Logo Logo
الرئيسية
البرامج
جدول البرامج
الأخبار
مع السيد
مرئيات
مسلسلات
البرامج الميدانية
البرامج التخصصية
برامج السيرة
البرامج الثقافية
برامج الأطفال
البرامج الوثائقية
برامج التغطيات والتكنولوجيا
المزيد

العلامة فضل الله: حذار من مغبة إدخال المفردات الطائفية والمناطقية في التعامل مع هذا الوباء

21 آذار 20 - 14:50
مشاهدة
295
مشاركة

حديث الجمعة 20 آذار 2020 لسماحة العلامة السيد علي فضل الله 

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}

إنّ من رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده، أن فتح لهم باب الاستغفار والعودة إليه عندما يصابون بالغفلة، أو يضعفون أمام شهوات الدنيا وغرائزها، أو عندما تسيطر عليهم الأهواء والمصالح والعصبيّات، أو عندما يعصون الله ولا يبالون بما أمرهم به ونهاهم عنه، بعدما كان قادراً على أن يغلق هذا الباب عنهم، وأن يحمّلهم تبعات ما فعلوا وما جنته أيديهم، لينتظروا بعدها العذاب والعقاب.

وقد سهّل لهم السبيل إلى ذلك، فلم يمنعه عن فتح باب الاستغفار كثرة ذنوبهم وخطاياهم، ولم يجعله مقيَّداً بمكان أو زمان، ولم يحدّده بوسائط لا بدّ للإنسان أن يمر عبرها، فيكفي الإنسان المذنب أن يتوجّه إلى الله حتى يجده تواباً رحيماً، وهذا وعد منه، والله لا يخلف وعده، وهو ما أشارت إليه الآيات القرآنية: {وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَّحِيمًا}، {وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ}، {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ  إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}...

وهو عزّ وجلّ قال للذين قد يتجاوزون الحدود ويفرّطون في التقصير: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}.

كما أشار إلى ذلك في الحديث القدسيّ: "يا بن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السّماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي. يا بن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً، لأتيتك بقرابها مغفرة".

وفي حديث عن رسول الله (ص): "أكثروا من الاستغفار، فإنَّ الله عزّ وجلّ لم يعلّمكم الاستغفار إلا وهو يريد أن يغفر لكم".

ولم يكتف الله بأن جعل الاستغفار باباً ووسيلة أمان للتطهّر من الذنوب وتنقية العلاقة به، فقد شجّع سبحانه عليه عندما اعتبره عبادة، بل خير عبادة، فقد ورد في الحديث: "خير العبادة الاستغفار"، وجعله من أفضل الذّكر، فأفضل الذكر الاستغفار، وهو المطهّر من الذنوب والمعاصي، ولذلك كان رسول الله (ص) يقول لأصحابه: "يا أيُّها النَّاسُ، توبوا إلى ربِّكم، فوالَّذي نفسي بيدِهِ، إنِّي لأستغفِرُ اللهَ وأتوبُ إليهِ في اليومِ أَكثرَ من سبعينَ مرّةٍ".

ومن فضله تعالى، أنه اعتبره باباً للحصول على عطاء الله، فبسببه تنزل النّعم على عباده، وهذا ما أشار إليه الله عندما قال: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا}.

{اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ}.

وفي الحديث: "مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ، جَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمّ فرجاً".

وقد ورد في الحديث: "عجبت لمن يقنط ومعه الاستغفار".

والاستغفار، أيّها الأحبّة، ليس مطلوباً فحسب في حالة تقصير العبد في القيام بترك الفرائض وارتكاب المحرّمات، بل يتعدّى ذلك إلى حالة عدم القيام بمسؤوليّاته تجاه من حمل مسؤوليّتهم، كحالة الأب والأمّ عندما يتنصَّل أحدهما أو يقصّر عن القيام بمسؤوليَّته تجاه أولاده، أو الزوج تجاه زوجته أو تجاه أرحامه، أو الجار تجاه جاره، أو المؤمن تجاه المؤمن الآخر، أو ربّ العمل تجاه عمّاله، أو العمّال تجاه ربّ عملهم، أو الحاكم تجاه المحكومين وتجاه رعيّته. فالإنسان في مثل هذه الحالات يحتاج إلى الاستغفار، وإلى ذلك كان يشير الإمام زين العابدين (ع) في دعائه، عندما كان يقول: "أَللَّهُمَّ إنِّي أَعْتَـذِرُ إلَيْـكَ مِنْ مَـظْلُوم ظُلِمَ بِحَضْرَتِي فَلَمْ أَنْصُرْهُ، وَمِنْ مَعْرُوف أُسْدِيَ إلَيَّ فَلَمْ أَشْكُرْهُ، وَمِنْ مُسِيء اعْتَذَرَ إلَيَّ فَلَمْ أَعْذِرْهُ، وَمِنْ ذِيْ فَاقَة سَأَلَنِي فَلَمْ أُوثِرْهُ، وَمِنْ حَقِّ ذي حَقٍّ لَزِمَنِي لِمُؤْمِن فَلَمْ أوَفِّرْهُ".

