Logo Logo
الرئيسية
البرامج
جدول البرامج
الأخبار
مع السيد
مرئيات
مسلسلات
البرامج الميدانية
البرامج التخصصية
برامج السيرة
البرامج الثقافية
برامج الأطفال
البرامج الوثائقية
برامج التغطيات والتكنولوجيا
المزيد

عام على نقل السّفارة الأميركيّة: تمهيد الطّريق لـ"صفقة القرن"

14 أيار 19 - 17:00
مشاهدة
195
مشاركة

لا القوانين الدولية ولا التحذيرات العديدة أثنت الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن قراره الذي نُفذ قبل عام من اليوم بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس المحتلة، وذلك بعد إعلانه القدس عاصمة للكيان الصهيوني، مطلقاً مساراً هو الأكثر وضوحاً وفجاجةً لتصفية القضية الفلسطينية، تمهيداً لإعلان خطة إملاءاته الهادفة فعلياً إلى القضاء النهائي على وجود دولة فلسطينية، والمعروفة بـ"صفقة القرن"، بل إنّ ترامب اختار أيضاً تاريخ 14 مايو/ أيار 2018 لافتتاح السفارة رسمياً في القدس، أي قبل يوم واحد من ذكرى النكبة الفلسطينية، موجّهاً ضربة جديدة لفلسطين، ومقدّماً خدمة للاحتلال الصهيوني ومخطّطاته لتصفية كلّ قضايا الحلّ النهائيّ، بما في ذلك ما يتعلّق بملفات اللاجئين والحدود والمستوطنات والدولة.

أهداف عديدة سعى ترامب إلى تحقيقها بقراره نقل السفارة، نجح في بعضها فيما فشل في بعضها الآخر، فلم ينجح في إقناع دول "كبيرة" أخرى باتخاذ خطوة مماثلة، وفشل في دفع الفلسطينيين إلى تقديم أي تنازلات على الرغم من تصعيد ضغطه عليهم وقطع كل المساعدات لهم. في المقابل، فإنه مهّد طريق الاحتلال للسعي إلى ضمّ المستوطنات في

الضفة الغربية، وهو المطلب الأساسي الذي بات حاضراً في مشاورات بنيامين نتنياهو مع الأحزاب اليمينية لتشكيل حكومته الجديدة.

وبعد عام على تطبيق قرار نقل السفارة الأميركية، تدل كلّ المؤشرات على أنّ هذا القرار وما سبقه من إعلان القدس المحتلة عاصمة للكيان الصهيوني، مثلاً، تجسيد لاستراتيجية أميركية شاملة تهدف إلى حسم مصير الصراع الفلسطيني الصهيوني بما يتوافق مع المنطلقات الأيديولوجية والسياسية لقوى اليمين العلماني والديني التي تشكل الائتلاف الحاكم في تل أبيب.

ويتّضح من خلال السلوك الأميركي وما تم تسريبه من معلومات حول اتجاهات موقف البيت الأبيض من الصراع، أنَّ تنفيذ استراتيجية ترامب الهادفة إلى تصفية القضية الفلسطينية يمرّ بثلاث مراحل رئيسية، أولها ممارسة الضغوط السياسية والاقتصادية على الفلسطينيين، من خلال تحطيم خطوطهم الحمراء ومحاولة دفعهم إلى التعايش مع المشاريع الهادفة إلى تصفية قضيتهم، عبر المزاوجة بين الاعتراف بالقدس كعاصمة للاحتلال ونقل السفارة الأميركية إليها، وإغلاق ممثلية منظمة التحرير في واشنطن، وفرض عقوبات اقتصادية كبيرة، تمثّلت في التوقف عن الإسهام في موازنة "وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين" (أونروا)، ووقف أنشطة وكالة التنمية الأميركية في الأراضي الفلسطينية، والتوقف تماماً عن تقديم أي دعم مالي للمؤسسات المدنية الفلسطينية، سواء كانت تابعة للسلطة الفلسطينية أو للمجتمع المدني.

