Logo Logo
الرئيسية
البرامج
جدول البرامج
الأخبار
مع السيد
مرئيات
تكنولوجيا وطب
أخبار العالم الإسلامي
تغطيات وتقارير
أخبار فلسطين
العالم العربي والعالم
المزيد
مسلسلات
البرامج الميدانية
البرامج التخصصية
برامج السيرة
البرامج الثقافية
برامج الأطفال
البرامج الوثائقية
برامج التغطيات والتكنولوجيا
المزيد

العلّامة فضل الله: الاهتمام بالصّحّة من أولويّات الإسلام

20 تموز 18 - 17:22
مشاهدة
614
مشاركة

ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله ، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبتيه:

 

قال الله في كتابه العزيز: {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}. صدق الله العظيم.

 

نعمة الصحّة

 

إنّ من أهمّ النعم التي ينعم الله بها على الإنسان في الحياة، نعمة الصحّة، والتي غالباً ما يغفل عنها ولا يشعر بأهميّتها إلّا عندما يفقدها. وإلى هذا، أشار الإمام عليّ(ع) بقوله: "نعمتان مجهولتان؛ الصحّة والأمان". وقد قيل إنّ "الصحّة تاج على رؤوس الأصحّاء". فالصحّة هي المدخل لبلوغ العقل السليم، لذا يقال: "العقل السليم في الجسم السليم"، لأنّها تسمح بأداء المسؤوليّات والقيام بالواجبات، فالإنسان لا يستطيع القيام بمسؤوليّات الدنيا أو الآخرة، أو أداء واجباته، إن لم تتوفّر هذه الصحّة. وفي غياب الصحة، هو لا يستمتع بلذّات الحياة أو شهواتها أو بجمالها. وإلى هذا أشارت الأحاديث: "بالصحة تستكمل اللّذّة"، "أَلاَ وإِنَّ مِنَ الْبَلاَءِ الفاقة، وَأَشَدُّ مِنَ الْفَاقَةِ مَرَضُ الْبَدَن".

وفي الحديث: "من أصبح وأمسى معافى في بدنه، آمناً في سربه، عنده قوت يومه، فإن كانت عنده الرابعة، فقد تمّت عليه النعمة في الدّنيا والآخرة، وهو الإسلام" .

ولذلك، كان رسول الله يوصي أصحابه أن يسألوا الله العافية، فيقول: "سلوا الله العفو والعافية؛ فإنَّ أحدًا لم يعطَ بعد اليقين خيرًا من العافية". وقال لأحد أصحابه عندما سأله عن دعاء هو الأفضل، قال: "تَسْأَلُ رَبَّكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَإِنَّكَ إِذَا أُعْطِيتَهُمَا فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ أُعْطِيتَهُمَا فِي الْآخِرَةِ، فَقَدْ أَفْلَحْتَ".

 

توجيهات الإسلام

 

ولم يكتف الإسلام بالدعوة إلى الاهتمام بالصحة واعتبارها من أولويّاته، بل سنّ تشريعاته وتوجيهاته لبلوغها، وهو استخدم في ذلك أسلوب الوقاية، عندما دعا إلى الطهارة. والطهارة في اللغة، تعني أعلى درجات النظافة. وقد ورد في الحديث: "الطهارة شطر الإيمان"، فلا إيمان بدونها. وفي الحديث: "طَهِّرُوا هَذِهِ الأَجْسَادَ طَهَّرَكُمُ اللهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَبِيتُ طَاهِراً إِلا بَاتَ مَعَهُ فِي شِعَارِهِ مَلَكٌ، لا يَنْقَلِبُ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ إِلا قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِكَ فَإِنَّهُ بَاتَ طَاهِراً".

وفي الحديث: "الطّاهر النّائم كالصّائم القائم".

والطهارة؛ طهارة البدن وطهارة الثياب، جعلا في الإسلام شرطاً لصحّة الوقوف بين يدي الله في الصلاة، فلا تقبل إلا بطهور، ولصحة الطواف في الحجّ. ومن باب الطهارة، كان تشريع الوضوء والأغسال الواجبة والمستحبّة. ومن الواضح الدّور الذي يقومان به في تعزيز الطهارة لدى الإنسان.

وفي توجيه آخر لبلوغ الصحّة، حثّ الإسلام على الاعتدال في الطعام والشراب، وعدم الإسراف فيهما، وقد أشار القرآن الكريم إلى أهمّ مبدأ صحّي، بقوله: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا} .ومن المعروف طبيّاً، أنّ أكثر مشاكل الإنسان الصحية، هي نتاج عدم التوازن في طعامه وشرابه، والإسراف فيهما. ولذلك، لا بدّ من أن يكون رقيباً على ما يدخله إلى معدته. وقد ورد في الحديث عن رسول الله(ص): "المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدّواء".

