Logo Logo
الرئيسية
البرامج
جدول البرامج
الأخبار
مع السيد
مرئيات
مسلسلات
البرامج الميدانية
البرامج التخصصية
برامج السيرة
البرامج الثقافية
برامج الأطفال
البرامج الوثائقية
برامج التغطيات والتكنولوجيا
المزيد

العلّامة فضل الله: مسؤوليَّة مواجهة الانحراف

09 تشرين الثاني 18 - 15:15
مشاهدة
183
مشاركة

ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله ، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبتيه:

 

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ}. صدق الله العظيم.

نشهد في واقعنا الكثير من مظاهر الانحراف مما نراه على الصعيد الإيماني الأخلاقيّ، أو في استشراء الفساد والظّلم، أو في الفتن التي تعصف بواقعنا، أو غير ذلك، وهذا قد يصدر عن أفراد أو جماعات أو دول.

ومن الطبيعي القول إنّ ما يجري من انحرافات، يتحمَّل مسؤوليَّتها من يقوم بها، أو من يشجّعها أو يسوّق لها أو يبرّرها ويعطيها الشرعيّة، أو من يؤمّن لها التغطية.

منطق الحياد!

ولكنّ هناك مسؤوليّة غالباً ما لا يُلتَفت إليها ولا تؤخذ بالاعتبار، وهي المسؤوليّة التي تقع على عاتق الساكتين، أو ما يسمّى بالأكثرية الصامتة، وهم هؤلاء الذين يرون أمامهم الظلم والفساد والانحراف والطغيان، أو تصل إليهم أخباره، ولكنّهم لا يتّخذون منه موقفاً لا إيجاباً ولا سلباً، ويفضّلون الجلوس جانباً، وكما يقال، يفضّلون الجلوس على التلّ، رغم قدرتهم على مواجهته أو المساهمة في إصلاحه، اعتقاداً منهم أنهم لا يتحمّلون مسؤوليّة، كونهم لم يشاركوا فيما يجري من ظلم وفساد وانحراف، وأنهم على الحياد، أو لأنهم لا يريدون أن يوجعوا رأسهم بالمشاكل التي غالباً ما تحصل في مواجهة الانحراف بكلّ تلاوينه.

وقد يكونون أصدقاء للفاسدين والمنحرفين والظالمين، ولا يريدون أن يخسروا صداقتهم، أو لديهم مصالحهم معهم، أو لخوفٍ منهم، لأن هؤلاء قد يمتلكون سطوة وقوّة، وقد يكون لعدم مبالاة بكلّ ما يجري حولهم، فهم لا يريدون إلا الأمان في حياتهم.

وقد يرى البعض شرعيّة هذا الموقف من قول الله: {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا}، وأنهم لا وسع لهم على الوقوف في وجه الانحراف، أو بحجّة {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}.

ولتفشِّي هذا المنطق، صرنا نسمع كثيراً من يقول: "لا دخل لي"، أو نسمع تعابير اليأس من إصلاح الواقع: ماذا ينفع الكلام؟ أو القول إنّ نقطة في بحر لا تؤثّر، أو فالج لا تعالج، أو عندي أولاد وأريد أن أعيلهم، أو هل وقفت الأمور عليّ؟...

خطورة الصّمت

إنَّ من الواضح خطورة هذا المنطق على الدّين والقيم والحياة العزيزة والكريمة، عندما يستشري في المجتمع ويصبح سمةً من سماته، فهو سيقوِّي ظواهر الانحراف والفساد والظلم، وستتفاقم عندما لا تجد من يطلق صوتاً أو موقفاً في مواجهتها، وسيفقد دعاة الحقّ والعدل قوَّة كان يمكن أن يستفيدوا منها لو خرج هؤلاء عن صمتهم.

وهذا يمثِّل سبباً أساسياً في ضعف المجتمعات وسقوطها، وهو ما أشار إليه الله سبحانه في الآية التي ابتدأنا بها حديثنا: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ}. فقد اعتبرت هذه الآية أنّ شرط نجاة المجتمعات من الهلاك والانهيار هو وجود مصلحين فيها.

وفي الحديث: "مثل القائم في حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرّوا على من فوقهم، فقالوا: لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذِ مَن فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً".

فالنتائج كارثيّة من هذا السكوت، وهي لن تقف عند حدود الذين قاموا بها، بل ستشمل الجميع. وإلى ذلك، أشار الله سبحانه: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً}.

تحذير إسلاميّ

ولذلك، كان موقف الدين حاسماً من هذه الظاهرة، فهو رفض هذا المنطق وهذا السلوك، إذ لا بدَّ للإنسان من أن يكون له موقف من أيّ انحرافٍ أو ظلمٍ أو فساد. فالإسلام يدعو إلى مجتمعٍ واعٍ وناطقٍ وحركيّ، مجتمع يقف أمام الظالم ليثنيه عن ظلمه، وأمام الفاسد ليوقف فساده، وأمام المنحرف لردعه عن انحرافه.

