Logo Logo
الرئيسية
البرامج
جدول البرامج
الأخبار
مع السيد
مرئيات
تكنولوجيا وطب
أخبار العالم الإسلامي
تغطيات وتقارير
أخبار فلسطين
حول العالم
المزيد
مسلسلات
البرامج الميدانية
البرامج التخصصية
برامج السيرة
البرامج الثقافية
برامج الأطفال
البرامج الوثائقية
برامج التغطيات والتكنولوجيا
المزيد

العلّامة فضل الله: لنجعلْ شهر رمضان لإعادة التّواصل مع الأرحام

10 أيار 19 - 14:48
مشاهدة
277
مشاركة

ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله ، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبتيه:

قال الله تعالى في كتابه العزيز: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}. صدق الله العظيم.

أهميّة صلة الرّحم

إنّ من أهمّ مزايا هذا الشَّهر المبارك، هو دعوته لتعزيز التَّواصل بين الأرحام، وإلى هذا، أشار النبيّ (ص) في خطبته في استقبال شهر رمضان: "ومن وصل فيه رحمه، وصله الله برحمته يوم يلقاه"، وحذّر: "ومن قطع فيه رحمه، قطع الله عنه رحمته يوم يلقاه"، فهذا الشَّهر هو شهر التَّواصل مع الأرحام.

ولا يقف اهتمام الإسلام بصلة الرَّحم على شهر رمضان، فقد احتلَّت صلة الرَّحم منزلة كبيرة في المنظومة التربويّة الإسلاميّة، وقد أولاها القرآن الكريم والأحاديث الشّريفة عناية كبيرة، ترغيباً فيها، وحثّاً عليها، وتحذيراً من عواقب تركها وقطعها.

والأرحام كمصطلح لغويّ، استمدّ من رحم الأمّ؛ محضن الجنين، لتوحي بمعاني الرّأفة والرّحمة والرقّة التي ينبغي أن تحكم العلاقة بينهم. أمّا المصطلح الفقهيّ، فيقصد بالأرحام الوالدين في المرتبة الأولى، ثم ما يتفرّع عنهما من الإخوة والأخوات وأبناء الإخوة والأخوات والأعمام والعمّات والأخوال والخالات وأبنائهم، هؤلاء جميعاً أوجب الإسلام دوام التّواصل فيما بينهم، ورتّب على ذلك الأجر الكبير، فهم وصيّة الله لعباده، قرن تقواه بصلتهم، فقال عزّ وجلّ: {وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ}، وهم وصيّة رسول الله(ص)، وهذا ما أشار إليه الصحابي الجليل أبو ذرّ عندما قال: "أوصاني خليلي (ص) بخصال من الخير: أوصاني بحبّ المساكين والدّنوّ منهم، وأوصاني أن أقول الحقّ وإن كان مراً، وأوصاني أن أصل رحمي وإن أدبَرَتْ".

وعنه (ص): "أوصي الشّاهد من أمّتي والغائب منهم ومَن في أصلاب الرّجال وأرحام النساء إلى يوم القيامة، أن يصل الرّحم، وإن كانت منه على مسيرة سنة، فإنّ ذلك من الدّين".

تنظيم الإسلام لها

لقد نظَّم الإسلام الصّلة بين الأقارب والأرحام، لكون هذه الصِّلة هي إحدى أهمّ ركائز المجتمع، فهي الرّابطة الأولى والأساس التي تبنى عليها علاقة الإنسان بمحيطه، فأوَّل ما يفتح الإنسان عينيه على أبويه، ثم على إخوته وعلى أعمامه وأخواله وأولادهم، وفي هذه البيئة، تنمو في نفسه مشاعر العطاء والإيثار والرَّحمة والتَّكافل والمؤازرة.

 وقد رسم الإسلام الخطوط العريضة لهذه الصّلة، واهتمّ بهذه المساحة المشتركة بين الأقارب، ليقيها ويصونها من أيِّ خلل يصيبها، لأنّ في هذه المساحة المشتركة تواصلاً واحتكاكاً ومعاملات وحيوات مشتركة وتقاسماً... وأيّ خلل في هذه العلاقة، لن يبقى في مكانه وإطاره بين شخصين أو ثلاثة، إنما قد يمتدّ الخلاف ويستمرّ ويورَّث، ويصبح الحال عندها كما قال الشّاعر الجاهليّ طرفة بن العبد:

وظُلْمُ ذَوِي القُرْبَى أَشَدُّ مَضَاضَـةً            عَلَى المَرْءِ مِنْ وَقْعِ الحُسَامِ المُهَنَّد

أليس هذا ما يحصل في كثير من واقعنا؟! هي طبيعة البشر، لذا كان لا بدّ من وقاية وحماية وعلاج في كثير من الأحيان.

  أحاديث في صلة الرّحم

العديد من الأحاديث تناولت طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تكون بين الأرحام، فدعت إلى أن يكون التواصل هو السّمة الأساسيّة، والاستثناء هو البرود والجفاء. فالمطلوب تنمية علاقات الرّحم وتعزيزها بالتّواصل والسَّلام والزيارات والاستفقاد، فقد دعا القرآن الكريم إلى أن يكون المنطق الحاكم بين ذوي القربى هو الإحسان بكلّ موارده، فقال: {وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى}، وقد رد في الحديث: "الصَّدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرَّحم اثنتان؛ صدقة وصلة"، "صلوا أرحامكم ولو بالسَّلام"، "أفضل ما يوصَل به الرّحم، كفّ الأذى عنها"، وقد بيَّنت الأحاديث قيمة صلة الرّحم ورغَّبت فيه، عندما بيَّنت الآثار التي يتركها إن في الدّنيا أو الآخرة.