وكان (ع) يقول أيضاً: "اَللّـهُمَّ اِنّي أسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ نَذْر نَذَرْتُهُ، وَكُلِّ وَعْد وَعَدْتُهُ، وَكُلِّ عَهْد عاهَدْتُهُ ثُمَّ لَمْ أفِ بِهِ، وَأَسْأَلُكَ فى مَظالِمِ عِبادِكَ عِنْدي، فَأيَّما عَبْد مِنْ عَبيدِكَ أوْ أمَة مِنْ إمائِكَ، كانَتْ لَهُ قِبَلي مَظْلِمَةٌ ظَلَمْتُها إيّاهُ، في نَفْسِهِ أوْ في عِرْضِهِ أوْ في مالِهِ، أوْ في أهْلِهِ وَوَلَدِهِ، أوْ غيبَةٌ اغْتَبْتُهُ بِها، أوْ تَحامُلٌ عَلَيْهِ بِمَيْلٍ أوْ هَوىً، أوْ أنَفَة أوْ حَمِيَّة أوْ رِياء أوْ عَصَبِيَّة، غائِباً كانَ أوْ شاهِداً، وَحَيّاً كانَ أوْ مَيِّتاً".

أما كيفيّة الاستغفار، فهي لا تقف عند اللّسان كما قد يعتقد البعض، بل هي أعمق من ذلك، وقد بيّن الإمام عليّ (ع) طريقها عندما سئل عن الاستغفار، فقال: "تَدْرِي مَا اَلاسْتِغْفَارُ؟ إِنَّ لِلاسْتِغْفَارِ دَرَجَةَ اَلْعِلِّيِّينَ، اَلاِسْتِغْفَارُ دَرَجَةُ اَلْعِلِّيِّينَ، وَهُوَ اِسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى سِتَّةِ مَعَانٍ؛ أَوَّلُهَا اَلنَّدَمُ عَلَى مَا مَضَى، وَاَلثَّانِي اَلْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ اَلْعَوْدِ إِلَيْهِ أَبَداً، وَاَلثَّالِثُ أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى اَلْمَخْلُوقِينَ حُقُوقَهُمْ حَتَّى تَلْقَى اَللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمْلَسَ لَيْسَ عَلَيْكَ تَبِعَةٌ، وَاَلرَّابِعُ أَنْ تَعْمِدَ إِلَى كُلِّ فَرِيضَةٍ عَلَيْكَ ضَيَّعْتَهَا فَتُؤَدِّيَ حَقَّهَا، وَاَلْخَامِسُ أَنْ تَعْمِدَ إِلَى اَللَّحْمِ اَلَّذِي نَبَتَ عَلَى اَلسُّحْتِ فَتُذِيبَهُ بِالْأَحْزَانِ حَتَّى تُلْصِقَ اَلْجِلْدَ بِالْعَظْمِ، وَيَنْشَأَ بَيْنَهُمَا لَحْمٌ جَدِيدٌ، وَاَلسَّادِسُ أَنْ تُذِيقَ اَلْجِسْمَ أَلَمَ اَلطَّاعَةِ كَمَا أَذَقْتَهُ حَلاَوَةَ اَلْمَعْصِيَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَقُولُ أَسْتَغْفِرُ اَللهَ".

ولذلك أيّها الأحبة، فلنبادر إلى إصلاح علاقتنا بالله من خلال هذه العبادة، حتى لا يشوب هذه العلاقة أيّ سوء، فإذا صلحت صلحت علاقاتنا بأنفسنا وبكلّ الناس من حولنا، وإن فرطنا بها وفوّتناها على أنفسنا، فسنفقد أهمّ علاقة تربطنا بالله، والإنسان يمكن أن يفرّط بأي علاقة أو يستغني عن أيّ أحد إلا عن الله. فلنبادر ولنسارع، ولا نقل غداً أو بعد غد، أو عندما نذهب إلى الحجّ أو الزيارة، بل لنسارع كما دعانا الله عزّ وجلّ إليه: { وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}.

{وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ}.

وبذلك نكون من أولئك المتّقين الذين قال الله عنهم: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ}.

والله عند وعده بالاستجابة والقبول، وهو أرحم الراحمين، بابه مفتوح للتائبين، بل هو كما قال، يحبّ التوّابين ويحبّ المتطهّرين والمتّقين.