ولذلك، جاء التّحذير للّذين لا يتخذون موقفاً مما يجري من حولهم من انحرافات، فقال عزَّ وجلَّ: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}.

وفي الحديث: أوحى الله عزَّ وجلَّ إلى شعيب (ع): "إني معذّب من قومك مائة ألف؛ أربعين ألفاً من شرارهم، وستّين ألفاً من خيارهم. فقال (ع): يا ربّ! هؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار؟ فأوحى الله عزَّ وجلَّ إليه: داهنوا أهل المعاصي ولم يغضبوا لغضبي".

وقد ورد في حديثٍ لرسول الله (ص): "إنَّ الله عزَّ وجلَّ ليبغض المؤمن الضَّعيف الذي لا دين له. فقيل: وما المؤمن الضّعيف الذي لا دين له؟ قال: الذي لا ينهى عن المنكر".

وفي حديثٍ للإمام الصّادق (ع): "إذا رأى أحدكم المنكر فلم ينكره وهو يقدر عليه، فقد أحبَّ أن يُعصَى الله، ومن أحبّ أن يُعصَى الله، فقد بارز الله بالعداوة".

ولم يقف الإسلام عند التّحذير من هذه الظاهرة وبيان عواقبها عنده، فهو اعتبر إعلاء الصوت في مواجهة المنكر واجباً، وإلى ذلك، أشار القرآن الكريم عندما قال: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.

وقد اعتبر أنّ الأمّة لا تبلغ الخير، ولا تكون في مقدّمة الأمم، إن لم تقم بهذا الواجب، وهو المفهوم من قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}.

الصَّمت أم الكلام؟!

وقد عالجت الأحاديث الخوف الّذي قد يعتري البعض عندما يواجه الانحراف أو الظّلم أو الفساد، حيث يراه البعض سبباً يؤثّر في الرزق وفي الحياة.

فقد ورد في الحديث عن رسول الله (ص): "ألا لا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ هَيْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا رَآهُ أَوْ شَهِدَهُ، فَإِنَّهُ لا يُقَرِّبُ مِنْ أَجَلٍ وَلا يُبَاعِدُ مِنْ رِزْقٍ، أَنْ يُقَالَ بِحَقٍّ أَوْ يُذَكَّرَ بِعَظِيمٍ".

نعم، هذا لا يعني أن يواجه الإنسانُ أو المجتمعُ المنكرَ كيفما كان، وبدون خطّة، أو أن يلقي بنفسه إلى التهلكة، بل لا بدَّ من أن تؤخذ بالاعتبار الظروف والقدرات والإمكانات.

ففي الحديث: "من رأى منكم منكراً فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه...".

وفي الحديث: "حسْبُ المؤمن عزّاً إذا رأى منكراً، أن يعلم الله من قلبه إنكاره".

أمَّا منطق الذين يرون الصّمت فضيلةً، والسكوت أبلغ من الكلام، وكما قد يقول البعض: الكلام من فضّة والسكوت من ذهب، فقد جاء الردّ عليه من الإمام زين العابدين (ع) عندما سُئل: الكلام أفضل أم السكوت؟"، فقال: "الكلام، لأنَّ الله سبحانه ما بعث الأنبياء والأوصياء بالسكوت، إنما بعثهم بالكلام، ولا استحقّت الجنّة بالسكوت، ولا استوجبت ولاية الله بالسكوت، ولا تُوقِّيت النار بالسكوت".

نعم، الصمت أبلغ من الكلام، عندما يكون الكلام في معصية الله ويوقع في الحرام، ولذلك ورد في الحديث: "الخرس خير من الكذب". وفي حديث آخر: "السُّكوت خير من إملاء الشرّ، وإملاء الخير خير من السُّكوت".

أين الغيارى على القيم؟!

أيّها الأحبّة: إنّنا أحوج ما نكون في هذه المرحلة، حيث ينتشر الفساد، ويتمادى الظلم والانحراف والطغيان، إلى الغيارى على القيم وأصحاب الهمم العالية، الذين يرفعون أصواتهم في وجه كلّ هذه الظواهر، ليبيّنوا أو يوجّهوا، وليظهروا الحقائق، وليزيلوا الغشاوة من عيون الناس، وليواجهوا منطق الفاسدين والمنحرفين والظالمين.