ففي الحديث: "صلة الرّحم تزكّي الأعمال، وتنمّي الأموال، وتدفع البلوى، وتيسّر الحساب، وتنسئ في الأجل".

وعن رسول الله (ص): "إنَّ الرّجل ليصل رحمه وقد بقي من عمره ثلاث سنين، فيمدّها الله كذلك إلى ثلاثين سنة".

وعنه (ص): "مَن كان يُؤمن بالله واليوم الآخر فليُكْرِم ضيفَه، وَمَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِالله واليَوم الآخِرِ فليَصِلْ رَحِمَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ".

وهنا جزئيَّة لا بدَّ من الإشارة إليها، وهي أنَّ اختلاف الدّين أو العقيدة أو المذهب، لا يلغي وجوب صلة الرَّحم، وهذا إنما يدلّ على حاكميَّة صلة الرّحم على الرّوابط أو الانتماءات الأخرى، فهي واجبة حتى مع الرّحم الذين يختلفون عنّا في الدين أو المذهب.

فقد ورد في الحديث: قلت للإمام الصّادق (ع): "لَيَكون لي القرابة على غير أمري، ألَهُم عليَّ حقّ؟ قال: "نعم، حقّ الرَّحم لا يقطعه شيء، وإذا كانوا على أمرك كان لهم حقَّان؛ حقّ الرّحم، وحقّ الإسلام".

صلة الرَّحم عند المشاكل

إضافةً إلى ما سبق من الدعوة إلى اعتبار صلة الرحم كأسلوب حياة وثقافة في الحالات العادية، نجد كمّاً كبيراً من الآيات والأحاديث تدعو إلى صلة الرّحم في الحالات التي تعتريها مشاكل وتوتّرات وقطيعة.

ففي الحياة اليومية، قد تحدث هناك مشاكل بين الأرحام، ولأيّ سبب من الأسباب. 

فقد ورد في الحديث عن رسول الله (ص): "ليس الواصل بالمكافئ، ولكنّ الواصل الّذي إذا قطعت رحمه وصلها".

لذا، كانت دعوة رسول الله (ص) واضحةً وحاسمة: "لا تقطع رحمك وإن قطعتك".

جاء رجل إلى رسول الله وقال له: "إنَّ لي أهلاً قد كنت أصلهم وهم يؤذونني، وقد أردت رفضهم، فقال له رسول الله (ص): "إذاً يرفضكم الله جميعاً". قال: وكيف أصنع؟ قال: "تعطي من حرمك، وتصل من قطعك، وتعفو عمَّن ظلمك، فإذا فعلت ذلك، كان الله عزَّ وجلَّ لكَ عليهم ظهيراً".

وقد جاء رجل إلى الإمام الصّادق (ع)، فشكا إليه أقاربه، فقال (ع): "اُكظم غيظك، وافعل إليهم" (أحسن إليهم)، فقال: إنهم يفعلون ويفعلون، فقال (ع): "أتريد أن تكون مثلهم، فلا ينظر الله إليكم؟!".

أيّها الأحبّة، إنّ انتظام علاقات الأرحام في حال وقوع التوترات والمشاكل تقتضي أمرين؛ الأوّل: وجود من يبادر ويسعى ويستوعب ويسحب فتيل التّصعيد والقطع، ولا يهاب ردود الفعل أو الفشل، وبذلك يزيل الحواجز النفسيّة التي يسبّبها القطع، وبعدها يفتح الباب للعلاج بعيداً من التشنّج.

 والثاني: وجود من يتقبّل إعادة الوصل ويقبل الاعتذار، فلا يلجأ للصدّ أو التصعيد، بل يسامح وينفتح، لأنّ أيّ مشكلة، وخصوصاً في علاقات الأرحام، تحتاج إلى وعي الطرفين كي تعود إلى صفائها ومجاريها، هي تحتاج إلى تضحية، وتحتاج إلى تسامح وإلى نسيان وإلى تلقّف مبادرة.

صحيح أنّ الإسلام دعا إلى أن تصل من قطعك، لكنّه في المقابل، دعا الطرف الموصول أن لا يصرّ على القطيعة، وإلّا فإنّه قاطع لرحمه مرّتين. بعض الناس – للأسف - يمنعهم كبرياؤهم وعنادهم وعدم رغبتهم في التراجع من الصّلح، ويصرّون على نبش المشكلة وعلى المحاسبة وعلى العقاب وتدفيع الثّمن. للأسف، هؤلاء يوقعون أنفسهم في محظور القطيعة، وأيّ محظور هو!

{فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ}.

وقد ورد عن الإمام عليّ (ع): "أعوذ بالله من الذّنوب التي تعجِّل الفناء"، فقام إليه أحد أصحابه، فقال: أوتكون ذنوب تعجِّل الفناء؟ فقال: "نعم، وتلك قطيعة الرَّحم".

وقد ورد في الحديث: "إنَّ الرَّحمة لا تنزل على قومٍ فيهم قاطع رحم".

واجب الحفاظ عليها

أيّها الأحبَّة:

إنّ صلة الرّحم علاقة ثمينة، علينا أن لا نفرّط بها إهمالاً أو استخفافاً أو لامبالاةً، بحجة ضغوطات الحياة والمشاغل، كما لا ينبغي أن تخرَّب هذه الصّلة بالابتزاز العاطفي والاستغلال والطّمع والظّلم والأذى، وهذا إساءة إلى هذه القيمة الدينية والإنسانيّة الكبرى، فيما المطلوب أن يتّقي النّاس الله في أرحامهم.