إننا أحوج ما نكون في هذه الظروف الصعبة إلى ردم هذه الهوّة بيننا وبين الله، أن نعيد تصويب المسار، حتى ينظر إلينا نظرة رحيمة، حيث ينعم الّذين يعودون إليه بالمغفرة والرّحمة والتّسديد، وإزالة الهمّ والغمّ، وتحقيق الفرج والأمان من العذاب، وفي ذلك قوله: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}.

ولنغتنم فرصة هذا الشّهر قبل أن ينقضي، وهو شهر أشار رسول الله إلى أنّه شهر الاستغفار والرّحمة، فأكثروا التوبة والاستغفار فيه، فإنه غفور رحيم، وهو الّذي سمي بالرجب الأصبّ، لأن رحمته تعالى تصبّ فيه. 

الدّعاء في مواجهة الابتلاءات

يقول الله في كتابه الكريم: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}، {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآَخَرِينَ وَكَانَ اللهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيراً}.

 تشير هاتان الآيتان إلى حقيقة لا بدَّ للإنسان أن لا يغفل عنها، وهو أنَّه مهما علا وكثرت إمكانيّاته وقدراته، فسيبقى مفتقراً إلى الله في كلّ شؤونه، عظيماً كان الشّأن أو حقيراً، من أمر الدين كان أو من أمر الدّنيا، سيبقى مفتقراً إليه سبحانه لتأمين كل حاجاته، ولبلوغ أمنه وتحصيل قوته، ولمواجهة الأمراض ودفع البلاء.

لا واسطة مع الله

والله سبحانه لم يكتف أن يهيِّئ للإنسان كلّ ما يحتاج إليه من أمور دينه ودنياه، وتوفير كلّ السّبل له إلى ذلك، بل فتح له الباب واسعاً للتَّواصل معه عند الحاجة، ولبثّ همومه وشكاواه عندما تواجهه الأزمات والأمراض، وهو سهّل له ذلك، فلم يجعل هناك وسيطاً بينه وبينه، ولا جعل هناك قواعد وأصولاً للتّواصل.

فالإنسان يمكنه أن يتحدَّث إلى الله سبحانه عمّا يريده من دون مقدّمات، وهذا ما أشار إليه الإمام عليّ (ع) في وصيّته للإمام الحسن (ع): "أعلم أنّ الذي بيده خزائن ملكوت الدّنيا والآخرة قد أذن لدعائك، وتكفّل لإجابتك، وأمرك أن تسأله فيعطيك، وتسترحمه ليرحمك، ولم يجعل بينك وبينه من يحجبك عنه، ولم يلجئك إلى من يشفع لك إليه، ثم جعل في يدك مفاتيح خزائنه بما أذن فيه من مسألته، فمتى شئت استفتحت بالدّعاء...".

فالدعاء هو منحة الله لعباده فتحه لهم، وهو من رغّبهم به عندما قال: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي}، وقال: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}...

والله سبحانه لا يمكن أن يخذل عبده إن توجَّه إليه بقلبه وعقله وكلّ كيانه.

أهميّة الدّعاء

وقد أشارت الأحاديث الكثيرة إلى أهميَّة الدّعاء، ومدى تأثيره في مواجهة الابتلاءات التي يتعرّض لها الإنسان، فقد ورد: "عليكم بالدّعاء، فإنّ الدعاء لله، والطلب إلى الله يردّ البلاء وقد قدّر وقضي ولم يبق إلا إمضاؤه، فإذا دعي الله عزّ وجلّ وسئل، صرف البلاء صرفة".

وفي حديث آخر: "الدّعاء يدفع البلاء النّازل وما لم ينزل".

وفي الحديث: "ادفعوا أمواج البلاء عنكم بالدّعاء قبل ورود البلاء".

وقد ورد في الحديث: "من قرع باب الله سبحانه فتح له".

وفي الحديث: "ما فتح الله عزَّ وجلَّ على أحدٍ باب مسألة فخزن عنه باب الإجابة".

أقوام نجوا بالدّعاء

ولتأكيد هذه الحقيقة، أشار الله سبحانه إلى أممٍ وأفرادٍ ردَّ الله عنهم البلاء، عندما تضرّعوا إليه وتذلّلوا له، فهو حدّثنا عن قوم يونس (ع)، أنّه بعدما تركهم نبيّهم ليأسه من هداهم، وتوعّدهم بأنّ العقاب سيصيبهم كما أصاب أقواماً سابقين، عادوا إلى رشدهم، فخرجوا إلى الله سبحانه يتضرّعون إليه كباراً وصغاراً، حتى يردّ عنهم العذاب، فلمّا رأى الله منهم صدق النيّة بالدّعاء والتوجّه إليه، منع عنهم العذاب ومتّعهم إلى حين، وفي ذلك نزلت الآية: {فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آَمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ}.