إنّنا نعاني وسنعاني أكثر، عندما لا نجد العالِم الذي يصدح بالحقّ، أو الأب المربي، أو الأمّ التي تؤدّي دورها، أو المثقَّف الواعي الذي لا يقوم بدوره في التّوعية والتّوجيه، أو من يحفّز ويبعث الهمم في النفوس... فلا يبخلنّ أحد بكلمة واعية، أو بموقف حكيم، أو بمواجهة مدروسة لهذا الواقع، ولا يقولنّ أحد إنما إن فعلت فقد أضحّي بعلاقتي مع الناس، وليكن قولك:

فَلَيْتَكَ تَحْلُو، وَالحَيَاةُ مَرِيرَةٌ وَلَيْتَكَ تَرْضَى وَالأَنَامُ غِضَابُ

وَلَيْتَ الّذي بَيْني وَبَيْنَكَ عَامِرٌ     وبيني وبينَ العالمينَ خرابُ

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخطبة الثّانية

عباد الله، عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بالاعتبار من هذا اليوم من شهر ربيع الأوّل، وهو اليوم الذي وصل فيه رسول الله (ص) إلى غار ثور؛ المكان الذي لجأ إليه هو وصاحبه خلال هجرته من مكّة إلى المدينة، اتّقاءً من قريش التي كانت تسعى آنذاك لقتله.

يومها، لما علمت قريش بخروجه، تتبّعت آثاره وآثار صاحبه، فوصلت إلى فم الغار. هنا، يذكر القرآن الخوف والحزن الَّذي أصاب صاحبه، ولكنَّ رسول الله (ص) كان له موقف آخر، أشار إليه الله سبحانه عندما قال: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا}.

فلنستهدِ في هذا اليوم برسول الله (ص)، حتى ينزل الله علينا سكينته، ويؤيّدنا بجنودٍ لن نراها، بأن نستشعر حضور الله في نفوسنا، وأن نثق بأنه القادر على أن يغيّر سوء حالنا بحسن حاله، وأن ينقلنا من ضعف إلى قوّة، ومن ذلّ إلى عزّة.

إنّنا أحوج ما نكون إلى استحضار هذه القيمة، في وقت تعصف بنا التحدّيات، وتكبر الأخطار. وبذلك، نصبح أكثر وعياً ومسؤوليّة وقدرة على مواجهة التحدّيات.

أزمة تشكيل الحكومة

والبداية من لبنان، الّذي عادت لتطغى عليه أجواء التشاؤم بقرب تأليف الحكومة، حيث يزداد الحديث عن أزمة طويلة لا بدَّ من التعايش معها، وتترتّب على أساسها الأعمال، وهذا ناتج، حتى الآن، من غياب أيّة مخارج تنهي العقدة الأخيرة من عقد تأليف الحكومة، وهي التي يتعارف عليها بـ"عقدة المستقلّين السنّة"، حيث يستمرّ الخلاف حول مدى أحقيّتهم في التمثيل الوزاري، والأثر الذي يتركه هذا التوزير على توازن الحكومة الجديدة.

ونحن أمام ما يجري، لا بدَّ من أن نقدّر الحرص الَّذي رأيناه من قبل الأطراف المعنيين على إبقاء هذا الخلاف في إطاره السياسيّ الهادئ نوعاً ما، وإبعاده عن الاستخدام في التوتير المذهبي والطائفي، وندعو إلى الحفاظ على هذا المسار، حرصاً على استقرار البلد، ومنعاً للمصطادين في الماء العكر من أن يصلوا إلى غايتهم.

وفي الوقت نفسه، فإنَّنا نعيد دعوة القيادات السياسية إلى تحمّل مسؤوليّتها، وعدم توفير أيّ جهد لإيجاد حلٍّ لهذه العقدة، فلا يمكن أن تحلّ بعدم المبالاة أو بإدارة الظهر أو الانكفاء. ونحن لانزال على موقفنا من كونها غير مستعصية، إن توفَّرت الرغبة لدى جميع الأطراف في الوصول إلى حلّ، ولم يبقَ كلّ طرف على موقفه لا يتقدَّم خطوة باتجاه الآخرين.

وإذا كان البعض يتحدَّث عن أنَّ تعقيدات الخارج هي التي أدَّت إلى تعقيدات في الداخل، وأدَّت إلى صعوبة الحلّ، فإنَّنا لا نرى أنَّ الأمر الآن هو على هذه الصّورة الّتي يتحدَّث بها هؤلاء.

إنَّ من المسلَّمات لاستقرار هذا البلد، أن تعالَج مشاكله وخلافاته بالتسويات، وبالتّوازن بين طوائفه ومذاهبه ومواقعه السياسية، فلا يُحكَم بسيطرة فريقٍ على آخر، أو بغلبة طائفة على أخرى، أو مذهب على مذهب آخر.