 بقيت نقطة أخرى مما يُساء فيه تطبيق صلة الرّحم، عندما تتحوّل صلة الأرحام إلى عصبية القرابة والدّم، وتطغى على القيم والعدالة.

 عن رسول الله (ص) أنّه قال: "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا، فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: "تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ". وفي حديث آخر: قَالَ: "تَحْجِزُهُ عَنِ الظُّلْمِ، فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ". إذاً المساندة والتّكاتف والمؤازرة مطلوبة، ولكن ليس على حساب العدل والحقِّ والحلال.

ليكن شهرَ التّواصل

أيّها الأخوة والأخوات:

 فلنجعل هذا الشهر شهر إعادة التّواصل مع أرحامنا، وشهر تعزيز التّواصل معهم بكلّ سبل التواصل؛ بالزّيارات، وبالإعانة، والمساعدة المادية والمعنوية، وبكلّ ألوان الصّلة، وحتى بالسَّلام والرسائل. وهذا أقلّ ما هو مطلوب منّا في مجتمع نخشى أن نفقد دفء هذه العلاقة، ونشهد سيطرة المصالح الشخصيّة والفوائد الماديّة على ما سواها.

كتبنا الله من المتواصلين في شهر رمضان، وفي كلّ الشّهر، وندعو بدعاء الإمام زين العابدين (ع) في مكارم الأخلاق: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَسَدِّدْنِي لأَنْ أُعَارِضَ مَنْ غَشَّنِي بِالنُّصْحِ، وَأَجْزِيَ مَنْ هَجَرَنِي بِالْبِرِّ، وَأُثِيبَ مَنْ حَرَمَنِي بِالْبَذْلِ، وَأُكَافِيَ مَنْ قَطَعَنِي بِالصِّلَةِ، وَأُخَالِفَ مَنِ اغْتَابَنِي إِلَى حُسْنِ الذِّكْرِ".

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخطبة الثّانية

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بما دعانا إليه الله سبحانه في هذا الشّهر، عندما قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، فالتقوى هي غاية صيامنا، ومن دونها، لن نحقِّق هدف الصِّيام، ولن نكتب عند الله من الصَّائمين، فحتى نكون واثقين من صيامنا، لا بدَّ من أن نعرض أنفسنا على صفات المتَّقين، أن نكون على شاكلتهم.

ومَن غير الإمام عليّ (ع)، إمام المتَّقين، أجدر بتبيان هذه الصّفات؟! فقد ورد أنه قال عنهم: "فالمتّقون فيها هم أهل الفضائل، منطقهم الصّواب، وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم التّواضع، غضّوا أبصارهم عمّا حرم الله عليهم، ووقفوا أسماعهم على العلم النّافع لهم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالتي نزلت في الرّخاء، ولولا الأجل الذي كتب لهم، لم تستقرّ أرواحهم في أجسادهم طرفة عين، شوقاً إلى الثّواب، وخوفاً من العقاب. فمن علامة أحدهم، أنّك ترى له قوّة في دين، وحزماً في لين، وإيماناً في يقين، وحرصاً في علم، وعلماً في حلم، وقصداً في غنى، وخشوعاً في عبادة، وتجمّلاً في فاقة، وصبراً في شدّة، وطلباً في حلال، ونشاطاً في هدى، وتحرّجاً عن طمع".

جعلنا الله سبحانه من المتّقين، حتى لا نكون ممن أشار إليهم الحديث بالقول: "رُبَّ صائم ليس له من صيامه إلَّا الجوع والعطش".

الموازنة والإصلاح!

والبداية من لبنان، الَّذي تستمرّ فيه المداولات داخل مجلس الوزراء وخارجه حول الموازنة، بعدما جرى احتواء عاصفة الشّائعات التي ولَّدت مخاوف عند المواطنين، وكادت تهزّ الاستقرار الماليّ والاقتصاديّ. ونحن في الوقت الّذي لا نريد الخوض في الحديث الّذي أثير في الإعلام حول وجود أجندات خاصَّة دفعت إلى إحداث هذا الخوف الّذي تزامن مع تحرّك إضراب بعض القطاعات، وخصوصاً مصرف لبنان، إلا أنّنا ندعو القيادات السياسيَّة الحريصة على مصلحة البلد، إلى أن تتصدَّى لمن يلعب بمصير المواطنين لتحقيق مآرب خاصّة، ومن يقف عقبة أمام الإصلاح الحقيقي، ومن يحمي استمرار التّطاول على حقوق الدولة ومواصلة نهبها، ويتهرّب من مواجهة الفساد الحقيقي، لتبقى مزاريب المال العام تصبّ في جيوب النافذين من دون أية محاسبة.

إنّنا بحاجة إلى القيام بإصلاح حقيقيّ. وما يحكى عن إصلاحات تمّ التوافق على المباشرة بها، كاعتماد المعايير الموحّدة في الرواتب والتقديمات وغيرها، فنحن وإن كنّا ندعو إلى الالتزام بها، إلا أننا لا نراها كافية لإصلاح الواقع الاقتصادي. إنّنا نرى أنّ العلاج يحتاج إلى ما هو أبعد من ذلك، وهو بأن يُقدِّم الجميع حساباته ورصيده للنّاس، وأن تعود الأموال التي نُهبت من الخزينة العامَّة عن طريق السَّرقة المباشرة أو الاحتيال، حتى وإن كانت مودعة في الخارج، وأن لا تتمّ مقاربة الموازنة أو إصلاح الوضع المالي والاقتصادي من زاوية المصالح الفئويّة التي جعلت الحكومة والقيادات السياسيّة في حال تجاذب وانقسام في ما بينها، بل من زاوية مصالح اللّبنانيّين، كلّ اللّبنانيّين.