وأشار الله سبحانه عن شفائه لأيوب (ع)، بعدما ابتلي بالمرض العضال، لما دعاه: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ}.

وقد تحدَّث عن إنجاء يونس (ع) من بطن الحوت، عندما دعاه: {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ}.

وهو ما حصل مع أصحاب رسول الله (ص) الذين لجأوا إلى الله، لما جاءهم الخبر أنَّ أبا سفيان قد أعدَّ عدّته لغزو المدينة، مستغلّاً النّكسة التي حصلت للمسلمين في معركة أُحد، والجراح التي كانوا أصيبوا بها، فجاءهم  التّأييد الإلهي: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ}.

وهكذا جاء الإمداد الإلهيّ في معركة بدر: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ}.

في مواجهة الابتلاءات

لذلك أيّها الأحبّة: فلنتوجَّه إلى الله سبحانه بقلوبنا وعقولنا، لنواجه ابتلاءات الحياة ومصاعبها وحوادثها وما يجري فيها، ولنستخدم هذا السّلاح الفعّال المجرّب، والذي هو سلاح الأنبياء، وهو سلاح كلّ مؤمن.

فقد ورد في الحديث الشَّريف: "الدّعاء سلاح المؤمن"، "الدّعاء ترس المؤمن"، و"لا يهلك مع الدّعاء أحد".

من شروط الدّعاء

ولكن يبقى علينا مسؤوليّة، أن نحقّق شروط الدعاء في أنفسنا؛ بأن ندعو الله ونحن على ثقة به، وأنّه القادر على تغيير حالنا.

ومن شروط استجابة الدّعاء أن نعرف الله بصفاته، فقد سئل الإمام الصَّادق (ع): لماذا ندعو ولا يستجاب لنا؟ قال: "لأنَّكم تدعون مَن لا تعرفونه".. أن تدعوه بلسان غير بذيء وبقلب نقيّ، فلا يقبل دعاء من كان لسانه بذيئاً وسليطاً، ولا من كان قلبه غير صاف، وأن ندعو الله ونضع الأمور عنده، فهو أعلم بالمصلحة.

وكلّ هذا بعد أن نقوم بمسؤوليّتنا ولا نقصّر فيها، فالله لا يقبل دعاء البطّالين الكسولين المقصّرين، الذي يريدون من الله أن يحقّق لهم ما يريدون من دون أن يقوموا بواجبهم.

ولذا ورد في الحديث: "أربعة لا يستجاب لهم دعاء: رجل جالس في بيته يقول: يا ربّ ارزقني، فيقول الله له: ألم آمرك بالطلب؟! ورجل كانت له امرأة فدعا عليها فيقول: ألم أجعل أمرها بيدك؟! ورجل كان له مال فأفسده فيقول: يا ربّ ارزقني، فيقول له: ألم آمرك بالاقتصاد؟! ألم آمرك بالإصلاح؟!... ورجل كان له مال فأدانه بغير بيّنة، فيقول: ألم آمرك بالشّهادة؟!".

المؤمن لا ييأس

أيّها الأحبّة: إنّنا نعيش في مرحلة هي من أصعب المراحل المطلوب فيها أن لا نيأس، فالمؤمن لا يمكن أن ييأس بعد أن فتح له الله باباً واسعاً إليه، علينا أن نطرقه بكلّ ثقة وإيمان، هو بأيدينا، فلنتوجّه إليه، ولندع من كلّ قلوبنا بعدما نقوم بدورنا، والله عند ظنّ عبده به.

ولنقل: اللَّهمّ ألبسنا عافيتك، وجلّلنا عافيتك، وحصّنّا بعافيتك، وتصدَّق علينا بعافيتك، واحرسنا عافيتك، ولا تفرّق بيننا وبين عافيتك في الدّنيا والآخرة.