ولذلك، فلنكفّ عن هذه المناكفات، ولنستعجل التسويات، حفاظاً على هذا البلد الذي يواجه تحدياً اقتصادياً، حيث الحديث المستمرّ من قبل العارفين بحقيقة الوضع الاقتصادي عن خطورة هذا الوضع وتداعياته على الاستقرار النقدي، إن لم نسارع إلى علاجه، ويواجه تحدّياً أمنياً من تهديدات العدوّ الصهيوني التي يعبّر عنها من خلال تصريحات مسؤوليه، أو من خلال ما ينقله الموفدون الدوليّون وغير الدوليين من تهديدات للبنان، بحجّة وجود مصانع أسلحة أو صواريخ كاسرة للتوازن.

إنّ هذه التحدّيات وغيرها مما يمسّ بمصالح المواطنين في حاجاتهم، تستدعي من الجميع الخروج من حساباتهم الخاصّة إلى حسابات الوطن وإنسانه، والّذي ينبغي أن يكون فوق كلّ اعتبار.

بين الدَّولة وأصحاب المولّدات!

وفي الإطار الحياتي والمعيشي، عاش اللّبنانيون الإحساس أكثر من أيّ وقتٍ مضى بأزمة الكهرباء، بفعل التوقّف، ولو المحدود، لمولِّدات الكهرباء، في إطار ضغوط أصحابها على الدولة للتّراجع عن قراراتها.

إنَّ ما جرى يستدعي الحلّ، حتى لا يتكرَّر ولا تتأثَّر به مصالح المواطنين، والحلّ الجذري يكون بالإسراع في معالجة أزمة الكهرباء، حتى لا يكون اللبنانيّون تحت سيطرة من يستغلّ حاجاتهم ويفرض شروطه عليهم.

ولكن إلى أن يحين ذلك، لا بدَّ من أن تتابع الدولة مسؤوليَّتها بحماية المواطنين من جشع بعض أصحاب المولّدات، وفي الوقت نفسه، أن تتابع الحوار للنظر في هواجسهم، فلا تكتفي بالحلول الأمنيّة التي قد تؤدّي إلى نتائج معاكسة.

عقوبات ظالمة على إيران

ونصل إلى إيران، الَّتي تواجه هذه الأيّام رزمة جديدة من العقوبات الظالمة، والتي تفرَّدت بها أميركا من بين كلّ دول العالم، والحجّة هي عدم تطبيق إيران لما ورد من بنود الاتفاق النوويّ الّذي تمّ برعاية الأمم المتحدة ومجموعة الخمسة زائد واحد، في الوقت الذي أقرَّت كلّ هذه الدّول، باستثناء الإدارة الأميركيّة، بأنَّ إيران التزمت، ولاتزال تلتزم، بكلّ شروط هذا الاتفاق.

إنّنا نتطلّع إلى جميع الدول المؤثرة في العالم، وخصوصاً تلك التي شاركت في الاتفاق النووي، والَّتي لاتزال تجزم بعدم مخالفة إيران لهذا الاتفاق، أن تكون لها كلمة أقوى، وألا تكتفي بالمواقف المائعة، وأن تعمل لرفض هذا التّصعيد الّذي يطاول الجميع ويهدِّد السّلام العالمي، ولفكّ هذا الحصار الذي يلحق أضراراً كبيرة بمعيشة الشعب الإيراني.

السّجن المؤبّد ليس حلاً

وأخيراً، نتوقّف عند الحكم بالسّجن المؤبّد لسماحة الشيخ علي السلمان (رئيس حركة الوفاق البحرينية) ورفاقه؛ هذا الحكم الذي تعرف السلطات البحرينية قبل غيرها، أنه لا يحمل أية صدقية في حيثياته وتبريراته ضدّ شخصية اتسمت بالاعتدال والاتزان والحرص الكبير على الولاء لوطنها ومصالحه.

إنَّنا نجدّد دعوة السّلطات البحرينيّة إلى التراجع عن هذا القرار، والعودة إلى طاولة الحوار مع الشيخ علي السّلمان ورفاقه، ومع كلّ فئات الشّعب البحرينيّ المسالم، التي لم تطالب بأكثر من الحدّ الأدنى من حقوقها، آملين بطيّ صفحة هذه المرحلة من التصعيد، والعودة إلى الحوار الجدّي الذي يُنهي مأساة البحرينيين، ويعيد الاستقرار والسّلام إلى ربوع بلدهم.
Plus
T
Print
كلمات مفتاحية

العالم العربي والعالم

العلّامة فضل الله

خطبة الجمعة

مسجد الحسنين (ع)