إنّنا نقول مجدَّداً، إنَّ بداية الحلّ تكمن في أن تصل القيادات في هذا البلد إلى مستوى رجال الدولة الَّذين يعملون على سيادة منطق القانون والمصلحة العامَّة وعلى التّخطيط للمستقبل، فاللّبنانيّون يشعرون، وإلى الآن، بأنَّ قياداتهم بأغلبها وكأنها على عداء مع منطق الدَّولة الذي تراه يلجم تجاوزها لما هو غير حقّ لها، أو على خصومة مع عقليَّة التّخطيط، حيث تتحرَّك في مواجهة الأزمة بمنطق ردود الفعل، وهو ما يفسِّر تناقض التّصريحات التي تصدر عن أكثر من مسؤول.

ونحن في الوقت نفسه، لانزال نرى أنّ الموازنة ينبغي أن تنطلق من رؤية حقيقيّة، ومن تخطيط يستشرف المستقبل الأفضل للوطن، ولا يكفي أن يتمَّ التّعاطي معها من خلال أرقام تُضاف من هنا أو تنزع من هناك، بل من رؤية تقوم على النهوض بالمقوِّمات الاقتصادية والإنتاجية التي يعتمد عليها كلّ بلد في نهوضه، ومن خطّة تشارك فيها كلّ القطاعات الاقتصادية والمالية، ولا تكون على حسابات الطبقات الفقيرة، حيث نخاف أن يتمّ تحميلها العبء الأكبر من تمويل كلفة العجز، وإن على جرعات، كما يحصل في ارتفاعات أسعار البنزين المدروسة، فيدفع المواطن الثَّمن، ويسدِّد كلّ شيء من جيبه، بينما تبقى المؤسَّسات والشَّركات الماليّة الكبرى، وحتى المسؤولون، بمنأى عن الحمل الكبير الذي هو بمثابة تراكمات من النّهب والهدر على مدى العقود والسنوات الماضية.

العدوّ يدمّر غزّة

وإلى غزَّة، التي شهدت قبل أيّام عدواناً صهيونيّاً جديداً استهدف عشرات المباني السكنيّة والمواقع المدنيّة، بتدميرٍ منهجيٍّ يوحي للشَّعب الفلسطيني مجدّداً، ومن خلال هذه الرّسالة التدميريّة والدمويّة التي سقط فيها عشرات الشّهداء والجرحى، بأنّه جاهزٌ للقيام بأوسع عمليّة تدمير في ظلّ صمت عربي دولي مطبق.

إننا في الوقت الذي نحيّي صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة التي أجبرت العدوّ على الاستعجال بوقف إطلاق النار، نريد للدّول العربيّة أن تتحمَّل مسؤوليَّاتها الكبرى إزاء ما يحصل من حصار وتدمير لغزّة، ومن قمع وقهر للشعب الفلسطيني داخل الضفّة الغربيّة وفلسطين العام 1948، فلا يكفي أن يقوم بعض العرب بدور الوسيط مع العدوّ لكي يشعروا بأنهم تحمّلوا المسؤوليّة عن هذا الشّعب، بل لا بدَّ من أن يكونوا في موقع الدّاعم والمدافع، بصرف النّظر عمّا نسمعه وتسمعه شعوبهم عن صفقة القرن والموقف الواضح منها.

هل تشهد المنطقة حرباً؟!

وأخيراً، إنّنا نرى أنّ محاولات الضّغط والحصار والظّلم التي تتعرض لها فلسطين وغيرها من الدول العربيّة والإسلاميّة، لإخضاعها لسياسات قوى الهيمنة العالميّة، يجب أن تقابل من شعوب العالم ودوله بالرّفض التامّ، لمعارضتها للقوانين الدولية، ولأنها يمكن أن تؤدّي إلى تطوّرات تتعدى الضغوط الاقتصادية الهائلة، لتصل إلى مستوى متصاعد من الحرب النفسيّة التي تهيّئ لحروب عسكرية، ونحن نشهد في هذه الأيّام فصلاً من فصولها، عبر التلويح الأميركي بإرسال حاملة طائرات إلى مياه الخليج. ونحن في الوقت الذي لا نستبعد وجود رغبة لدى العدو الصهيوني بإشعال حرب أميركية ــ إيرانيّة يعكسها التحريض الإسرائيلي اليومي المتزايد، نرى أن الحرب ليست نزهة، وأنها ستترك ــ في حال حصولها ــ آثاراً كارثيّة، ليس على صعيد المنطقة فحسب، بل على الصّعيد العالمي أيضاً.