وعلى الرغم من أنّ الإدارة الأميركية تجنّبت قطع المساعدات المالية المخصصة للأجهزة الأمنية التابعة للسلطة، من أجل توفير بيئة تسمح بتواصل التنسيق الأمني بين هذه الأجهزة ومخابرات الاحتلال وجيشه، والذي يسهم بشكل كبير في تحسين الواقع الأمني للكيان الصهيوني، فإنّ الكونغرس، في المقابل، سنّ قانوناً يسمح برفع دعاوى تعويض أمام المحاكم الأميركية ضد كل دولة أو كيان يحصل على مساعدات مالية أميركية، في حال شارك مواطنون من هذه الدول وتلك الكيانات في عمليات أدت إلى مقتل أو جرح مواطنين أميركيين. وقد دفع سنّ هذا القانون قيادة السلطة الفلسطينية إلى الاعتذار عن تلقي المساعدات الأميركية المخصصة لأجهزتها الأمنية، خشية إجبارها على دفع تعويضات مالية ضخمة بسبب سقوط مستوطنين يحملون الجنسيتين الصهيونيتين والأميركية قتلى وجرحى في عمليات نفذتها المقاومة داخل الضفة والكيان الصهيوني.

ثاني المراحل الرئيسية لاستراتيجية ترامب، تتمثل في طرح خطة الإملاءات الأميركية المعروفة بـ"صفقة القرن"، والتي يستدلّ مما سُرِّب من بنودها إلى أنها تهدف إلى ضمان المصالح الصهيونية في الضفة الغربية والقدس المحتلة، كما يراها اليمين الصهيوني، فكلّ التسريبات أجمعت على تمكين الاحتلال من ضمّ التجمّعات الاستيطانية والمستوطنات النائية في الضفة الغربية المحتلة، واحتكاره صلاحيات الأمن والسيطرة على الحدود، وبذلك فإن الكيان الفلسطيني الذي يمكن أن يرى النور في الضفة الغربية إثر تطبيق هذه "الصفقة" لن يتجاوز صيغة الحكم الذاتي.

ثالث المراحل تقوم على استغلال الرفض الفلسطيني المتوقع للصفقة فور الإعلان عنها رسمياً في شهر يونيو/حزيران المقبل، كما هو مرجح، في تبرير إقدام الحكومة التي يعكف بنيامين نتنياهو على تشكيلها، على فرض السيادة الصهيونية على كل المستوطنات في الضفة الغربية، ليعقب ذلك اعتراف أميركي بهذا الضم، على غرار إقرار واشنطن بالسيادة الصهيونية على الجولان السوري المحتل.

وقد مهّدت الإدارة الأميركية للاعتراف بفرض السيادة الصهيونية على المستوطنات في الضفة الغربية بشكل صريح. ففي كلمته أمام المؤتمر السنوي الذي نظمته أخيراً منظمة اللوبي اليهودي الأبرز "أيباك"، قال السفير الأميركي في الكيان الصهيوني ديفيد فريدمان إن ترامب يدرك الأهمية القصوى للمستوطنات في الضفة الغربية كمركّب أساسي في ضمان الأمن للكيان الصهيوني. من جهته، لمّح وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في جلسة استماع عقدتها لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ قبل نحو ثلاثة أسابيع، رداً على سؤال عن موقف الإدارة من إعلان نتنياهو نيته ضم المستوطنات في الضفة إلى الكيان الصهيوني، إلى أنّ الإدارة ستعترف بهذا القرار.