 

 

 

 

Plus
T
Print
كلمات مفتاحية

أخبار العالم الإسلامي

موقف الجمعة

حديث الجمعة

السيد علي فضل الله

لبنان

دعاء

كورونا

يهمنا تعليقك

أحدث الحلقات

أذن واعية

أذن واعية - الموسم الثاني | الحلقة الثالثة عشرة

28 شباط 20

أذن واعية

أذن واعية - الموسم الثاني | الحلقة الثانية عشرة

21 شباط 20

أذن واعية

أذن واعية - الموسم الثاني | الحلقة الحادية عشرة

14 شباط 20

زوايا

زوايا | الحلقة الحادية عشرة

13 شباط 20

أذن واعية

أذن واعية - الموسم الثاني | الحلقة العاشرة

07 شباط 20

زوايا

زوايا | الحلقة العاشرة

06 شباط 20

أذن واعية

أذن واعية - الموسم الثاني | الحلقة التاسعة

31 كانون الثاني 20

أذن واعية

أذن واعية - الموسم الثاني | الحلقة الثامنة

24 كانون الثاني 20

أذن واعية

أذن واعية - الموسم الثاني | الحلقة السابعة

17 كانون الثاني 20

أذن واعية

أذن واعية - الموسم الثاني | الحلقة الخامسة

03 كانون الثاني 20

أذن واعية

أذن واعية - الموسم الثاني | الحلقة الثالثة

27 كانون الأول 19

زوايا

زوايا - الحلقة الثالثة

19 كانون الأول 19

حديث الجمعة 20 آذار 2020 لسماحة العلامة السيد علي فضل الله 

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}

إنّ من رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده، أن فتح لهم باب الاستغفار والعودة إليه عندما يصابون بالغفلة، أو يضعفون أمام شهوات الدنيا وغرائزها، أو عندما تسيطر عليهم الأهواء والمصالح والعصبيّات، أو عندما يعصون الله ولا يبالون بما أمرهم به ونهاهم عنه، بعدما كان قادراً على أن يغلق هذا الباب عنهم، وأن يحمّلهم تبعات ما فعلوا وما جنته أيديهم، لينتظروا بعدها العذاب والعقاب.

وقد سهّل لهم السبيل إلى ذلك، فلم يمنعه عن فتح باب الاستغفار كثرة ذنوبهم وخطاياهم، ولم يجعله مقيَّداً بمكان أو زمان، ولم يحدّده بوسائط لا بدّ للإنسان أن يمر عبرها، فيكفي الإنسان المذنب أن يتوجّه إلى الله حتى يجده تواباً رحيماً، وهذا وعد منه، والله لا يخلف وعده، وهو ما أشارت إليه الآيات القرآنية: {وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَّحِيمًا}، {وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ}، {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ  إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}...

وهو عزّ وجلّ قال للذين قد يتجاوزون الحدود ويفرّطون في التقصير: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}.

كما أشار إلى ذلك في الحديث القدسيّ: "يا بن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السّماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي. يا بن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً، لأتيتك بقرابها مغفرة".

وفي حديث عن رسول الله (ص): "أكثروا من الاستغفار، فإنَّ الله عزّ وجلّ لم يعلّمكم الاستغفار إلا وهو يريد أن يغفر لكم".

ولم يكتف الله بأن جعل الاستغفار باباً ووسيلة أمان للتطهّر من الذنوب وتنقية العلاقة به، فقد شجّع سبحانه عليه عندما اعتبره عبادة، بل خير عبادة، فقد ورد في الحديث: "خير العبادة الاستغفار"، وجعله من أفضل الذّكر، فأفضل الذكر الاستغفار، وهو المطهّر من الذنوب والمعاصي، ولذلك كان رسول الله (ص) يقول لأصحابه: "يا أيُّها النَّاسُ، توبوا إلى ربِّكم، فوالَّذي نفسي بيدِهِ، إنِّي لأستغفِرُ اللهَ وأتوبُ إليهِ في اليومِ أَكثرَ من سبعينَ مرّةٍ".

ومن فضله تعالى، أنه اعتبره باباً للحصول على عطاء الله، فبسببه تنزل النّعم على عباده، وهذا ما أشار إليه الله عندما قال: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا}.

{اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ}.

وفي الحديث: "مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ، جَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمّ فرجاً".

وقد ورد في الحديث: "عجبت لمن يقنط ومعه الاستغفار".

والاستغفار، أيّها الأحبّة، ليس مطلوباً فحسب في حالة تقصير العبد في القيام بترك الفرائض وارتكاب المحرّمات، بل يتعدّى ذلك إلى حالة عدم القيام بمسؤوليّاته تجاه من حمل مسؤوليّتهم، كحالة الأب والأمّ عندما يتنصَّل أحدهما أو يقصّر عن القيام بمسؤوليَّته تجاه أولاده، أو الزوج تجاه زوجته أو تجاه أرحامه، أو الجار تجاه جاره، أو المؤمن تجاه المؤمن الآخر، أو ربّ العمل تجاه عمّاله، أو العمّال تجاه ربّ عملهم، أو الحاكم تجاه المحكومين وتجاه رعيّته. فالإنسان في مثل هذه الحالات يحتاج إلى الاستغفار، وإلى ذلك كان يشير الإمام زين العابدين (ع) في دعائه، عندما كان يقول: "أَللَّهُمَّ إنِّي أَعْتَـذِرُ إلَيْـكَ مِنْ مَـظْلُوم ظُلِمَ بِحَضْرَتِي فَلَمْ أَنْصُرْهُ، وَمِنْ مَعْرُوف أُسْدِيَ إلَيَّ فَلَمْ أَشْكُرْهُ، وَمِنْ مُسِيء اعْتَذَرَ إلَيَّ فَلَمْ أَعْذِرْهُ، وَمِنْ ذِيْ فَاقَة سَأَلَنِي فَلَمْ أُوثِرْهُ، وَمِنْ حَقِّ ذي حَقٍّ لَزِمَنِي لِمُؤْمِن فَلَمْ أوَفِّرْهُ".