وجاء التوجيه الثالث ليدعو إلى إعطاء البدن حقَّه من الراحة، لأنّ فقدانها يهدّد الصحة، ويفقد الجسم حيويّته وقدرته على القيام بأعبائه ومسؤوليّاته، ولذلك، ورد عن رسول الله(ص)، عندما رأى رجلاً يرهق نفسه بالعبادة، بحيث لا يقوم بواجباته تجاه حاجات بدنه، فلا ينام اللّيل، ويصوم النهار، فقال له: "نم وافطر، فإنَّ لبدنك عليك حقّاً". وفي حديث آخر: "لا ينبغي للمؤمن أن يذلَّ نفسه". وعندما قيل له: وكيف يذلّ نفسه؟ قال(ص): "يتعرَّض إلى ما لا يطيق"، أي أن يحمِّل نفسه أكثر من طاقته.
أمّا التوجيه الرابع، فجاء ليدعو إلى الحفاظ على البيئة التي يعيش فيها الإنسان، بالحفاظ على نظافة المساكن والطرقات وأماكن التجمّع، وعدم التسبب بتلوّث مياه الأنهار والبحار والهواء، لأنها تشكّل بيئة خصبة لانتشار الأمراض. وفي ذلك، ورد التحذير من الله سبحانه: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا}، وفي ذلك، قول رسول الله(ص): "عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا، فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا الْأَذَى يُمَاطُ عَنْ الطَّرِيق"، أو أي مكان يصل إليه.
والتوجيه الأخير الذي نريد الإشارة إليه، مما ورد في العديد من النصوص الإسلامية، هو تحريم كلّ ما يسبّب الضّرر للإنسان. وإلى هذا أشار الله، عندما تحدّث عن المشروع الّذي جاء به رسول الله(ص) إلى الناس، والذي هو موجود في التّوراة والإنجيل: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ}.
فقد أشار الله سبحانه إلى أنه أحلّ الطيّبات من الطعام والشّراب والشّهوات، لأثرها الإيجابي في الصحة الجسدية، وحرّم كلّ ما يسبّب الضّرر للإنسان على كلّ الصّعد.
ومن هنا، جاء تحريم الخمر على سبيل المثال، ومن الواضح أثره الصحّي والجسدي السلبي في عقل الإنسان، وتحريم الميته والدم ولحم الخنزير، وكلّ حيوان يتغذّى على القذارات والنجاسات.

 

الاهتمام بالصحَّة النفسيَّة

 

ولم يقف الأمر في دعوة الإسلام إلى الصحة عند الصحة الجسدية، بل امتدَّ إلى الصحّة النفسيّة، عندما عزَّز في الإنسان روح التفاؤل، وهذا يحقِّقه التوكّل على الله، والرِّضا بقضائه وقدره، وبالتَّواصل معه، وفي تجنب التطيّر والتشاؤم والجزع والاستغراق في الحزن، والنظر إلى الإيجابيّات في الأشياء، وعدم الاستغراق في السلبيّات. ورد في الحديث: "ليس منّا من تطيّر أو تُطيِّر له".
لذا، كان رسول الله(ص) يحبّ الفأل الحسن، ويكره التطيّر، وكان يأمر من رأى شيئاً يكرهه ويتطيّر به، أن يقول: "اللّهمّ لا يأتي بالحسنات إلّا أنت، ولا يدفع السيّئات إلا أنت، ولا حول ولا قوّة إلا بك".
وقد بلغ اهتمام الإسلام بالصحة، أنه لم يجز للإنسان أن يقوم بالعبادات، رغم أهميّتها، إن هي تسبّبت بالأذى الجسديّ له، وحتى يكفي في ذلك احتمال الضّرر. ولا ينبغي أن نغفل، ونحن نتحدّث عن نظرة الإسلام إلى موضوع الصحة، دعوته إلى الاهتمام بالرياضة والحثّ عليها، لما لها من دور في بناء الجسم القويّ، وحمايته من الأمراض والأعراض التي قد تصيبه.

وفي ذلك، ورد التوجيه للآباء بأن يعلّموا أولادهم السباحة والرّماية وركوب الخيل، كأحد أوجه الرّياضة التي كانت موجودةً آنذاك، ولذلك، لا ينبغي الوقوف عند هذه الأنواع فقط من الرياضة.

 

مسؤوليّةٌ للدنيا والآخرة

 