وسبق أن جاهر ترامب قبل نحو عام بأن الهدف من الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني ونقل السفارة إليها، يتمثّل في حسم مصير القدس وإخراجها من إطار التفاوض مع السلطة الفلسطينية. ففي أعقاب اللقاء الذي جمعه بنتنياهو على هامش مؤتمر "دافوس" الذي

عُقد بعيد الإعلان عن اعترافه بالقدس كعاصمة للكيان الصهيوني، قال ترامب إن مصير القدس لم يعد مادة للتفاوض بين الكيان الصهيوني والفلسطينيين، إلا أن ما لم يكن في حسبان الإدارة الأميركية، كما يبدو، يتمثّل في أن نقل السفارة إلى القدس وجملة المواقف الأخرى التي عبّرت عنها إدارة ترامب، والتي تمثّل إسناداً لتوجهات اليمين الصهيوني من الصراع، قد أجّج شهية قوى اليمين التي ستشارك في حكومة نتنياهو الجديدة، فبعض هذه الأحزاب والحركات لا تكتفي بضم التجمّعات الاستيطانية والمستوطنات النائية إلى الكيان الصهيوني، بل تطالب بشكل واضح بضم مناطق "ج"، التي تشكّل أكثر من 60 في المائة من الضفة الغربية. أما حزب "البيت اليهودي"، الذي من المرجح أن يحصل على حقيبتي التعليم والقضاء في الحكومة الجديدة، فيطالب بضم كل الضفة الغربية إلى الكيان الصهيوني وعدم الاكتفاء بمناطق "ج" أو المستوطنات.

ولم تكتفِ إدارة ترامب بنقل السفارة إلى القدس، بل إنّها عمدت إلى الضّغط على دول أخرى تحصل على مساعدات أميركية من أجل الإقدام على خطوة مماثلة. فقد ذكرت وسائل إعلام صهيونية أن إدارة ترامب أدت دوراً رئيساً في إقناع غواتيمالا بنقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس، وشارك الرئيس الغواتيمالي جيمي موراليس في حفل تدشين السفارة هناك في منتصف مايو/ أيار من العام الماضي.

ونتيجة الضغط الأميركي، أقدمت باراغواي على نقل سفارتها إلى القدس في 20 أيار/ مايو من العام الماضي، وشارك رئيس باراغواي في

ذلك الحين هوراسيو كارتيس في حفل نقل السفارة إلى هناك، إلا أن الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي أسفرت عن فوز ماريو عبده بينيتيز، أفضت إلى إلغاء القرار، وأمر بينيتيز بإعادة السفارة إلى تل أبيب مجدداً.

واستغلّ ترامب اللقاء الأول الذي جمعه في البيت الأبيض بالرئيس البرازيلي الجديد جايير بولسونارو، وطلب منه الوفاء بتعهده خلال حملته الانتخابية بنقل السفارة البرازيلية إلى القدس، لكن بولسونارو خشي من التداعيات الاقتصادية لهذه الخطوة، واكتفى خلال زيارته إلى الكيان الصهيوني بتدشين ممثلية تجارية برازيلية في القدس المحتلة. وكشفت صحيفة "معاريف" في حينه أنه على هامش مشاركتهما في حفل تنصيب بولسونارو، التقى نتنياهو وبومبيو برئيس هندوراس خوان أورلاندو هيرنانديز، وحثّاه على نقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس.

وحاول الكيان الصهيوني توظيف علاقته الوثيقة بحكومات اليمين في أوروبا الشرقية بشكل خاص من أجل إقناعها بنقل سفاراتها إلى القدس. وقد أقنع نتنياهو رئيسة الحكومة الرومانية فيوريكا دانسيلا بنقل السفارة إلى القدس، وعبّرت عن تأييدها لهذه الخطوة، إلا أنّ الرئيس الروماني كلاوس يوهانيس رفض الأمر، بوصفه المسؤول عن إدارة السياسة الخارجية، ووبّخ دانسيلا قائلاً إنها لا "تفهم تاريخ الصراع حول القدس". كما زعمت نائب وزير الخارجية الصهيوني تسيبي حوطبيلي أن الكيان

الصهيوني يجري اتصالات مع جورجيا للاتفاق على مسار يفضي إلى نقل السفارة الجورجية إلى القدس.