بيروت

حارة حريك

يهمنا تعليقك

أحدث الحلقات

يسألونك عن الإنسان والحياة

يسألونك عن الإنسان والحياة 14-11-2018

14 تشرين الثاني 18

نقطة ببحر

نقطة ببحر 13-11-2018

13 تشرين الثاني 18

تحت الضوء - الموسم الرابع

ر

10 تشرين الثاني 18

يسألونك عن الإنسان والحياة

يسألونك عن الإنسان والحياة 06-11-2018

06 تشرين الثاني 18

يسألونك عن الإنسان والحياة

يسألونك عن الإنسان والحياة 05-11-2018

05 تشرين الثاني 18

يسألونك عن الإنسان والحياة

يسألونك عن الإنسان والحياة 2-11-2018

02 تشرين الثاني 18

يسألونك عن الإنسان والحياة

يسألونك عن الإنسان والحياة 1-11-2018

01 تشرين الثاني 18

يسألونك عن الإنسان والحياة

يسألونك عن الإنسان والحياة 31-10-2018

31 تشرين الأول 18

يسألونك عن الإنسان والحياة

يسألونك عن الإنسان والحياة - 29-10-2018

29 تشرين الأول 18

أصحاب الرسالة

اصحاب الرسالة - عمرو بن قرضة الأنصاري

28 تشرين الأول 18

أرض الطف

أرض الطف الحلقة الثالثة

26 تشرين الأول 18

أرض الطف

أرض الطف الحلقة الأولى

26 تشرين الأول 18

ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله ، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبتيه:

 

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ}. صدق الله العظيم.

نشهد في واقعنا الكثير من مظاهر الانحراف مما نراه على الصعيد الإيماني الأخلاقيّ، أو في استشراء الفساد والظّلم، أو في الفتن التي تعصف بواقعنا، أو غير ذلك، وهذا قد يصدر عن أفراد أو جماعات أو دول.

ومن الطبيعي القول إنّ ما يجري من انحرافات، يتحمَّل مسؤوليَّتها من يقوم بها، أو من يشجّعها أو يسوّق لها أو يبرّرها ويعطيها الشرعيّة، أو من يؤمّن لها التغطية.

منطق الحياد!

ولكنّ هناك مسؤوليّة غالباً ما لا يُلتَفت إليها ولا تؤخذ بالاعتبار، وهي المسؤوليّة التي تقع على عاتق الساكتين، أو ما يسمّى بالأكثرية الصامتة، وهم هؤلاء الذين يرون أمامهم الظلم والفساد والانحراف والطغيان، أو تصل إليهم أخباره، ولكنّهم لا يتّخذون منه موقفاً لا إيجاباً ولا سلباً، ويفضّلون الجلوس جانباً، وكما يقال، يفضّلون الجلوس على التلّ، رغم قدرتهم على مواجهته أو المساهمة في إصلاحه، اعتقاداً منهم أنهم لا يتحمّلون مسؤوليّة، كونهم لم يشاركوا فيما يجري من ظلم وفساد وانحراف، وأنهم على الحياد، أو لأنهم لا يريدون أن يوجعوا رأسهم بالمشاكل التي غالباً ما تحصل في مواجهة الانحراف بكلّ تلاوينه.

وقد يكونون أصدقاء للفاسدين والمنحرفين والظالمين، ولا يريدون أن يخسروا صداقتهم، أو لديهم مصالحهم معهم، أو لخوفٍ منهم، لأن هؤلاء قد يمتلكون سطوة وقوّة، وقد يكون لعدم مبالاة بكلّ ما يجري حولهم، فهم لا يريدون إلا الأمان في حياتهم.

وقد يرى البعض شرعيّة هذا الموقف من قول الله: {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا}، وأنهم لا وسع لهم على الوقوف في وجه الانحراف، أو بحجّة {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}.

ولتفشِّي هذا المنطق، صرنا نسمع كثيراً من يقول: "لا دخل لي"، أو نسمع تعابير اليأس من إصلاح الواقع: ماذا ينفع الكلام؟ أو القول إنّ نقطة في بحر لا تؤثّر، أو فالج لا تعالج، أو عندي أولاد وأريد أن أعيلهم، أو هل وقفت الأمور عليّ؟...

خطورة الصّمت

إنَّ من الواضح خطورة هذا المنطق على الدّين والقيم والحياة العزيزة والكريمة، عندما يستشري في المجتمع ويصبح سمةً من سماته، فهو سيقوِّي ظواهر الانحراف والفساد والظلم، وستتفاقم عندما لا تجد من يطلق صوتاً أو موقفاً في مواجهتها، وسيفقد دعاة الحقّ والعدل قوَّة كان يمكن أن يستفيدوا منها لو خرج هؤلاء عن صمتهم.

وهذا يمثِّل سبباً أساسياً في ضعف المجتمعات وسقوطها، وهو ما أشار إليه الله سبحانه في الآية التي ابتدأنا بها حديثنا: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ}. فقد اعتبرت هذه الآية أنّ شرط نجاة المجتمعات من الهلاك والانهيار هو وجود مصلحين فيها.

وفي الحديث: "مثل القائم في حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرّوا على من فوقهم، فقالوا: لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذِ مَن فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً".

فالنتائج كارثيّة من هذا السكوت، وهي لن تقف عند حدود الذين قاموا بها، بل ستشمل الجميع. وإلى ذلك، أشار الله سبحانه: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً}.