 

 

 

 

 

Plus
T
Print
كلمات مفتاحية

تغطيات وتقارير

العلّامة فضل الله

بيروت

خطبة الجمعة

مسجد الحسنين (ع)

حارة حريك

يهمنا تعليقك

أحدث الحلقات

فقه الشريعة 2019

فقه الصائم 11 | فقه الشريعة

16 أيار 19

قناديل

قناديل | الحلقة العاشرة

16 أيار 19

 الدرس الرمضاني اليومي 2019

الدرس الرمضاني اليومي | 11 رمضان

16 أيار 19

فقه الشريعة 2019

فقه الصائم 10 | فقه الشريعة

15 أيار 19

قناديل

قناديل | الحلقة التاسعة

15 أيار 19

محاضرات في مكارم الأخلاق

متى يكون الكذب واجبا والصدق محرما | محاضرات في مكارم الأخلاق

14 أيار 19

عشرة على عشرة

عشرة على عشرة | حلقة 9 رمضان

14 أيار 19

حكواتي الأديان

زيبق و ريحان | حكواتي الأديان

14 أيار 19

فقه الشريعة 2019

فقه الصائم 9 | فقه الشريعة

14 أيار 19

قناديل

قناديل | الحلقة الثامنة

14 أيار 19

محاضرات في مكارم الأخلاق

حرمة الكذب على الله | محاضرات في مكارم الأخلاق

13 أيار 19

قناديل

قناديل | الحلقة السابعة

13 أيار 19

ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله ، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبتيه:

قال الله تعالى في كتابه العزيز: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}. صدق الله العظيم.

أهميّة صلة الرّحم

إنّ من أهمّ مزايا هذا الشَّهر المبارك، هو دعوته لتعزيز التَّواصل بين الأرحام، وإلى هذا، أشار النبيّ (ص) في خطبته في استقبال شهر رمضان: "ومن وصل فيه رحمه، وصله الله برحمته يوم يلقاه"، وحذّر: "ومن قطع فيه رحمه، قطع الله عنه رحمته يوم يلقاه"، فهذا الشَّهر هو شهر التَّواصل مع الأرحام.

ولا يقف اهتمام الإسلام بصلة الرَّحم على شهر رمضان، فقد احتلَّت صلة الرَّحم منزلة كبيرة في المنظومة التربويّة الإسلاميّة، وقد أولاها القرآن الكريم والأحاديث الشّريفة عناية كبيرة، ترغيباً فيها، وحثّاً عليها، وتحذيراً من عواقب تركها وقطعها.

والأرحام كمصطلح لغويّ، استمدّ من رحم الأمّ؛ محضن الجنين، لتوحي بمعاني الرّأفة والرّحمة والرقّة التي ينبغي أن تحكم العلاقة بينهم. أمّا المصطلح الفقهيّ، فيقصد بالأرحام الوالدين في المرتبة الأولى، ثم ما يتفرّع عنهما من الإخوة والأخوات وأبناء الإخوة والأخوات والأعمام والعمّات والأخوال والخالات وأبنائهم، هؤلاء جميعاً أوجب الإسلام دوام التّواصل فيما بينهم، ورتّب على ذلك الأجر الكبير، فهم وصيّة الله لعباده، قرن تقواه بصلتهم، فقال عزّ وجلّ: {وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ}، وهم وصيّة رسول الله(ص)، وهذا ما أشار إليه الصحابي الجليل أبو ذرّ عندما قال: "أوصاني خليلي (ص) بخصال من الخير: أوصاني بحبّ المساكين والدّنوّ منهم، وأوصاني أن أقول الحقّ وإن كان مراً، وأوصاني أن أصل رحمي وإن أدبَرَتْ".

وعنه (ص): "أوصي الشّاهد من أمّتي والغائب منهم ومَن في أصلاب الرّجال وأرحام النساء إلى يوم القيامة، أن يصل الرّحم، وإن كانت منه على مسيرة سنة، فإنّ ذلك من الدّين".

تنظيم الإسلام لها

لقد نظَّم الإسلام الصّلة بين الأقارب والأرحام، لكون هذه الصِّلة هي إحدى أهمّ ركائز المجتمع، فهي الرّابطة الأولى والأساس التي تبنى عليها علاقة الإنسان بمحيطه، فأوَّل ما يفتح الإنسان عينيه على أبويه، ثم على إخوته وعلى أعمامه وأخواله وأولادهم، وفي هذه البيئة، تنمو في نفسه مشاعر العطاء والإيثار والرَّحمة والتَّكافل والمؤازرة.

 وقد رسم الإسلام الخطوط العريضة لهذه الصّلة، واهتمّ بهذه المساحة المشتركة بين الأقارب، ليقيها ويصونها من أيِّ خلل يصيبها، لأنّ في هذه المساحة المشتركة تواصلاً واحتكاكاً ومعاملات وحيوات مشتركة وتقاسماً... وأيّ خلل في هذه العلاقة، لن يبقى في مكانه وإطاره بين شخصين أو ثلاثة، إنما قد يمتدّ الخلاف ويستمرّ ويورَّث، ويصبح الحال عندها كما قال الشّاعر الجاهليّ طرفة بن العبد:

وظُلْمُ ذَوِي القُرْبَى أَشَدُّ مَضَاضَـةً            عَلَى المَرْءِ مِنْ وَقْعِ الحُسَامِ المُهَنَّد

أليس هذا ما يحصل في كثير من واقعنا؟! هي طبيعة البشر، لذا كان لا بدّ من وقاية وحماية وعلاج في كثير من الأحيان.

  أحاديث في صلة الرّحم

العديد من الأحاديث تناولت طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تكون بين الأرحام، فدعت إلى أن يكون التواصل هو السّمة الأساسيّة، والاستثناء هو البرود والجفاء. فالمطلوب تنمية علاقات الرّحم وتعزيزها بالتّواصل والسَّلام والزيارات والاستفقاد، فقد دعا القرآن الكريم إلى أن يكون المنطق الحاكم بين ذوي القربى هو الإحسان بكلّ موارده، فقال: {وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى}، وقد رد في الحديث: "الصَّدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرَّحم اثنتان؛ صدقة وصلة"، "صلوا أرحامكم ولو بالسَّلام"، "أفضل ما يوصَل به الرّحم، كفّ الأذى عنها"، وقد بيَّنت الأحاديث قيمة صلة الرّحم ورغَّبت فيه، عندما بيَّنت الآثار التي يتركها إن في الدّنيا أو الآخرة.