لكن على الرغم من النشاط الدبلوماسي المكثّف الذي تبذله إدارة ترامب والحكومة الصهيونية، فإن الرهان على دور الخطوة الأميركية بنقل السفارة إلى القدس في إقناع المزيد من الدول بالاقتداء بالسلوك الأميركي، لم يكن في محله، فقرار نقل السفارة من قبل الولايات المتحدة ودولة هامشية، مثل غواتيمالا، يدلّ على أنّ المجتمع الدولي ببلدانه المؤثرة يرفض الخطوة الأميركية بوصفها إجراء أحادي الجانب يجسد تبنياً لموقف اليمين الصهيوني وتجاوزاً للقانون الدولي الذي يعتبر القدس الشرقية أراضي فلسطينية محتلة.

وعلى الرغم من أنّ وسائل الإعلام الصهيونية والأميركية أجمعت على الدور الحاسم الذي أدّاه السفير الأميركي في الكيان الصهيوني ديفيد فريدمان، وهو يهودي متدين يجاهر بحماسته للمشروع الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية، وسبق أن ترأس جمعية تعنى بجمع التبرعات داخل الولايات المتحدة للمستوطنات في الضفة الغربية والقدس، فإن أحد أهم المسوغات التي دفعت ترامب للإقدام على هذه الخطوة هو اعتبار داخلي، يتمثّل في سعيه لاسترضاء التيار الإنجيلي الذي يمثّل النواة الصلبة لجمهور ناخبيه ومؤيديه، ويستند هذا التيار في دعمه لتهويد القدس واستيطان الضفة الغربية إلى منطلقات دينية.

وأقر فريدمان في مقال نشره الأحد الماضي في صحيفة "يسرائيل هيوم"، المقرّبة من نتنياهو، بأن الاعتبارات الدينية والتاريخية التي دفعت ترامب إلى الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني ونقل السفارة الأميركية إليها، أكبر من الاعتبارات السياسية، مدعياً أنّ هذه الخطوة تمثّل اعترافاً بالصلة التي ربطت اليهود بالمدينة منذ 3 آلاف عام.

لكن بخلاف الحماسة التي تعبّر عنها قوى اليمين الصهيوني، فإن الكثير من الأوساط الصهيونية، وضمنها جنرالات في الاحتياط من الجيش والمخابرات وباحثون وكتاب، تحذر من تداعيات الاستراتيجية السلبية التي تنتهجها الإدارة الأميركية تجاه الصراع.

وحذر وزير القضاء الأسبق يوسي بيلين، والقائد الأسبق للقوات الصهيونية في الأراضي المحتلة، الوزير السابق إفرايم سنيه، من أن استراتيجية ترامب يمكن أن تفضي إلى كارثة أمنية للكيان الصهيوني، على اعتبار أنها تزيد من فرص انهيار السلطة الفلسطينية واشتعال الأوضاع الأمنية في الضفة الغربية بشكل يمكن أن يجبر تل أبيب على العودة إلى إدارة الأراضي الفلسطينية بشكل مباشر، مع كل ما يترتب عليه الأمر من كلفة سياسية واقتصادية وأمنية، لكن على الرغم من هذه التحذيرات، فإن قوى اليمين الحاكم في الكيان الصهيوني تبدو مصممة على استغلال الفرص التي مثلها صعود ترامب للحكم ومحاولة حسم الصراع مع الشعب الفلسطيني بما يتوافق مع منطلقاتها الأيديولوجية.

Plus
T
Print
كلمات مفتاحية

حول العالم

فلسطين

صفقة القرن

القدس

السفارة الأميركية

تل أبيب

ترامب

الادارة الاميركية

يهمنا تعليقك

أحدث الحلقات

من خارج النص

مسرح الطفل | من خارج النص

14 تموز 19

غير نفسك

فن الحوار الناجح | غير نفسك

13 تموز 19

نون والقلم

عالمية الإسلام | نون والقلم

11 تموز 19

منبر الوعي - محاضرات تربوية وأخلاقية

ولاية الله أساس العمل | محاضرات تربوية

11 تموز 19

Link in  الموسم الثاني

Link in season 2 | الحلقة الثامنة والعشرون

10 تموز 19

فقه الشريعة 2019

المنهج التجديدي عند السيد فضل الله رض | فقه الشريعة

10 تموز 19

منبر الوعي - محاضرات تربوية وأخلاقية

تربية أنفسنا على طاعة الله | محاضرات تربوية

10 تموز 19

وجهة نظر

تحديد النسل مؤمرة أم ضرورة | وجهة نظر

09 تموز 19

منبر الوعي - محاضرات تربوية وأخلاقية

منبر الوعي - محاضرات تربوية وأخلاقية:

09 تموز 19

منبر الوعي - محاضرات تربوية وأخلاقية

عبادة الله تعالى | محاضرات تربوية و أخلاقية

08 تموز 19

من خارج النص

الإعلام المقاوم وانقلاب الصورة | من خارج النص

07 تموز 19

تحت الضوء الموسم الخامس

تحت الضوء | الموسم 5 الحلقة السادسة والعشرون

06 تموز 19

لا القوانين الدولية ولا التحذيرات العديدة أثنت الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن قراره الذي نُفذ قبل عام من اليوم بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس المحتلة، وذلك بعد إعلانه القدس عاصمة للكيان الصهيوني، مطلقاً مساراً هو الأكثر وضوحاً وفجاجةً لتصفية القضية الفلسطينية، تمهيداً لإعلان خطة إملاءاته الهادفة فعلياً إلى القضاء النهائي على وجود دولة فلسطينية، والمعروفة بـ"صفقة القرن"، بل إنّ ترامب اختار أيضاً تاريخ 14 مايو/ أيار 2018 لافتتاح السفارة رسمياً في القدس، أي قبل يوم واحد من ذكرى النكبة الفلسطينية، موجّهاً ضربة جديدة لفلسطين، ومقدّماً خدمة للاحتلال الصهيوني ومخطّطاته لتصفية كلّ قضايا الحلّ النهائيّ، بما في ذلك ما يتعلّق بملفات اللاجئين والحدود والمستوطنات والدولة.

أهداف عديدة سعى ترامب إلى تحقيقها بقراره نقل السفارة، نجح في بعضها فيما فشل في بعضها الآخر، فلم ينجح في إقناع دول "كبيرة" أخرى باتخاذ خطوة مماثلة، وفشل في دفع الفلسطينيين إلى تقديم أي تنازلات على الرغم من تصعيد ضغطه عليهم وقطع كل المساعدات لهم. في المقابل، فإنه مهّد طريق الاحتلال للسعي إلى ضمّ المستوطنات في

الضفة الغربية، وهو المطلب الأساسي الذي بات حاضراً في مشاورات بنيامين نتنياهو مع الأحزاب اليمينية لتشكيل حكومته الجديدة.

وبعد عام على تطبيق قرار نقل السفارة الأميركية، تدل كلّ المؤشرات على أنّ هذا القرار وما سبقه من إعلان القدس المحتلة عاصمة للكيان الصهيوني، مثلاً، تجسيد لاستراتيجية أميركية شاملة تهدف إلى حسم مصير الصراع الفلسطيني الصهيوني بما يتوافق مع المنطلقات الأيديولوجية والسياسية لقوى اليمين العلماني والديني التي تشكل الائتلاف الحاكم في تل أبيب.

ويتّضح من خلال السلوك الأميركي وما تم تسريبه من معلومات حول اتجاهات موقف البيت الأبيض من الصراع، أنَّ تنفيذ استراتيجية ترامب الهادفة إلى تصفية القضية الفلسطينية يمرّ بثلاث مراحل رئيسية، أولها ممارسة الضغوط السياسية والاقتصادية على الفلسطينيين، من خلال تحطيم خطوطهم الحمراء ومحاولة دفعهم إلى التعايش مع المشاريع الهادفة إلى تصفية قضيتهم، عبر المزاوجة بين الاعتراف بالقدس كعاصمة للاحتلال ونقل السفارة الأميركية إليها، وإغلاق ممثلية منظمة التحرير في واشنطن، وفرض عقوبات اقتصادية كبيرة، تمثّلت في التوقف عن الإسهام في موازنة "وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين" (أونروا)، ووقف أنشطة وكالة التنمية الأميركية في الأراضي الفلسطينية، والتوقف تماماً عن تقديم أي دعم مالي للمؤسسات المدنية الفلسطينية، سواء كانت تابعة للسلطة الفلسطينية أو للمجتمع المدني.