لقد جعل الإسلام نعمة الصحّة مسؤوليّة، والتي سيُسأَل الإنسان عنها عندما يقف بين يدي الله، وهو ما أشار إليه الله سبحانه وتعالى: { لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} .فالإنسان كما سيُسأَل عن تقصيره الدّيني، سيُسأَل عن تقصيره الجسدي. ومن المسؤوليّة أن يستفيد الإنسان من وقت الصحة قبل أن يضعف جسمه أو يبتلى بالأمراض، فقد ورد في الحديث:  اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغُلِكَ"...
 ومن المسؤوليَّة أن يمتلك الإنسان ثقافة صحية تمكّنه من التعرّف إلى ما يؤدّي إلى الإضرار بصحّته، وأن يصونها من كلّ ما قد يسيء إليها. وهذا علمٌ يجب تحصيله، وأن يعمل على تحصين صحته، وذلك بالوقاية، بأن يقيها من كلّ ما يتسبَّب لها بالضّرر، ويفقدها حيويتها وفعاليتها، فالإنسان ليس حراً في أن يكون نظيفاً أو لا يكون، أو أن يعتدل في طعامه وشرابه أو لا يعتدل، أو أن يرتاح أو لا يرتاح، أو أن يهدِّد صحته أو لا يهدِّدها، أو أن يهمل صحّته أو لا يهملها، أو أن يجري فحوصات طبيّة أو وقائيّة أو لا...
وعند المرض، فإن مسؤوليته أن يلجأ إلى الطّبيب للعلاج، ولا بدَّ من أن يتبع ما يأمر به الطّبيب، ويأخذ بنصائحه بحذافيرها، فلا يجوز له عدم اتّباعها عندما يأمره بإجراء فحوصات، أو أخذ دواء، أو إجراء عمليَّة هي ضروريّة له، أو ترك أيّ نوع من الطعام أو الشراب، وغير ذلك، فالله سبحانه وتعالى جعل هذه الأجساد التي تحملنا أمانةً في أعناقنا، حتى نؤدّي بها مسؤوليَّاتنا، ونقوم بواجباتنا تجاه أنفسنا وأولادنا أو إخوتنا، وكلّ من  حملنا مسؤوليَّتهم، فإذا قصَّرنا، فإننا نقصّر بأمانة الله عندنا، ونقصّر بمسؤوليّاتنا الملقاة على عاتقنا، وسنحمل تبعات ذلك عندما نقف بين يدي الله، حيث ينادى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْؤولُونَ}.
فلندعُ الله سبحانه وتعالى من كلّ قلوبنا: "اللّهمّ ألبسنا عافيتك وعافية الدنيا والآخرة"، ولنسأل الله أن يمنَّ علينا بالصحّة والأمن والسلامة في الدّين والبدن والبصيرة في القلب.

 

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخطبة الثّانية

 

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بالاستفادة من السّلام الذي ينبغي أن نستشعره في هذا الشهر؛ شهر ذي القعدة، وهو واحد من الأشهر الحرم التي نصّ الله عليها في القرآن الكريم، عندما قال: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ الله يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ}، وهي رجب، وذو القعدة، وذو الحجّة، ومحرَّم، هذه الأشهر التي يحرم فيها القتال إلا دفاعاً عن النفس.

وقد سمي هذا الشهر بذي القعدة، لأنَّ المسلمين كانوا يقعدون في هذا الشهر عن القتال. والسّلام الذي يريده الله من هذا الشّهر، لا يقف عند إيقاف النزاعات والحروب، بل يشمل تجميد النزاعات التي تحصل بين الناس خلاله، سواء كانت داخل العائلة الواحدة، أو في القرى والأحياء. وهذا ليس خياراً، بل هو واجب، وهو أكثر ما نحتاجه في ظلّ تفاقم الأزمات والتوترات والحروب والصّراعات التي تشهدها ساحاتنا، لنأخذ لأنفسنا فترة هدوء، ونكون أكثر تبصّراً وقدرةً على مواجهة التحدّيات.

 

مراوحة سياسيّة!

 

والبداية من لبنان، الَّذي لاتزال عقد الحكومة فيه على حالها، وهي لا توحي بقرب تأليف الحكومة، فلاتزال المواقف التي تمنع حصول تقدّم في هذا المجال على حالها، رغم حرص رئيس الحكومة المكلَّف على إشاعة أجواء التفاؤل، ولكنّ ذلك يبقى في إطار التمنّيات.

في هذا الوقت، ينشغل اللبنانيون بالسجالات التي تدور بين العديد من القوى السياسية، وهي إن استمرت، فستزيد من انقساماتهم، لأنها سرعان ما تأخذ بعداً طائفياً أو مذهبياً أو سياسياً حاداً، أو تؤدّي إلى إحباطهم.

ونحن أمام هذا الواقع، نعيد دعوة كلّ القوى السياسيّة إلى ضرورة أن تبذل أقصى جهودها، وتقدّم التضحيات لإخراج البلد من حالة المراوحة التي يعيشها، وعدم اعتبار التّأخير الحاصل في تأليف الحكومة، كما يتمّ تداوله، حالة طبيعية اعتادها اللّبنانيون في فترات سابقة، فهي قد تكون عادية، وقد تمرّر عندما تكون الظروف طبيعيَّة، لا كهذه الظروف التي نعيشها في هذه الأيام، حيث التأزّم في الوضع الاقتصادي والمالي، أو في ظلّ أوضاع معيشية متردّية يعانيها كلّ اللبنانيين، إضافةً إلى العديد من الملفات الضاغطة التي يُنتظَر من الحكومة أن تقوم بها، ناهيك بما يجري من مساومات دولية على حدود هذا البلد أو خارج محيطه، والتي قد تكون على حسابه أو تترك تأثيراتها فيه.

من هنا، فإنَّنا نقف مع أيِّ تحرك يساهم في تحريك الملفّ الحكومي، والذي لا ينبغي أن يعطى بعداً طائفياً قد يشعر البعض بأنه يمسّ بصلاحيات رئيس الحكومة، بل لا بدَّ من اعتبار هذا التحرّك عوناً له لإزالة الحواجز من طريقه. وفي هذا المجال، فإننا نرى لرئيس الجمهورية دوراً ينتظره منه اللّبنانيون، كحكم وكراعٍ للدستور، وللموقع الأبويّ الذي يحظى به عند القوى في الساحة اللبنانيّة، لتفادي تصاعد السجالات، ولحلِّ العقد أمام تأليف الحكومة، وهذا ما نرجو أن تحمله الأيام القادمة، ولا سيّما أنَّ العهد هو أوَّل المتضرّرين من التأخير الحكوميّ.