تحذير إسلاميّ

ولذلك، كان موقف الدين حاسماً من هذه الظاهرة، فهو رفض هذا المنطق وهذا السلوك، إذ لا بدَّ للإنسان من أن يكون له موقف من أيّ انحرافٍ أو ظلمٍ أو فساد. فالإسلام يدعو إلى مجتمعٍ واعٍ وناطقٍ وحركيّ، مجتمع يقف أمام الظالم ليثنيه عن ظلمه، وأمام الفاسد ليوقف فساده، وأمام المنحرف لردعه عن انحرافه.

ولذلك، جاء التّحذير للّذين لا يتخذون موقفاً مما يجري من حولهم من انحرافات، فقال عزَّ وجلَّ: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}.

وفي الحديث: أوحى الله عزَّ وجلَّ إلى شعيب (ع): "إني معذّب من قومك مائة ألف؛ أربعين ألفاً من شرارهم، وستّين ألفاً من خيارهم. فقال (ع): يا ربّ! هؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار؟ فأوحى الله عزَّ وجلَّ إليه: داهنوا أهل المعاصي ولم يغضبوا لغضبي".

وقد ورد في حديثٍ لرسول الله (ص): "إنَّ الله عزَّ وجلَّ ليبغض المؤمن الضَّعيف الذي لا دين له. فقيل: وما المؤمن الضّعيف الذي لا دين له؟ قال: الذي لا ينهى عن المنكر".

وفي حديثٍ للإمام الصّادق (ع): "إذا رأى أحدكم المنكر فلم ينكره وهو يقدر عليه، فقد أحبَّ أن يُعصَى الله، ومن أحبّ أن يُعصَى الله، فقد بارز الله بالعداوة".

ولم يقف الإسلام عند التّحذير من هذه الظاهرة وبيان عواقبها عنده، فهو اعتبر إعلاء الصوت في مواجهة المنكر واجباً، وإلى ذلك، أشار القرآن الكريم عندما قال: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.

وقد اعتبر أنّ الأمّة لا تبلغ الخير، ولا تكون في مقدّمة الأمم، إن لم تقم بهذا الواجب، وهو المفهوم من قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}.

الصَّمت أم الكلام؟!

وقد عالجت الأحاديث الخوف الّذي قد يعتري البعض عندما يواجه الانحراف أو الظّلم أو الفساد، حيث يراه البعض سبباً يؤثّر في الرزق وفي الحياة.

فقد ورد في الحديث عن رسول الله (ص): "ألا لا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ هَيْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا رَآهُ أَوْ شَهِدَهُ، فَإِنَّهُ لا يُقَرِّبُ مِنْ أَجَلٍ وَلا يُبَاعِدُ مِنْ رِزْقٍ، أَنْ يُقَالَ بِحَقٍّ أَوْ يُذَكَّرَ بِعَظِيمٍ".

نعم، هذا لا يعني أن يواجه الإنسانُ أو المجتمعُ المنكرَ كيفما كان، وبدون خطّة، أو أن يلقي بنفسه إلى التهلكة، بل لا بدَّ من أن تؤخذ بالاعتبار الظروف والقدرات والإمكانات.

ففي الحديث: "من رأى منكم منكراً فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه...".

وفي الحديث: "حسْبُ المؤمن عزّاً إذا رأى منكراً، أن يعلم الله من قلبه إنكاره".

أمَّا منطق الذين يرون الصّمت فضيلةً، والسكوت أبلغ من الكلام، وكما قد يقول البعض: الكلام من فضّة والسكوت من ذهب، فقد جاء الردّ عليه من الإمام زين العابدين (ع) عندما سُئل: الكلام أفضل أم السكوت؟"، فقال: "الكلام، لأنَّ الله سبحانه ما بعث الأنبياء والأوصياء بالسكوت، إنما بعثهم بالكلام، ولا استحقّت الجنّة بالسكوت، ولا استوجبت ولاية الله بالسكوت، ولا تُوقِّيت النار بالسكوت".

نعم، الصمت أبلغ من الكلام، عندما يكون الكلام في معصية الله ويوقع في الحرام، ولذلك ورد في الحديث: "الخرس خير من الكذب". وفي حديث آخر: "السُّكوت خير من إملاء الشرّ، وإملاء الخير خير من السُّكوت".

أين الغيارى على القيم؟!

أيّها الأحبّة: إنّنا أحوج ما نكون في هذه المرحلة، حيث ينتشر الفساد، ويتمادى الظلم والانحراف والطغيان، إلى الغيارى على القيم وأصحاب الهمم العالية، الذين يرفعون أصواتهم في وجه كلّ هذه الظواهر، ليبيّنوا أو يوجّهوا، وليظهروا الحقائق، وليزيلوا الغشاوة من عيون الناس، وليواجهوا منطق الفاسدين والمنحرفين والظالمين.