وعلى الرغم من أنّ الإدارة الأميركية تجنّبت قطع المساعدات المالية المخصصة للأجهزة الأمنية التابعة للسلطة، من أجل توفير بيئة تسمح بتواصل التنسيق الأمني بين هذه الأجهزة ومخابرات الاحتلال وجيشه، والذي يسهم بشكل كبير في تحسين الواقع الأمني للكيان الصهيوني، فإنّ الكونغرس، في المقابل، سنّ قانوناً يسمح برفع دعاوى تعويض أمام المحاكم الأميركية ضد كل دولة أو كيان يحصل على مساعدات مالية أميركية، في حال شارك مواطنون من هذه الدول وتلك الكيانات في عمليات أدت إلى مقتل أو جرح مواطنين أميركيين. وقد دفع سنّ هذا القانون قيادة السلطة الفلسطينية إلى الاعتذار عن تلقي المساعدات الأميركية المخصصة لأجهزتها الأمنية، خشية إجبارها على دفع تعويضات مالية ضخمة بسبب سقوط مستوطنين يحملون الجنسيتين الصهيونيتين والأميركية قتلى وجرحى في عمليات نفذتها المقاومة داخل الضفة والكيان الصهيوني.

ثاني المراحل الرئيسية لاستراتيجية ترامب، تتمثل في طرح خطة الإملاءات الأميركية المعروفة بـ"صفقة القرن"، والتي يستدلّ مما سُرِّب من بنودها إلى أنها تهدف إلى ضمان المصالح الصهيونية في الضفة الغربية والقدس المحتلة، كما يراها اليمين الصهيوني، فكلّ التسريبات أجمعت على تمكين الاحتلال من ضمّ التجمّعات الاستيطانية والمستوطنات النائية في الضفة الغربية المحتلة، واحتكاره صلاحيات الأمن والسيطرة على الحدود، وبذلك فإن الكيان الفلسطيني الذي يمكن أن يرى النور في الضفة الغربية إثر تطبيق هذه "الصفقة" لن يتجاوز صيغة الحكم الذاتي.

ثالث المراحل تقوم على استغلال الرفض الفلسطيني المتوقع للصفقة فور الإعلان عنها رسمياً في شهر يونيو/حزيران المقبل، كما هو مرجح، في تبرير إقدام الحكومة التي يعكف بنيامين نتنياهو على تشكيلها، على فرض السيادة الصهيونية على كل المستوطنات في الضفة الغربية، ليعقب ذلك اعتراف أميركي بهذا الضم، على غرار إقرار واشنطن بالسيادة الصهيونية على الجولان السوري المحتل.

وقد مهّدت الإدارة الأميركية للاعتراف بفرض السيادة الصهيونية على المستوطنات في الضفة الغربية بشكل صريح. ففي كلمته أمام المؤتمر السنوي الذي نظمته أخيراً منظمة اللوبي اليهودي الأبرز "أيباك"، قال السفير الأميركي في الكيان الصهيوني ديفيد فريدمان إن ترامب يدرك الأهمية القصوى للمستوطنات في الضفة الغربية كمركّب أساسي في ضمان الأمن للكيان الصهيوني. من جهته، لمّح وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في جلسة استماع عقدتها لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ قبل نحو ثلاثة أسابيع، رداً على سؤال عن موقف الإدارة من إعلان نتنياهو نيته ضم المستوطنات في الضفة إلى الكيان الصهيوني، إلى أنّ الإدارة ستعترف بهذا القرار.