ففي الحديث: "صلة الرّحم تزكّي الأعمال، وتنمّي الأموال، وتدفع البلوى، وتيسّر الحساب، وتنسئ في الأجل".

وعن رسول الله (ص): "إنَّ الرّجل ليصل رحمه وقد بقي من عمره ثلاث سنين، فيمدّها الله كذلك إلى ثلاثين سنة".

وعنه (ص): "مَن كان يُؤمن بالله واليوم الآخر فليُكْرِم ضيفَه، وَمَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِالله واليَوم الآخِرِ فليَصِلْ رَحِمَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ".

وهنا جزئيَّة لا بدَّ من الإشارة إليها، وهي أنَّ اختلاف الدّين أو العقيدة أو المذهب، لا يلغي وجوب صلة الرَّحم، وهذا إنما يدلّ على حاكميَّة صلة الرّحم على الرّوابط أو الانتماءات الأخرى، فهي واجبة حتى مع الرّحم الذين يختلفون عنّا في الدين أو المذهب.

فقد ورد في الحديث: قلت للإمام الصّادق (ع): "لَيَكون لي القرابة على غير أمري، ألَهُم عليَّ حقّ؟ قال: "نعم، حقّ الرَّحم لا يقطعه شيء، وإذا كانوا على أمرك كان لهم حقَّان؛ حقّ الرّحم، وحقّ الإسلام".

صلة الرَّحم عند المشاكل

إضافةً إلى ما سبق من الدعوة إلى اعتبار صلة الرحم كأسلوب حياة وثقافة في الحالات العادية، نجد كمّاً كبيراً من الآيات والأحاديث تدعو إلى صلة الرّحم في الحالات التي تعتريها مشاكل وتوتّرات وقطيعة.

ففي الحياة اليومية، قد تحدث هناك مشاكل بين الأرحام، ولأيّ سبب من الأسباب. 

فقد ورد في الحديث عن رسول الله (ص): "ليس الواصل بالمكافئ، ولكنّ الواصل الّذي إذا قطعت رحمه وصلها".

لذا، كانت دعوة رسول الله (ص) واضحةً وحاسمة: "لا تقطع رحمك وإن قطعتك".

جاء رجل إلى رسول الله وقال له: "إنَّ لي أهلاً قد كنت أصلهم وهم يؤذونني، وقد أردت رفضهم، فقال له رسول الله (ص): "إذاً يرفضكم الله جميعاً". قال: وكيف أصنع؟ قال: "تعطي من حرمك، وتصل من قطعك، وتعفو عمَّن ظلمك، فإذا فعلت ذلك، كان الله عزَّ وجلَّ لكَ عليهم ظهيراً".

وقد جاء رجل إلى الإمام الصّادق (ع)، فشكا إليه أقاربه، فقال (ع): "اُكظم غيظك، وافعل إليهم" (أحسن إليهم)، فقال: إنهم يفعلون ويفعلون، فقال (ع): "أتريد أن تكون مثلهم، فلا ينظر الله إليكم؟!".

أيّها الأحبّة، إنّ انتظام علاقات الأرحام في حال وقوع التوترات والمشاكل تقتضي أمرين؛ الأوّل: وجود من يبادر ويسعى ويستوعب ويسحب فتيل التّصعيد والقطع، ولا يهاب ردود الفعل أو الفشل، وبذلك يزيل الحواجز النفسيّة التي يسبّبها القطع، وبعدها يفتح الباب للعلاج بعيداً من التشنّج.

 والثاني: وجود من يتقبّل إعادة الوصل ويقبل الاعتذار، فلا يلجأ للصدّ أو التصعيد، بل يسامح وينفتح، لأنّ أيّ مشكلة، وخصوصاً في علاقات الأرحام، تحتاج إلى وعي الطرفين كي تعود إلى صفائها ومجاريها، هي تحتاج إلى تضحية، وتحتاج إلى تسامح وإلى نسيان وإلى تلقّف مبادرة.

صحيح أنّ الإسلام دعا إلى أن تصل من قطعك، لكنّه في المقابل، دعا الطرف الموصول أن لا يصرّ على القطيعة، وإلّا فإنّه قاطع لرحمه مرّتين. بعض الناس – للأسف - يمنعهم كبرياؤهم وعنادهم وعدم رغبتهم في التراجع من الصّلح، ويصرّون على نبش المشكلة وعلى المحاسبة وعلى العقاب وتدفيع الثّمن. للأسف، هؤلاء يوقعون أنفسهم في محظور القطيعة، وأيّ محظور هو!

{فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ}.

وقد ورد عن الإمام عليّ (ع): "أعوذ بالله من الذّنوب التي تعجِّل الفناء"، فقام إليه أحد أصحابه، فقال: أوتكون ذنوب تعجِّل الفناء؟ فقال: "نعم، وتلك قطيعة الرَّحم".

وقد ورد في الحديث: "إنَّ الرَّحمة لا تنزل على قومٍ فيهم قاطع رحم".