إنّنا نعاني وسنعاني أكثر، عندما لا نجد العالِم الذي يصدح بالحقّ، أو الأب المربي، أو الأمّ التي تؤدّي دورها، أو المثقَّف الواعي الذي لا يقوم بدوره في التّوعية والتّوجيه، أو من يحفّز ويبعث الهمم في النفوس... فلا يبخلنّ أحد بكلمة واعية، أو بموقف حكيم، أو بمواجهة مدروسة لهذا الواقع، ولا يقولنّ أحد إنما إن فعلت فقد أضحّي بعلاقتي مع الناس، وليكن قولك:

فَلَيْتَكَ تَحْلُو، وَالحَيَاةُ مَرِيرَةٌ وَلَيْتَكَ تَرْضَى وَالأَنَامُ غِضَابُ

وَلَيْتَ الّذي بَيْني وَبَيْنَكَ عَامِرٌ     وبيني وبينَ العالمينَ خرابُ

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخطبة الثّانية

عباد الله، عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بالاعتبار من هذا اليوم من شهر ربيع الأوّل، وهو اليوم الذي وصل فيه رسول الله (ص) إلى غار ثور؛ المكان الذي لجأ إليه هو وصاحبه خلال هجرته من مكّة إلى المدينة، اتّقاءً من قريش التي كانت تسعى آنذاك لقتله.

يومها، لما علمت قريش بخروجه، تتبّعت آثاره وآثار صاحبه، فوصلت إلى فم الغار. هنا، يذكر القرآن الخوف والحزن الَّذي أصاب صاحبه، ولكنَّ رسول الله (ص) كان له موقف آخر، أشار إليه الله سبحانه عندما قال: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا}.

فلنستهدِ في هذا اليوم برسول الله (ص)، حتى ينزل الله علينا سكينته، ويؤيّدنا بجنودٍ لن نراها، بأن نستشعر حضور الله في نفوسنا، وأن نثق بأنه القادر على أن يغيّر سوء حالنا بحسن حاله، وأن ينقلنا من ضعف إلى قوّة، ومن ذلّ إلى عزّة.

إنّنا أحوج ما نكون إلى استحضار هذه القيمة، في وقت تعصف بنا التحدّيات، وتكبر الأخطار. وبذلك، نصبح أكثر وعياً ومسؤوليّة وقدرة على مواجهة التحدّيات.

أزمة تشكيل الحكومة

والبداية من لبنان، الّذي عادت لتطغى عليه أجواء التشاؤم بقرب تأليف الحكومة، حيث يزداد الحديث عن أزمة طويلة لا بدَّ من التعايش معها، وتترتّب على أساسها الأعمال، وهذا ناتج، حتى الآن، من غياب أيّة مخارج تنهي العقدة الأخيرة من عقد تأليف الحكومة، وهي التي يتعارف عليها بـ"عقدة المستقلّين السنّة"، حيث يستمرّ الخلاف حول مدى أحقيّتهم في التمثيل الوزاري، والأثر الذي يتركه هذا التوزير على توازن الحكومة الجديدة.

ونحن أمام ما يجري، لا بدَّ من أن نقدّر الحرص الَّذي رأيناه من قبل الأطراف المعنيين على إبقاء هذا الخلاف في إطاره السياسيّ الهادئ نوعاً ما، وإبعاده عن الاستخدام في التوتير المذهبي والطائفي، وندعو إلى الحفاظ على هذا المسار، حرصاً على استقرار البلد، ومنعاً للمصطادين في الماء العكر من أن يصلوا إلى غايتهم.

وفي الوقت نفسه، فإنَّنا نعيد دعوة القيادات السياسية إلى تحمّل مسؤوليّتها، وعدم توفير أيّ جهد لإيجاد حلٍّ لهذه العقدة، فلا يمكن أن تحلّ بعدم المبالاة أو بإدارة الظهر أو الانكفاء. ونحن لانزال على موقفنا من كونها غير مستعصية، إن توفَّرت الرغبة لدى جميع الأطراف في الوصول إلى حلّ، ولم يبقَ كلّ طرف على موقفه لا يتقدَّم خطوة باتجاه الآخرين.

وإذا كان البعض يتحدَّث عن أنَّ تعقيدات الخارج هي التي أدَّت إلى تعقيدات في الداخل، وأدَّت إلى صعوبة الحلّ، فإنَّنا لا نرى أنَّ الأمر الآن هو على هذه الصّورة الّتي يتحدَّث بها هؤلاء.

إنَّ من المسلَّمات لاستقرار هذا البلد، أن تعالَج مشاكله وخلافاته بالتسويات، وبالتّوازن بين طوائفه ومذاهبه ومواقعه السياسية، فلا يُحكَم بسيطرة فريقٍ على آخر، أو بغلبة طائفة على أخرى، أو مذهب على مذهب آخر.