 

لإزالة الحرمان.. ولكن!

 

في هذا الوقت، لا بدَّ من أن نتوقَّف عند السجال الذي جرى ويجري حول الغبن الَّذي يشعر به أبناء البقاع عموماً في الخدمات والوظائف، والذي تظهره وسائل الإعلام وأغلب الدّراسات والإحصاءات التي تهتمّ بمناطق الحرمان في لبنان.

ونحن في هذا المجال، نرى أنَّ من المسؤوليّة أن نقف مع أهالي هذه المنطقة المحرومة التي نعرف معاناتها، ونشدّ على يد كلّ من يرفع صوته لإزالتها، ولكنَّنا في الوقت نفسه، ندعو إلى أن لا يتمّ هذا الأمر بالطّريقة التي تثير المناطق بعضها على بعض، بحيث يؤدّي الأمر إلى صراع بين المناطق، وكأنَّ هناك منطقة معيّنة هي التي تحرم منطقة أخرى، فيؤدّي إلى انقسام داخليّ لا يريده أحد، بل أن يكون الصوت واحداً من قبل كلّ القوى والفعاليات السياسيّة وغير السياسيّة، لإزالة الحرمان عن هذه المنطقة وكلّ المناطق اللبنانية، فلا ينبغي أن يكون هناك إنسان محروم أو منطقة محرومة في هذا البلد.

 

معاناة العراقيّين

 

وإلى العراق، الذي بدأت أصوات الناس فيه بالارتفاع بعد وصول المعاناة إلى أشدّها، مما أظهرته هذه المرّة التظاهرات التي خرجت في أكثر من محافظة من محافظات العراق، بفعل التردّي المزري في الخدمات التي يعانيها المواطنون العراقيّون في أوضاعهم المعيشية، ولا سيّما في الكهرباء والماء، في ظلّ موجة الحرّ القاسية التي تجتاح العراق... وكلّ ذلك، لا يعود إلى عدم قدرة الدولة وعدم توفر الإمكانات لديها، فالعراق بلد غنيّ بثرواته النفطية، بل هو بفعل الفساد المستشري وغير المسبوق الذي أصاب، ولايزال يصيب مؤسّسات هذا البلد ويترك آثاره المدمرة فيه.

إنَّنا في ظلِّ هذا الواقع المؤسف في العراق، نقف مع مطالب الشّعب العراقيّ الذي ينبغي أن يحظى بكرامته وحقّه في العيش الكريم، وأن لا يبقى وحش الفساد جاثماً على صدره، ونريد للقوى السياسيّة التي تشكّل ألوان الطيف العراقي، أن ترتفع إلى مستوى آلام الناس ومعاناتهم، بإجراء مراجعة لأدائها السياسي طوال المرحلة السابقة، ولأسلوب تعاملها مع المسؤوليّات التي تحمَّلتها طوال فترة تواجدها في الحكومات، وتأكيد أقوالها بالأفعال، من خلال الخروج ببرامج عمليّة تلبي مطالب المتظاهرين وجمهور الناس الغاضبين، كي لا تستمرّ الاعتراضات التي قد يدخل من خلالها من يريد العبث بأمن العراق، لإدخاله في المسار الذي دخلت فيه العديد من الدول العربيَّة.

 

مَن يواجه المؤامرة؟!

 

وإلى فلسطين، حيث القرار الصادر بالأمس عن الكنيست الصهيوني، بإعلان إسرائيل دولة قومية للشعب اليهودي، والذي يشكّل تهديداً مباشراً لوجود عرب 48 ولغيرهم في هذا الكيان، ويسمح للاستيطان اليهودي بأن يتمدَّد على كامل قرى فلسطين، بعد اعتبار هذا البلد مقراً لكلّ الشتات اليهودي في العالم.

إننا أمام ذلك، ندعو إلى الوقوف في وجه هذا المخطَّط ومواجهته بشتى الوسائل، كي لا يصبح أمراً واقعاً بعد تشريعه، وهذا يستدعي موقفاً من الدّول التي اعترفت بهذا الكيان، ومن الدول العربيّة والإسلامية. ونحن في ذلك، ندعو إلى العمل لتوحيد كلّ قوى المقاومة الفلسطينية، والوقوف سوياً في وجه المؤامرات التي تستهدف الجميع.