واجب الحفاظ عليها

أيّها الأحبَّة:

إنّ صلة الرّحم علاقة ثمينة، علينا أن لا نفرّط بها إهمالاً أو استخفافاً أو لامبالاةً، بحجة ضغوطات الحياة والمشاغل، كما لا ينبغي أن تخرَّب هذه الصّلة بالابتزاز العاطفي والاستغلال والطّمع والظّلم والأذى، وهذا إساءة إلى هذه القيمة الدينية والإنسانيّة الكبرى، فيما المطلوب أن يتّقي النّاس الله في أرحامهم.

 بقيت نقطة أخرى مما يُساء فيه تطبيق صلة الرّحم، عندما تتحوّل صلة الأرحام إلى عصبية القرابة والدّم، وتطغى على القيم والعدالة.

 عن رسول الله (ص) أنّه قال: "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا، فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: "تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ". وفي حديث آخر: قَالَ: "تَحْجِزُهُ عَنِ الظُّلْمِ، فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ". إذاً المساندة والتّكاتف والمؤازرة مطلوبة، ولكن ليس على حساب العدل والحقِّ والحلال.

ليكن شهرَ التّواصل

أيّها الأخوة والأخوات:

 فلنجعل هذا الشهر شهر إعادة التّواصل مع أرحامنا، وشهر تعزيز التّواصل معهم بكلّ سبل التواصل؛ بالزّيارات، وبالإعانة، والمساعدة المادية والمعنوية، وبكلّ ألوان الصّلة، وحتى بالسَّلام والرسائل. وهذا أقلّ ما هو مطلوب منّا في مجتمع نخشى أن نفقد دفء هذه العلاقة، ونشهد سيطرة المصالح الشخصيّة والفوائد الماديّة على ما سواها.

كتبنا الله من المتواصلين في شهر رمضان، وفي كلّ الشّهر، وندعو بدعاء الإمام زين العابدين (ع) في مكارم الأخلاق: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَسَدِّدْنِي لأَنْ أُعَارِضَ مَنْ غَشَّنِي بِالنُّصْحِ، وَأَجْزِيَ مَنْ هَجَرَنِي بِالْبِرِّ، وَأُثِيبَ مَنْ حَرَمَنِي بِالْبَذْلِ، وَأُكَافِيَ مَنْ قَطَعَنِي بِالصِّلَةِ، وَأُخَالِفَ مَنِ اغْتَابَنِي إِلَى حُسْنِ الذِّكْرِ".

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخطبة الثّانية

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بما دعانا إليه الله سبحانه في هذا الشّهر، عندما قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، فالتقوى هي غاية صيامنا، ومن دونها، لن نحقِّق هدف الصِّيام، ولن نكتب عند الله من الصَّائمين، فحتى نكون واثقين من صيامنا، لا بدَّ من أن نعرض أنفسنا على صفات المتَّقين، أن نكون على شاكلتهم.

ومَن غير الإمام عليّ (ع)، إمام المتَّقين، أجدر بتبيان هذه الصّفات؟! فقد ورد أنه قال عنهم: "فالمتّقون فيها هم أهل الفضائل، منطقهم الصّواب، وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم التّواضع، غضّوا أبصارهم عمّا حرم الله عليهم، ووقفوا أسماعهم على العلم النّافع لهم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالتي نزلت في الرّخاء، ولولا الأجل الذي كتب لهم، لم تستقرّ أرواحهم في أجسادهم طرفة عين، شوقاً إلى الثّواب، وخوفاً من العقاب. فمن علامة أحدهم، أنّك ترى له قوّة في دين، وحزماً في لين، وإيماناً في يقين، وحرصاً في علم، وعلماً في حلم، وقصداً في غنى، وخشوعاً في عبادة، وتجمّلاً في فاقة، وصبراً في شدّة، وطلباً في حلال، ونشاطاً في هدى، وتحرّجاً عن طمع".

جعلنا الله سبحانه من المتّقين، حتى لا نكون ممن أشار إليهم الحديث بالقول: "رُبَّ صائم ليس له من صيامه إلَّا الجوع والعطش".

الموازنة والإصلاح!

والبداية من لبنان، الَّذي تستمرّ فيه المداولات داخل مجلس الوزراء وخارجه حول الموازنة، بعدما جرى احتواء عاصفة الشّائعات التي ولَّدت مخاوف عند المواطنين، وكادت تهزّ الاستقرار الماليّ والاقتصاديّ. ونحن في الوقت الّذي لا نريد الخوض في الحديث الّذي أثير في الإعلام حول وجود أجندات خاصَّة دفعت إلى إحداث هذا الخوف الّذي تزامن مع تحرّك إضراب بعض القطاعات، وخصوصاً مصرف لبنان، إلا أنّنا ندعو القيادات السياسيَّة الحريصة على مصلحة البلد، إلى أن تتصدَّى لمن يلعب بمصير المواطنين لتحقيق مآرب خاصّة، ومن يقف عقبة أمام الإصلاح الحقيقي، ومن يحمي استمرار التّطاول على حقوق الدولة ومواصلة نهبها، ويتهرّب من مواجهة الفساد الحقيقي، لتبقى مزاريب المال العام تصبّ في جيوب النافذين من دون أية محاسبة.