ولذلك، فلنكفّ عن هذه المناكفات، ولنستعجل التسويات، حفاظاً على هذا البلد الذي يواجه تحدياً اقتصادياً، حيث الحديث المستمرّ من قبل العارفين بحقيقة الوضع الاقتصادي عن خطورة هذا الوضع وتداعياته على الاستقرار النقدي، إن لم نسارع إلى علاجه، ويواجه تحدّياً أمنياً من تهديدات العدوّ الصهيوني التي يعبّر عنها من خلال تصريحات مسؤوليه، أو من خلال ما ينقله الموفدون الدوليّون وغير الدوليين من تهديدات للبنان، بحجّة وجود مصانع أسلحة أو صواريخ كاسرة للتوازن.

إنّ هذه التحدّيات وغيرها مما يمسّ بمصالح المواطنين في حاجاتهم، تستدعي من الجميع الخروج من حساباتهم الخاصّة إلى حسابات الوطن وإنسانه، والّذي ينبغي أن يكون فوق كلّ اعتبار.

بين الدَّولة وأصحاب المولّدات!

وفي الإطار الحياتي والمعيشي، عاش اللّبنانيون الإحساس أكثر من أيّ وقتٍ مضى بأزمة الكهرباء، بفعل التوقّف، ولو المحدود، لمولِّدات الكهرباء، في إطار ضغوط أصحابها على الدولة للتّراجع عن قراراتها.

إنَّ ما جرى يستدعي الحلّ، حتى لا يتكرَّر ولا تتأثَّر به مصالح المواطنين، والحلّ الجذري يكون بالإسراع في معالجة أزمة الكهرباء، حتى لا يكون اللبنانيّون تحت سيطرة من يستغلّ حاجاتهم ويفرض شروطه عليهم.

ولكن إلى أن يحين ذلك، لا بدَّ من أن تتابع الدولة مسؤوليَّتها بحماية المواطنين من جشع بعض أصحاب المولّدات، وفي الوقت نفسه، أن تتابع الحوار للنظر في هواجسهم، فلا تكتفي بالحلول الأمنيّة التي قد تؤدّي إلى نتائج معاكسة.

عقوبات ظالمة على إيران

ونصل إلى إيران، الَّتي تواجه هذه الأيّام رزمة جديدة من العقوبات الظالمة، والتي تفرَّدت بها أميركا من بين كلّ دول العالم، والحجّة هي عدم تطبيق إيران لما ورد من بنود الاتفاق النوويّ الّذي تمّ برعاية الأمم المتحدة ومجموعة الخمسة زائد واحد، في الوقت الذي أقرَّت كلّ هذه الدّول، باستثناء الإدارة الأميركيّة، بأنَّ إيران التزمت، ولاتزال تلتزم، بكلّ شروط هذا الاتفاق.

إنّنا نتطلّع إلى جميع الدول المؤثرة في العالم، وخصوصاً تلك التي شاركت في الاتفاق النووي، والَّتي لاتزال تجزم بعدم مخالفة إيران لهذا الاتفاق، أن تكون لها كلمة أقوى، وألا تكتفي بالمواقف المائعة، وأن تعمل لرفض هذا التّصعيد الّذي يطاول الجميع ويهدِّد السّلام العالمي، ولفكّ هذا الحصار الذي يلحق أضراراً كبيرة بمعيشة الشعب الإيراني.

السّجن المؤبّد ليس حلاً

وأخيراً، نتوقّف عند الحكم بالسّجن المؤبّد لسماحة الشيخ علي السلمان (رئيس حركة الوفاق البحرينية) ورفاقه؛ هذا الحكم الذي تعرف السلطات البحرينية قبل غيرها، أنه لا يحمل أية صدقية في حيثياته وتبريراته ضدّ شخصية اتسمت بالاعتدال والاتزان والحرص الكبير على الولاء لوطنها ومصالحه.

إنَّنا نجدّد دعوة السّلطات البحرينيّة إلى التراجع عن هذا القرار، والعودة إلى طاولة الحوار مع الشيخ علي السّلمان ورفاقه، ومع كلّ فئات الشّعب البحرينيّ المسالم، التي لم تطالب بأكثر من الحدّ الأدنى من حقوقها، آملين بطيّ صفحة هذه المرحلة من التصعيد، والعودة إلى الحوار الجدّي الذي يُنهي مأساة البحرينيين، ويعيد الاستقرار والسّلام إلى ربوع بلدهم.
العالم العربي والعالم,العلّامة فضل الله, خطبة الجمعة, مسجد الحسنين (ع), بيروت, حارة حريك
Print
جميع الحقوق محفوظة, قناة الإيمان الفضائية