Plus
T
Print
كلمات مفتاحية

العالم العربي والعالم

السيد علي فضل الله

مسجد الحسنين (ع)

خطبة الجمعة

يهمنا تعليقك

أحدث الحلقات

فقه الشريعة موسم 2018

حضانة الأطفال في الإسلام - فقه الشريعة

14 تشرين الثاني 18

يسألونك عن الإنسان والحياة

يسألونك عن الإنسان والحياة 14-11-2018

14 تشرين الثاني 18

نقطة ببحر

نقطة ببحر 13-11-2018

13 تشرين الثاني 18

تحت الضوء - الموسم الرابع

ر

10 تشرين الثاني 18

يسألونك عن الإنسان والحياة

يسألونك عن الإنسان والحياة 06-11-2018

06 تشرين الثاني 18

يسألونك عن الإنسان والحياة

يسألونك عن الإنسان والحياة 05-11-2018

05 تشرين الثاني 18

يسألونك عن الإنسان والحياة

يسألونك عن الإنسان والحياة 2-11-2018

02 تشرين الثاني 18

يسألونك عن الإنسان والحياة

يسألونك عن الإنسان والحياة 1-11-2018

01 تشرين الثاني 18

يسألونك عن الإنسان والحياة

يسألونك عن الإنسان والحياة 31-10-2018

31 تشرين الأول 18

يسألونك عن الإنسان والحياة

يسألونك عن الإنسان والحياة - 29-10-2018

29 تشرين الأول 18

أصحاب الرسالة

اصحاب الرسالة - عمرو بن قرضة الأنصاري

28 تشرين الأول 18

أرض الطف

أرض الطف الحلقة الثالثة

26 تشرين الأول 18

ألقى سماحة العلامة السيد علي فضل الله ، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبتيه:

 

قال الله في كتابه العزيز: {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}. صدق الله العظيم.

 

نعمة الصحّة

 

إنّ من أهمّ النعم التي ينعم الله بها على الإنسان في الحياة، نعمة الصحّة، والتي غالباً ما يغفل عنها ولا يشعر بأهميّتها إلّا عندما يفقدها. وإلى هذا، أشار الإمام عليّ(ع) بقوله: "نعمتان مجهولتان؛ الصحّة والأمان". وقد قيل إنّ "الصحّة تاج على رؤوس الأصحّاء". فالصحّة هي المدخل لبلوغ العقل السليم، لذا يقال: "العقل السليم في الجسم السليم"، لأنّها تسمح بأداء المسؤوليّات والقيام بالواجبات، فالإنسان لا يستطيع القيام بمسؤوليّات الدنيا أو الآخرة، أو أداء واجباته، إن لم تتوفّر هذه الصحّة. وفي غياب الصحة، هو لا يستمتع بلذّات الحياة أو شهواتها أو بجمالها. وإلى هذا أشارت الأحاديث: "بالصحة تستكمل اللّذّة"، "أَلاَ وإِنَّ مِنَ الْبَلاَءِ الفاقة، وَأَشَدُّ مِنَ الْفَاقَةِ مَرَضُ الْبَدَن".

وفي الحديث: "من أصبح وأمسى معافى في بدنه، آمناً في سربه، عنده قوت يومه، فإن كانت عنده الرابعة، فقد تمّت عليه النعمة في الدّنيا والآخرة، وهو الإسلام" .

ولذلك، كان رسول الله يوصي أصحابه أن يسألوا الله العافية، فيقول: "سلوا الله العفو والعافية؛ فإنَّ أحدًا لم يعطَ بعد اليقين خيرًا من العافية". وقال لأحد أصحابه عندما سأله عن دعاء هو الأفضل، قال: "تَسْأَلُ رَبَّكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَإِنَّكَ إِذَا أُعْطِيتَهُمَا فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ أُعْطِيتَهُمَا فِي الْآخِرَةِ، فَقَدْ أَفْلَحْتَ".

 

توجيهات الإسلام

 

ولم يكتف الإسلام بالدعوة إلى الاهتمام بالصحة واعتبارها من أولويّاته، بل سنّ تشريعاته وتوجيهاته لبلوغها، وهو استخدم في ذلك أسلوب الوقاية، عندما دعا إلى الطهارة. والطهارة في اللغة، تعني أعلى درجات النظافة. وقد ورد في الحديث: "الطهارة شطر الإيمان"، فلا إيمان بدونها. وفي الحديث: "طَهِّرُوا هَذِهِ الأَجْسَادَ طَهَّرَكُمُ اللهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَبِيتُ طَاهِراً إِلا بَاتَ مَعَهُ فِي شِعَارِهِ مَلَكٌ، لا يَنْقَلِبُ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ إِلا قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِكَ فَإِنَّهُ بَاتَ طَاهِراً".

وفي الحديث: "الطّاهر النّائم كالصّائم القائم".

والطهارة؛ طهارة البدن وطهارة الثياب، جعلا في الإسلام شرطاً لصحّة الوقوف بين يدي الله في الصلاة، فلا تقبل إلا بطهور، ولصحة الطواف في الحجّ. ومن باب الطهارة، كان تشريع الوضوء والأغسال الواجبة والمستحبّة. ومن الواضح الدّور الذي يقومان به في تعزيز الطهارة لدى الإنسان.

وفي توجيه آخر لبلوغ الصحّة، حثّ الإسلام على الاعتدال في الطعام والشراب، وعدم الإسراف فيهما، وقد أشار القرآن الكريم إلى أهمّ مبدأ صحّي، بقوله: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا} .ومن المعروف طبيّاً، أنّ أكثر مشاكل الإنسان الصحية، هي نتاج عدم التوازن في طعامه وشرابه، والإسراف فيهما. ولذلك، لا بدّ من أن يكون رقيباً على ما يدخله إلى معدته. وقد ورد في الحديث عن رسول الله(ص): "المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدّواء".