وكان (ع) يقول أيضاً: "اَللّـهُمَّ اِنّي أسْتَغْفِرُكَ لِكُلِّ نَذْر نَذَرْتُهُ، وَكُلِّ وَعْد وَعَدْتُهُ، وَكُلِّ عَهْد عاهَدْتُهُ ثُمَّ لَمْ أفِ بِهِ، وَأَسْأَلُكَ فى مَظالِمِ عِبادِكَ عِنْدي، فَأيَّما عَبْد مِنْ عَبيدِكَ أوْ أمَة مِنْ إمائِكَ، كانَتْ لَهُ قِبَلي مَظْلِمَةٌ ظَلَمْتُها إيّاهُ، في نَفْسِهِ أوْ في عِرْضِهِ أوْ في مالِهِ، أوْ في أهْلِهِ وَوَلَدِهِ، أوْ غيبَةٌ اغْتَبْتُهُ بِها، أوْ تَحامُلٌ عَلَيْهِ بِمَيْلٍ أوْ هَوىً، أوْ أنَفَة أوْ حَمِيَّة أوْ رِياء أوْ عَصَبِيَّة، غائِباً كانَ أوْ شاهِداً، وَحَيّاً كانَ أوْ مَيِّتاً".

أما كيفيّة الاستغفار، فهي لا تقف عند اللّسان كما قد يعتقد البعض، بل هي أعمق من ذلك، وقد بيّن الإمام عليّ (ع) طريقها عندما سئل عن الاستغفار، فقال: "تَدْرِي مَا اَلاسْتِغْفَارُ؟ إِنَّ لِلاسْتِغْفَارِ دَرَجَةَ اَلْعِلِّيِّينَ، اَلاِسْتِغْفَارُ دَرَجَةُ اَلْعِلِّيِّينَ، وَهُوَ اِسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى سِتَّةِ مَعَانٍ؛ أَوَّلُهَا اَلنَّدَمُ عَلَى مَا مَضَى، وَاَلثَّانِي اَلْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ اَلْعَوْدِ إِلَيْهِ أَبَداً، وَاَلثَّالِثُ أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى اَلْمَخْلُوقِينَ حُقُوقَهُمْ حَتَّى تَلْقَى اَللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمْلَسَ لَيْسَ عَلَيْكَ تَبِعَةٌ، وَاَلرَّابِعُ أَنْ تَعْمِدَ إِلَى كُلِّ فَرِيضَةٍ عَلَيْكَ ضَيَّعْتَهَا فَتُؤَدِّيَ حَقَّهَا، وَاَلْخَامِسُ أَنْ تَعْمِدَ إِلَى اَللَّحْمِ اَلَّذِي نَبَتَ عَلَى اَلسُّحْتِ فَتُذِيبَهُ بِالْأَحْزَانِ حَتَّى تُلْصِقَ اَلْجِلْدَ بِالْعَظْمِ، وَيَنْشَأَ بَيْنَهُمَا لَحْمٌ جَدِيدٌ، وَاَلسَّادِسُ أَنْ تُذِيقَ اَلْجِسْمَ أَلَمَ اَلطَّاعَةِ كَمَا أَذَقْتَهُ حَلاَوَةَ اَلْمَعْصِيَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَقُولُ أَسْتَغْفِرُ اَللهَ".

ولذلك أيّها الأحبة، فلنبادر إلى إصلاح علاقتنا بالله من خلال هذه العبادة، حتى لا يشوب هذه العلاقة أيّ سوء، فإذا صلحت صلحت علاقاتنا بأنفسنا وبكلّ الناس من حولنا، وإن فرطنا بها وفوّتناها على أنفسنا، فسنفقد أهمّ علاقة تربطنا بالله، والإنسان يمكن أن يفرّط بأي علاقة أو يستغني عن أيّ أحد إلا عن الله. فلنبادر ولنسارع، ولا نقل غداً أو بعد غد، أو عندما نذهب إلى الحجّ أو الزيارة، بل لنسارع كما دعانا الله عزّ وجلّ إليه: { وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}.

{وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ}.

وبذلك نكون من أولئك المتّقين الذين قال الله عنهم: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ}.

والله عند وعده بالاستجابة والقبول، وهو أرحم الراحمين، بابه مفتوح للتائبين، بل هو كما قال، يحبّ التوّابين ويحبّ المتطهّرين والمتّقين.

إننا أحوج ما نكون في هذه الظروف الصعبة إلى ردم هذه الهوّة بيننا وبين الله، أن نعيد تصويب المسار، حتى ينظر إلينا نظرة رحيمة، حيث ينعم الّذين يعودون إليه بالمغفرة والرّحمة والتّسديد، وإزالة الهمّ والغمّ، وتحقيق الفرج والأمان من العذاب، وفي ذلك قوله: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}.

ولنغتنم فرصة هذا الشّهر قبل أن ينقضي، وهو شهر أشار رسول الله إلى أنّه شهر الاستغفار والرّحمة، فأكثروا التوبة والاستغفار فيه، فإنه غفور رحيم، وهو الّذي سمي بالرجب الأصبّ، لأن رحمته تعالى تصبّ فيه. 

الدّعاء في مواجهة الابتلاءات

يقول الله في كتابه الكريم: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}، {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآَخَرِينَ وَكَانَ اللهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيراً}.

 تشير هاتان الآيتان إلى حقيقة لا بدَّ للإنسان أن لا يغفل عنها، وهو أنَّه مهما علا وكثرت إمكانيّاته وقدراته، فسيبقى مفتقراً إلى الله في كلّ شؤونه، عظيماً كان الشّأن أو حقيراً، من أمر الدين كان أو من أمر الدّنيا، سيبقى مفتقراً إليه سبحانه لتأمين كل حاجاته، ولبلوغ أمنه وتحصيل قوته، ولمواجهة الأمراض ودفع البلاء.

لا واسطة مع الله

والله سبحانه لم يكتف أن يهيِّئ للإنسان كلّ ما يحتاج إليه من أمور دينه ودنياه، وتوفير كلّ السّبل له إلى ذلك، بل فتح له الباب واسعاً للتَّواصل معه عند الحاجة، ولبثّ همومه وشكاواه عندما تواجهه الأزمات والأمراض، وهو سهّل له ذلك، فلم يجعل هناك وسيطاً بينه وبينه، ولا جعل هناك قواعد وأصولاً للتّواصل.

فالإنسان يمكنه أن يتحدَّث إلى الله سبحانه عمّا يريده من دون مقدّمات، وهذا ما أشار إليه الإمام عليّ (ع) في وصيّته للإمام الحسن (ع): "أعلم أنّ الذي بيده خزائن ملكوت الدّنيا والآخرة قد أذن لدعائك، وتكفّل لإجابتك، وأمرك أن تسأله فيعطيك، وتسترحمه ليرحمك، ولم يجعل بينك وبينه من يحجبك عنه، ولم يلجئك إلى من يشفع لك إليه، ثم جعل في يدك مفاتيح خزائنه بما أذن فيه من مسألته، فمتى شئت استفتحت بالدّعاء...".

فالدعاء هو منحة الله لعباده فتحه لهم، وهو من رغّبهم به عندما قال: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي}، وقال: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}...

والله سبحانه لا يمكن أن يخذل عبده إن توجَّه إليه بقلبه وعقله وكلّ كيانه.

أهميّة الدّعاء

وقد أشارت الأحاديث الكثيرة إلى أهميَّة الدّعاء، ومدى تأثيره في مواجهة الابتلاءات التي يتعرّض لها الإنسان، فقد ورد: "عليكم بالدّعاء، فإنّ الدعاء لله، والطلب إلى الله يردّ البلاء وقد قدّر وقضي ولم يبق إلا إمضاؤه، فإذا دعي الله عزّ وجلّ وسئل، صرف البلاء صرفة".

وفي حديث آخر: "الدّعاء يدفع البلاء النّازل وما لم ينزل".

وفي الحديث: "ادفعوا أمواج البلاء عنكم بالدّعاء قبل ورود البلاء".

وقد ورد في الحديث: "من قرع باب الله سبحانه فتح له".

وفي الحديث: "ما فتح الله عزَّ وجلَّ على أحدٍ باب مسألة فخزن عنه باب الإجابة".