وسبق أن جاهر ترامب قبل نحو عام بأن الهدف من الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني ونقل السفارة إليها، يتمثّل في حسم مصير القدس وإخراجها من إطار التفاوض مع السلطة الفلسطينية. ففي أعقاب اللقاء الذي جمعه بنتنياهو على هامش مؤتمر "دافوس" الذي

عُقد بعيد الإعلان عن اعترافه بالقدس كعاصمة للكيان الصهيوني، قال ترامب إن مصير القدس لم يعد مادة للتفاوض بين الكيان الصهيوني والفلسطينيين، إلا أن ما لم يكن في حسبان الإدارة الأميركية، كما يبدو، يتمثّل في أن نقل السفارة إلى القدس وجملة المواقف الأخرى التي عبّرت عنها إدارة ترامب، والتي تمثّل إسناداً لتوجهات اليمين الصهيوني من الصراع، قد أجّج شهية قوى اليمين التي ستشارك في حكومة نتنياهو الجديدة، فبعض هذه الأحزاب والحركات لا تكتفي بضم التجمّعات الاستيطانية والمستوطنات النائية إلى الكيان الصهيوني، بل تطالب بشكل واضح بضم مناطق "ج"، التي تشكّل أكثر من 60 في المائة من الضفة الغربية. أما حزب "البيت اليهودي"، الذي من المرجح أن يحصل على حقيبتي التعليم والقضاء في الحكومة الجديدة، فيطالب بضم كل الضفة الغربية إلى الكيان الصهيوني وعدم الاكتفاء بمناطق "ج" أو المستوطنات.

ولم تكتفِ إدارة ترامب بنقل السفارة إلى القدس، بل إنّها عمدت إلى الضّغط على دول أخرى تحصل على مساعدات أميركية من أجل الإقدام على خطوة مماثلة. فقد ذكرت وسائل إعلام صهيونية أن إدارة ترامب أدت دوراً رئيساً في إقناع غواتيمالا بنقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس، وشارك الرئيس الغواتيمالي جيمي موراليس في حفل تدشين السفارة هناك في منتصف مايو/ أيار من العام الماضي.

ونتيجة الضغط الأميركي، أقدمت باراغواي على نقل سفارتها إلى القدس في 20 أيار/ مايو من العام الماضي، وشارك رئيس باراغواي في

ذلك الحين هوراسيو كارتيس في حفل نقل السفارة إلى هناك، إلا أن الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي أسفرت عن فوز ماريو عبده بينيتيز، أفضت إلى إلغاء القرار، وأمر بينيتيز بإعادة السفارة إلى تل أبيب مجدداً.

واستغلّ ترامب اللقاء الأول الذي جمعه في البيت الأبيض بالرئيس البرازيلي الجديد جايير بولسونارو، وطلب منه الوفاء بتعهده خلال حملته الانتخابية بنقل السفارة البرازيلية إلى القدس، لكن بولسونارو خشي من التداعيات الاقتصادية لهذه الخطوة، واكتفى خلال زيارته إلى الكيان الصهيوني بتدشين ممثلية تجارية برازيلية في القدس المحتلة. وكشفت صحيفة "معاريف" في حينه أنه على هامش مشاركتهما في حفل تنصيب بولسونارو، التقى نتنياهو وبومبيو برئيس هندوراس خوان أورلاندو هيرنانديز، وحثّاه على نقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس.

وحاول الكيان الصهيوني توظيف علاقته الوثيقة بحكومات اليمين في أوروبا الشرقية بشكل خاص من أجل إقناعها بنقل سفاراتها إلى القدس. وقد أقنع نتنياهو رئيسة الحكومة الرومانية فيوريكا دانسيلا بنقل السفارة إلى القدس، وعبّرت عن تأييدها لهذه الخطوة، إلا أنّ الرئيس الروماني كلاوس يوهانيس رفض الأمر، بوصفه المسؤول عن إدارة السياسة الخارجية، ووبّخ دانسيلا قائلاً إنها لا "تفهم تاريخ الصراع حول القدس". كما زعمت نائب وزير الخارجية الصهيوني تسيبي حوطبيلي أن الكيان

الصهيوني يجري اتصالات مع جورجيا للاتفاق على مسار يفضي إلى نقل السفارة الجورجية إلى القدس.