وجاء التوجيه الثالث ليدعو إلى إعطاء البدن حقَّه من الراحة، لأنّ فقدانها يهدّد الصحة، ويفقد الجسم حيويّته وقدرته على القيام بأعبائه ومسؤوليّاته، ولذلك، ورد عن رسول الله(ص)، عندما رأى رجلاً يرهق نفسه بالعبادة، بحيث لا يقوم بواجباته تجاه حاجات بدنه، فلا ينام اللّيل، ويصوم النهار، فقال له: "نم وافطر، فإنَّ لبدنك عليك حقّاً". وفي حديث آخر: "لا ينبغي للمؤمن أن يذلَّ نفسه". وعندما قيل له: وكيف يذلّ نفسه؟ قال(ص): "يتعرَّض إلى ما لا يطيق"، أي أن يحمِّل نفسه أكثر من طاقته.
أمّا التوجيه الرابع، فجاء ليدعو إلى الحفاظ على البيئة التي يعيش فيها الإنسان، بالحفاظ على نظافة المساكن والطرقات وأماكن التجمّع، وعدم التسبب بتلوّث مياه الأنهار والبحار والهواء، لأنها تشكّل بيئة خصبة لانتشار الأمراض. وفي ذلك، ورد التحذير من الله سبحانه: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا}، وفي ذلك، قول رسول الله(ص): "عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا، فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا الْأَذَى يُمَاطُ عَنْ الطَّرِيق"، أو أي مكان يصل إليه.
والتوجيه الأخير الذي نريد الإشارة إليه، مما ورد في العديد من النصوص الإسلامية، هو تحريم كلّ ما يسبّب الضّرر للإنسان. وإلى هذا أشار الله، عندما تحدّث عن المشروع الّذي جاء به رسول الله(ص) إلى الناس، والذي هو موجود في التّوراة والإنجيل: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ}.
فقد أشار الله سبحانه إلى أنه أحلّ الطيّبات من الطعام والشّراب والشّهوات، لأثرها الإيجابي في الصحة الجسدية، وحرّم كلّ ما يسبّب الضّرر للإنسان على كلّ الصّعد.
ومن هنا، جاء تحريم الخمر على سبيل المثال، ومن الواضح أثره الصحّي والجسدي السلبي في عقل الإنسان، وتحريم الميته والدم ولحم الخنزير، وكلّ حيوان يتغذّى على القذارات والنجاسات.

 

الاهتمام بالصحَّة النفسيَّة

 

ولم يقف الأمر في دعوة الإسلام إلى الصحة عند الصحة الجسدية، بل امتدَّ إلى الصحّة النفسيّة، عندما عزَّز في الإنسان روح التفاؤل، وهذا يحقِّقه التوكّل على الله، والرِّضا بقضائه وقدره، وبالتَّواصل معه، وفي تجنب التطيّر والتشاؤم والجزع والاستغراق في الحزن، والنظر إلى الإيجابيّات في الأشياء، وعدم الاستغراق في السلبيّات. ورد في الحديث: "ليس منّا من تطيّر أو تُطيِّر له".
لذا، كان رسول الله(ص) يحبّ الفأل الحسن، ويكره التطيّر، وكان يأمر من رأى شيئاً يكرهه ويتطيّر به، أن يقول: "اللّهمّ لا يأتي بالحسنات إلّا أنت، ولا يدفع السيّئات إلا أنت، ولا حول ولا قوّة إلا بك".
وقد بلغ اهتمام الإسلام بالصحة، أنه لم يجز للإنسان أن يقوم بالعبادات، رغم أهميّتها، إن هي تسبّبت بالأذى الجسديّ له، وحتى يكفي في ذلك احتمال الضّرر. ولا ينبغي أن نغفل، ونحن نتحدّث عن نظرة الإسلام إلى موضوع الصحة، دعوته إلى الاهتمام بالرياضة والحثّ عليها، لما لها من دور في بناء الجسم القويّ، وحمايته من الأمراض والأعراض التي قد تصيبه.

وفي ذلك، ورد التوجيه للآباء بأن يعلّموا أولادهم السباحة والرّماية وركوب الخيل، كأحد أوجه الرّياضة التي كانت موجودةً آنذاك، ولذلك، لا ينبغي الوقوف عند هذه الأنواع فقط من الرياضة.

 

مسؤوليّةٌ للدنيا والآخرة

 