أقوام نجوا بالدّعاء

ولتأكيد هذه الحقيقة، أشار الله سبحانه إلى أممٍ وأفرادٍ ردَّ الله عنهم البلاء، عندما تضرّعوا إليه وتذلّلوا له، فهو حدّثنا عن قوم يونس (ع)، أنّه بعدما تركهم نبيّهم ليأسه من هداهم، وتوعّدهم بأنّ العقاب سيصيبهم كما أصاب أقواماً سابقين، عادوا إلى رشدهم، فخرجوا إلى الله سبحانه يتضرّعون إليه كباراً وصغاراً، حتى يردّ عنهم العذاب، فلمّا رأى الله منهم صدق النيّة بالدّعاء والتوجّه إليه، منع عنهم العذاب ومتّعهم إلى حين، وفي ذلك نزلت الآية: {فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آَمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ}.

وأشار الله سبحانه عن شفائه لأيوب (ع)، بعدما ابتلي بالمرض العضال، لما دعاه: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ}.

وقد تحدَّث عن إنجاء يونس (ع) من بطن الحوت، عندما دعاه: {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ}.

وهو ما حصل مع أصحاب رسول الله (ص) الذين لجأوا إلى الله، لما جاءهم الخبر أنَّ أبا سفيان قد أعدَّ عدّته لغزو المدينة، مستغلّاً النّكسة التي حصلت للمسلمين في معركة أُحد، والجراح التي كانوا أصيبوا بها، فجاءهم  التّأييد الإلهي: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ}.

وهكذا جاء الإمداد الإلهيّ في معركة بدر: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ}.

في مواجهة الابتلاءات

لذلك أيّها الأحبّة: فلنتوجَّه إلى الله سبحانه بقلوبنا وعقولنا، لنواجه ابتلاءات الحياة ومصاعبها وحوادثها وما يجري فيها، ولنستخدم هذا السّلاح الفعّال المجرّب، والذي هو سلاح الأنبياء، وهو سلاح كلّ مؤمن.

فقد ورد في الحديث الشَّريف: "الدّعاء سلاح المؤمن"، "الدّعاء ترس المؤمن"، و"لا يهلك مع الدّعاء أحد".

من شروط الدّعاء

ولكن يبقى علينا مسؤوليّة، أن نحقّق شروط الدعاء في أنفسنا؛ بأن ندعو الله ونحن على ثقة به، وأنّه القادر على تغيير حالنا.

ومن شروط استجابة الدّعاء أن نعرف الله بصفاته، فقد سئل الإمام الصَّادق (ع): لماذا ندعو ولا يستجاب لنا؟ قال: "لأنَّكم تدعون مَن لا تعرفونه".. أن تدعوه بلسان غير بذيء وبقلب نقيّ، فلا يقبل دعاء من كان لسانه بذيئاً وسليطاً، ولا من كان قلبه غير صاف، وأن ندعو الله ونضع الأمور عنده، فهو أعلم بالمصلحة.

وكلّ هذا بعد أن نقوم بمسؤوليّتنا ولا نقصّر فيها، فالله لا يقبل دعاء البطّالين الكسولين المقصّرين، الذي يريدون من الله أن يحقّق لهم ما يريدون من دون أن يقوموا بواجبهم.

ولذا ورد في الحديث: "أربعة لا يستجاب لهم دعاء: رجل جالس في بيته يقول: يا ربّ ارزقني، فيقول الله له: ألم آمرك بالطلب؟! ورجل كانت له امرأة فدعا عليها فيقول: ألم أجعل أمرها بيدك؟! ورجل كان له مال فأفسده فيقول: يا ربّ ارزقني، فيقول له: ألم آمرك بالاقتصاد؟! ألم آمرك بالإصلاح؟!... ورجل كان له مال فأدانه بغير بيّنة، فيقول: ألم آمرك بالشّهادة؟!".

المؤمن لا ييأس

أيّها الأحبّة: إنّنا نعيش في مرحلة هي من أصعب المراحل المطلوب فيها أن لا نيأس، فالمؤمن لا يمكن أن ييأس بعد أن فتح له الله باباً واسعاً إليه، علينا أن نطرقه بكلّ ثقة وإيمان، هو بأيدينا، فلنتوجّه إليه، ولندع من كلّ قلوبنا بعدما نقوم بدورنا، والله عند ظنّ عبده به.

ولنقل: اللَّهمّ ألبسنا عافيتك، وجلّلنا عافيتك، وحصّنّا بعافيتك، وتصدَّق علينا بعافيتك، واحرسنا عافيتك، ولا تفرّق بيننا وبين عافيتك في الدّنيا والآخرة.

 

 

 

 

أخبار العالم الإسلامي,موقف الجمعة, حديث الجمعة, السيد علي فضل الله, لبنان, دعاء, كورونا
Print
جميع الحقوق محفوظة, قناة الإيمان الفضائية