذين انتظر الناس معهم ثمانية أشهر وما يزيد، ولايزالون، لتأليف الحكومة، من دون أيّ أفق لتأليفها، في ظلّ بقاء كلّ طرفٍ على موقفه، لا يريد أن يتنازل خطوةً تؤدّي إلى الخروج من هذا المأزق، الذي بتنا نرى تداعياته الكارثية، ليس على المستوى الاقتصادي فقط، بل على الأمن الاجتماعي للناس.

لقد تعوَّد المسؤولون في هذا البلد أن يسمعوا انتقادات الناس لهم، ولكنَّهم يصرّون على أنهم يعرفون جيّداً أنها انفعالات لا أثر لها فيهم، فهي سرعان ما تتبخَّر عند أيّ استحقاق عنوانه المحاسبة، سواء كان نيابياً أو بلدياً أو ما إلى ذلك!

ولذلك، تجدنا نكرِّر ــ مع الناس ــ دعوة القوى السياسيّة إلى تحمّل مسؤوليّاتها في إخراج البلد من أزمته الراهنة، فلا يكفي أن يستمرّ الرّهان على أنَّ البلد لن ينهار، لأنَّ دول العالم لا تريد له ذلك، فلن يسهر أحد على عدم انهيار الوطن إذا كفَّ أبناؤه عن القيام بهذا الدور.

قمَّة وجدل!

ونصل إلى الجدل المستمرّ في الدّاخل اللّبناني حول القمّة العربيّة الاقتصادية المزمع انعقادها في لبنان، كونها ستجري من دون الدولة السوريّة، وبحضور ليبيا التي لم تتحمَّل السلطات الجديدة فيها مسؤوليّة الكشف عن الغموض المستمرّ حول جريمة إخفاء الإمام السيد موسى الصدر ورفيقيه.

ونحن في هذا المجال، نؤكّد أهمية انعقاد القمة العربية الاقتصادية، بما يعزّز موقع لبنان في العالم العربي، ويعطي المناعة لاقتصاده، ولكنّنا نحذّر من أن تكون هذه القمّة سبباً للانقسام في الداخل اللبناني، فاللّبنانيّون بالغنى عن كلّ أمر يؤدّي إلى زيادة الشرخ فيما بينهم، في وقت هم أحوج ما يكونون إلى ترميم الخلافات القائمة.

لقد دعونا، ولانزال ندعو كلّ المعنيّين بالقمّة الاقتصاديّة، إلى أن يأخذوا بالاعتبار كلّ تلك الحساسيات وتبعاتها على مختلف المستويات.

العدوّ يستغلّ الانقسام

وفي هذا الوقت، تعود إلى الواجهة الخروقات الإسرائيليّة للسّيادة اللبنانيّة، كما حدث أخيراً في العديسة، والتي توحي برغبة إسرائيليّة في قضم المزيد من الأراضي اللبنانيّة، مستغلّةً الواقع الداخلي اللّبناني المترهّل والمنقسم على نفسه.

إنّنا أمام ما جرى، نؤكّد أهميّة الموقف اللبناني الصارم في مواجهة هذا العدوان، وندعو إلى مزيدٍ من الاستعداد والتأهّب لمواجهة أيّ خلفيّات يريدها العدوّ من وراء ذلك، مستفيداً من جوّ دوليّ تصعيدي داعم له، والذي عبَّر عنه وزير خارجية أميركا بالأمس.

وفي إطار الحديث عن هذه الزيارة، فإنّنا نرى أنها محاولة لطمأنة حلفاء أميركا في المنطقة، والسّعي لتوريطهم في الصّراع، من خلال دعوتهم لمزيد من تحمل المسؤوليّة والأعباء التي تعمل الإدارة الأميركيَّة للتخفّف من تبعاتها بعد قرارها الانسحاب من سوريا.

إنّنا أمام ذلك، ندعو العرب، حكّاماً وشعوباً، إلى أن يكونوا واعين ومتنبّهين إلى المخطّطات الأميركية التي تريد لهم أن يكونوا وقوداً لحروبها وفتنها في المنطقة، وخصوصاً أنهم عرفوا أميركا على حقيقتها، وأنها لا تفكّر إلا في مصالحها ومصالح العدوّ الإسرائيلي.

حول العالم,العلّامة فضل الله, بيروت, خطبة الجمعة, مسجد الحسنين (ع), حارة حريك
Print
جميع الحقوق محفوظة, قناة الإيمان الفضائية