لكن على الرغم من النشاط الدبلوماسي المكثّف الذي تبذله إدارة ترامب والحكومة الصهيونية، فإن الرهان على دور الخطوة الأميركية بنقل السفارة إلى القدس في إقناع المزيد من الدول بالاقتداء بالسلوك الأميركي، لم يكن في محله، فقرار نقل السفارة من قبل الولايات المتحدة ودولة هامشية، مثل غواتيمالا، يدلّ على أنّ المجتمع الدولي ببلدانه المؤثرة يرفض الخطوة الأميركية بوصفها إجراء أحادي الجانب يجسد تبنياً لموقف اليمين الصهيوني وتجاوزاً للقانون الدولي الذي يعتبر القدس الشرقية أراضي فلسطينية محتلة.

وعلى الرغم من أنّ وسائل الإعلام الصهيونية والأميركية أجمعت على الدور الحاسم الذي أدّاه السفير الأميركي في الكيان الصهيوني ديفيد فريدمان، وهو يهودي متدين يجاهر بحماسته للمشروع الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية، وسبق أن ترأس جمعية تعنى بجمع التبرعات داخل الولايات المتحدة للمستوطنات في الضفة الغربية والقدس، فإن أحد أهم المسوغات التي دفعت ترامب للإقدام على هذه الخطوة هو اعتبار داخلي، يتمثّل في سعيه لاسترضاء التيار الإنجيلي الذي يمثّل النواة الصلبة لجمهور ناخبيه ومؤيديه، ويستند هذا التيار في دعمه لتهويد القدس واستيطان الضفة الغربية إلى منطلقات دينية.

وأقر فريدمان في مقال نشره الأحد الماضي في صحيفة "يسرائيل هيوم"، المقرّبة من نتنياهو، بأن الاعتبارات الدينية والتاريخية التي دفعت ترامب إلى الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني ونقل السفارة الأميركية إليها، أكبر من الاعتبارات السياسية، مدعياً أنّ هذه الخطوة تمثّل اعترافاً بالصلة التي ربطت اليهود بالمدينة منذ 3 آلاف عام.

لكن بخلاف الحماسة التي تعبّر عنها قوى اليمين الصهيوني، فإن الكثير من الأوساط الصهيونية، وضمنها جنرالات في الاحتياط من الجيش والمخابرات وباحثون وكتاب، تحذر من تداعيات الاستراتيجية السلبية التي تنتهجها الإدارة الأميركية تجاه الصراع.

وحذر وزير القضاء الأسبق يوسي بيلين، والقائد الأسبق للقوات الصهيونية في الأراضي المحتلة، الوزير السابق إفرايم سنيه، من أن استراتيجية ترامب يمكن أن تفضي إلى كارثة أمنية للكيان الصهيوني، على اعتبار أنها تزيد من فرص انهيار السلطة الفلسطينية واشتعال الأوضاع الأمنية في الضفة الغربية بشكل يمكن أن يجبر تل أبيب على العودة إلى إدارة الأراضي الفلسطينية بشكل مباشر، مع كل ما يترتب عليه الأمر من كلفة سياسية واقتصادية وأمنية، لكن على الرغم من هذه التحذيرات، فإن قوى اليمين الحاكم في الكيان الصهيوني تبدو مصممة على استغلال الفرص التي مثلها صعود ترامب للحكم ومحاولة حسم الصراع مع الشعب الفلسطيني بما يتوافق مع منطلقاتها الأيديولوجية.

حول العالم,فلسطين, صفقة القرن, القدس, السفارة الأميركية, تل أبيب, ترامب, الادارة الاميركية
Print
جميع الحقوق محفوظة, قناة الإيمان الفضائية