لقد جعل الإسلام نعمة الصحّة مسؤوليّة، والتي سيُسأَل الإنسان عنها عندما يقف بين يدي الله، وهو ما أشار إليه الله سبحانه وتعالى: { لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} .فالإنسان كما سيُسأَل عن تقصيره الدّيني، سيُسأَل عن تقصيره الجسدي. ومن المسؤوليّة أن يستفيد الإنسان من وقت الصحة قبل أن يضعف جسمه أو يبتلى بالأمراض، فقد ورد في الحديث:  اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغُلِكَ"...
 ومن المسؤوليَّة أن يمتلك الإنسان ثقافة صحية تمكّنه من التعرّف إلى ما يؤدّي إلى الإضرار بصحّته، وأن يصونها من كلّ ما قد يسيء إليها. وهذا علمٌ يجب تحصيله، وأن يعمل على تحصين صحته، وذلك بالوقاية، بأن يقيها من كلّ ما يتسبَّب لها بالضّرر، ويفقدها حيويتها وفعاليتها، فالإنسان ليس حراً في أن يكون نظيفاً أو لا يكون، أو أن يعتدل في طعامه وشرابه أو لا يعتدل، أو أن يرتاح أو لا يرتاح، أو أن يهدِّد صحته أو لا يهدِّدها، أو أن يهمل صحّته أو لا يهملها، أو أن يجري فحوصات طبيّة أو وقائيّة أو لا...
وعند المرض، فإن مسؤوليته أن يلجأ إلى الطّبيب للعلاج، ولا بدَّ من أن يتبع ما يأمر به الطّبيب، ويأخذ بنصائحه بحذافيرها، فلا يجوز له عدم اتّباعها عندما يأمره بإجراء فحوصات، أو أخذ دواء، أو إجراء عمليَّة هي ضروريّة له، أو ترك أيّ نوع من الطعام أو الشراب، وغير ذلك، فالله سبحانه وتعالى جعل هذه الأجساد التي تحملنا أمانةً في أعناقنا، حتى نؤدّي بها مسؤوليَّاتنا، ونقوم بواجباتنا تجاه أنفسنا وأولادنا أو إخوتنا، وكلّ من  حملنا مسؤوليَّتهم، فإذا قصَّرنا، فإننا نقصّر بأمانة الله عندنا، ونقصّر بمسؤوليّاتنا الملقاة على عاتقنا، وسنحمل تبعات ذلك عندما نقف بين يدي الله، حيث ينادى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْؤولُونَ}.
فلندعُ الله سبحانه وتعالى من كلّ قلوبنا: "اللّهمّ ألبسنا عافيتك وعافية الدنيا والآخرة"، ولنسأل الله أن يمنَّ علينا بالصحّة والأمن والسلامة في الدّين والبدن والبصيرة في القلب.

 

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخطبة الثّانية

 

عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بالاستفادة من السّلام الذي ينبغي أن نستشعره في هذا الشهر؛ شهر ذي القعدة، وهو واحد من الأشهر الحرم التي نصّ الله عليها في القرآن الكريم، عندما قال: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ الله يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ}، وهي رجب، وذو القعدة، وذو الحجّة، ومحرَّم، هذه الأشهر التي يحرم فيها القتال إلا دفاعاً عن النفس.

وقد سمي هذا الشهر بذي القعدة، لأنَّ المسلمين كانوا يقعدون في هذا الشهر عن القتال. والسّلام الذي يريده الله من هذا الشّهر، لا يقف عند إيقاف النزاعات والحروب، بل يشمل تجميد النزاعات التي تحصل بين الناس خلاله، سواء كانت داخل العائلة الواحدة، أو في القرى والأحياء. وهذا ليس خياراً، بل هو واجب، وهو أكثر ما نحتاجه في ظلّ تفاقم الأزمات والتوترات والحروب والصّراعات التي تشهدها ساحاتنا، لنأخذ لأنفسنا فترة هدوء، ونكون أكثر تبصّراً وقدرةً على مواجهة التحدّيات.

 

مراوحة سياسيّة!

 

والبداية من لبنان، الَّذي لاتزال عقد الحكومة فيه على حالها، وهي لا توحي بقرب تأليف الحكومة، فلاتزال المواقف التي تمنع حصول تقدّم في هذا المجال على حالها، رغم حرص رئيس الحكومة المكلَّف على إشاعة أجواء التفاؤل، ولكنّ ذلك يبقى في إطار التمنّيات.

في هذا الوقت، ينشغل اللبنانيون بالسجالات التي تدور بين العديد من القوى السياسية، وهي إن استمرت، فستزيد من انقساماتهم، لأنها سرعان ما تأخذ بعداً طائفياً أو مذهبياً أو سياسياً حاداً، أو تؤدّي إلى إحباطهم.

ونحن أمام هذا الواقع، نعيد دعوة كلّ القوى السياسيّة إلى ضرورة أن تبذل أقصى جهودها، وتقدّم التضحيات لإخراج البلد من حالة المراوحة التي يعيشها، وعدم اعتبار التّأخير الحاصل في تأليف الحكومة، كما يتمّ تداوله، حالة طبيعية اعتادها اللّبنانيون في فترات سابقة، فهي قد تكون عادية، وقد تمرّر عندما تكون الظروف طبيعيَّة، لا كهذه الظروف التي نعيشها في هذه الأيام، حيث التأزّم في الوضع الاقتصادي والمالي، أو في ظلّ أوضاع معيشية متردّية يعانيها كلّ اللبنانيين، إضافةً إلى العديد من الملفات الضاغطة التي يُنتظَر من الحكومة أن تقوم بها، ناهيك بما يجري من مساومات دولية على حدود هذا البلد أو خارج محيطه، والتي قد تكون على حسابه أو تترك تأثيراتها فيه.