إنّنا بحاجة إلى القيام بإصلاح حقيقيّ. وما يحكى عن إصلاحات تمّ التوافق على المباشرة بها، كاعتماد المعايير الموحّدة في الرواتب والتقديمات وغيرها، فنحن وإن كنّا ندعو إلى الالتزام بها، إلا أننا لا نراها كافية لإصلاح الواقع الاقتصادي. إنّنا نرى أنّ العلاج يحتاج إلى ما هو أبعد من ذلك، وهو بأن يُقدِّم الجميع حساباته ورصيده للنّاس، وأن تعود الأموال التي نُهبت من الخزينة العامَّة عن طريق السَّرقة المباشرة أو الاحتيال، حتى وإن كانت مودعة في الخارج، وأن لا تتمّ مقاربة الموازنة أو إصلاح الوضع المالي والاقتصادي من زاوية المصالح الفئويّة التي جعلت الحكومة والقيادات السياسيّة في حال تجاذب وانقسام في ما بينها، بل من زاوية مصالح اللّبنانيّين، كلّ اللّبنانيّين.

إنّنا نقول مجدَّداً، إنَّ بداية الحلّ تكمن في أن تصل القيادات في هذا البلد إلى مستوى رجال الدولة الَّذين يعملون على سيادة منطق القانون والمصلحة العامَّة وعلى التّخطيط للمستقبل، فاللّبنانيّون يشعرون، وإلى الآن، بأنَّ قياداتهم بأغلبها وكأنها على عداء مع منطق الدَّولة الذي تراه يلجم تجاوزها لما هو غير حقّ لها، أو على خصومة مع عقليَّة التّخطيط، حيث تتحرَّك في مواجهة الأزمة بمنطق ردود الفعل، وهو ما يفسِّر تناقض التّصريحات التي تصدر عن أكثر من مسؤول.

ونحن في الوقت نفسه، لانزال نرى أنّ الموازنة ينبغي أن تنطلق من رؤية حقيقيّة، ومن تخطيط يستشرف المستقبل الأفضل للوطن، ولا يكفي أن يتمَّ التّعاطي معها من خلال أرقام تُضاف من هنا أو تنزع من هناك، بل من رؤية تقوم على النهوض بالمقوِّمات الاقتصادية والإنتاجية التي يعتمد عليها كلّ بلد في نهوضه، ومن خطّة تشارك فيها كلّ القطاعات الاقتصادية والمالية، ولا تكون على حسابات الطبقات الفقيرة، حيث نخاف أن يتمّ تحميلها العبء الأكبر من تمويل كلفة العجز، وإن على جرعات، كما يحصل في ارتفاعات أسعار البنزين المدروسة، فيدفع المواطن الثَّمن، ويسدِّد كلّ شيء من جيبه، بينما تبقى المؤسَّسات والشَّركات الماليّة الكبرى، وحتى المسؤولون، بمنأى عن الحمل الكبير الذي هو بمثابة تراكمات من النّهب والهدر على مدى العقود والسنوات الماضية.

العدوّ يدمّر غزّة

وإلى غزَّة، التي شهدت قبل أيّام عدواناً صهيونيّاً جديداً استهدف عشرات المباني السكنيّة والمواقع المدنيّة، بتدميرٍ منهجيٍّ يوحي للشَّعب الفلسطيني مجدّداً، ومن خلال هذه الرّسالة التدميريّة والدمويّة التي سقط فيها عشرات الشّهداء والجرحى، بأنّه جاهزٌ للقيام بأوسع عمليّة تدمير في ظلّ صمت عربي دولي مطبق.

إننا في الوقت الذي نحيّي صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة التي أجبرت العدوّ على الاستعجال بوقف إطلاق النار، نريد للدّول العربيّة أن تتحمَّل مسؤوليَّاتها الكبرى إزاء ما يحصل من حصار وتدمير لغزّة، ومن قمع وقهر للشعب الفلسطيني داخل الضفّة الغربيّة وفلسطين العام 1948، فلا يكفي أن يقوم بعض العرب بدور الوسيط مع العدوّ لكي يشعروا بأنهم تحمّلوا المسؤوليّة عن هذا الشّعب، بل لا بدَّ من أن يكونوا في موقع الدّاعم والمدافع، بصرف النّظر عمّا نسمعه وتسمعه شعوبهم عن صفقة القرن والموقف الواضح منها.

هل تشهد المنطقة حرباً؟!

وأخيراً، إنّنا نرى أنّ محاولات الضّغط والحصار والظّلم التي تتعرض لها فلسطين وغيرها من الدول العربيّة والإسلاميّة، لإخضاعها لسياسات قوى الهيمنة العالميّة، يجب أن تقابل من شعوب العالم ودوله بالرّفض التامّ، لمعارضتها للقوانين الدولية، ولأنها يمكن أن تؤدّي إلى تطوّرات تتعدى الضغوط الاقتصادية الهائلة، لتصل إلى مستوى متصاعد من الحرب النفسيّة التي تهيّئ لحروب عسكرية، ونحن نشهد في هذه الأيّام فصلاً من فصولها، عبر التلويح الأميركي بإرسال حاملة طائرات إلى مياه الخليج. ونحن في الوقت الذي لا نستبعد وجود رغبة لدى العدو الصهيوني بإشعال حرب أميركية ــ إيرانيّة يعكسها التحريض الإسرائيلي اليومي المتزايد، نرى أن الحرب ليست نزهة، وأنها ستترك ــ في حال حصولها ــ آثاراً كارثيّة، ليس على صعيد المنطقة فحسب، بل على الصّعيد العالمي أيضاً.

 

 

 

 

 

تغطيات وتقارير,العلّامة فضل الله, بيروت, خطبة الجمعة, مسجد الحسنين (ع), حارة حريك
Print
جميع الحقوق محفوظة, قناة الإيمان الفضائية