من هنا، فإنَّنا نقف مع أيِّ تحرك يساهم في تحريك الملفّ الحكومي، والذي لا ينبغي أن يعطى بعداً طائفياً قد يشعر البعض بأنه يمسّ بصلاحيات رئيس الحكومة، بل لا بدَّ من اعتبار هذا التحرّك عوناً له لإزالة الحواجز من طريقه. وفي هذا المجال، فإننا نرى لرئيس الجمهورية دوراً ينتظره منه اللّبنانيون، كحكم وكراعٍ للدستور، وللموقع الأبويّ الذي يحظى به عند القوى في الساحة اللبنانيّة، لتفادي تصاعد السجالات، ولحلِّ العقد أمام تأليف الحكومة، وهذا ما نرجو أن تحمله الأيام القادمة، ولا سيّما أنَّ العهد هو أوَّل المتضرّرين من التأخير الحكوميّ.

 

لإزالة الحرمان.. ولكن!

 

في هذا الوقت، لا بدَّ من أن نتوقَّف عند السجال الذي جرى ويجري حول الغبن الَّذي يشعر به أبناء البقاع عموماً في الخدمات والوظائف، والذي تظهره وسائل الإعلام وأغلب الدّراسات والإحصاءات التي تهتمّ بمناطق الحرمان في لبنان.

ونحن في هذا المجال، نرى أنَّ من المسؤوليّة أن نقف مع أهالي هذه المنطقة المحرومة التي نعرف معاناتها، ونشدّ على يد كلّ من يرفع صوته لإزالتها، ولكنَّنا في الوقت نفسه، ندعو إلى أن لا يتمّ هذا الأمر بالطّريقة التي تثير المناطق بعضها على بعض، بحيث يؤدّي الأمر إلى صراع بين المناطق، وكأنَّ هناك منطقة معيّنة هي التي تحرم منطقة أخرى، فيؤدّي إلى انقسام داخليّ لا يريده أحد، بل أن يكون الصوت واحداً من قبل كلّ القوى والفعاليات السياسيّة وغير السياسيّة، لإزالة الحرمان عن هذه المنطقة وكلّ المناطق اللبنانية، فلا ينبغي أن يكون هناك إنسان محروم أو منطقة محرومة في هذا البلد.

 

معاناة العراقيّين

 

وإلى العراق، الذي بدأت أصوات الناس فيه بالارتفاع بعد وصول المعاناة إلى أشدّها، مما أظهرته هذه المرّة التظاهرات التي خرجت في أكثر من محافظة من محافظات العراق، بفعل التردّي المزري في الخدمات التي يعانيها المواطنون العراقيّون في أوضاعهم المعيشية، ولا سيّما في الكهرباء والماء، في ظلّ موجة الحرّ القاسية التي تجتاح العراق... وكلّ ذلك، لا يعود إلى عدم قدرة الدولة وعدم توفر الإمكانات لديها، فالعراق بلد غنيّ بثرواته النفطية، بل هو بفعل الفساد المستشري وغير المسبوق الذي أصاب، ولايزال يصيب مؤسّسات هذا البلد ويترك آثاره المدمرة فيه.

إنَّنا في ظلِّ هذا الواقع المؤسف في العراق، نقف مع مطالب الشّعب العراقيّ الذي ينبغي أن يحظى بكرامته وحقّه في العيش الكريم، وأن لا يبقى وحش الفساد جاثماً على صدره، ونريد للقوى السياسيّة التي تشكّل ألوان الطيف العراقي، أن ترتفع إلى مستوى آلام الناس ومعاناتهم، بإجراء مراجعة لأدائها السياسي طوال المرحلة السابقة، ولأسلوب تعاملها مع المسؤوليّات التي تحمَّلتها طوال فترة تواجدها في الحكومات، وتأكيد أقوالها بالأفعال، من خلال الخروج ببرامج عمليّة تلبي مطالب المتظاهرين وجمهور الناس الغاضبين، كي لا تستمرّ الاعتراضات التي قد يدخل من خلالها من يريد العبث بأمن العراق، لإدخاله في المسار الذي دخلت فيه العديد من الدول العربيَّة.

 

مَن يواجه المؤامرة؟!

 

وإلى فلسطين، حيث القرار الصادر بالأمس عن الكنيست الصهيوني، بإعلان إسرائيل دولة قومية للشعب اليهودي، والذي يشكّل تهديداً مباشراً لوجود عرب 48 ولغيرهم في هذا الكيان، ويسمح للاستيطان اليهودي بأن يتمدَّد على كامل قرى فلسطين، بعد اعتبار هذا البلد مقراً لكلّ الشتات اليهودي في العالم.

إننا أمام ذلك، ندعو إلى الوقوف في وجه هذا المخطَّط ومواجهته بشتى الوسائل، كي لا يصبح أمراً واقعاً بعد تشريعه، وهذا يستدعي موقفاً من الدّول التي اعترفت بهذا الكيان، ومن الدول العربيّة والإسلامية. ونحن في ذلك، ندعو إلى العمل لتوحيد كلّ قوى المقاومة الفلسطينية، والوقوف سوياً في وجه المؤامرات التي تستهدف الجميع.

العالم العربي والعالم,السيد علي فضل الله, مسجد الحسنين (ع), خطبة الجمعة
Print
جميع الحقوق محفوظة, قناة الإيمان الفضائية