Logo Logo
الرئيسية
البرامج
جدول البرامج
الأخبار
مع السيد
مرئيات
مسلسلات
البرامج الميدانية
البرامج التخصصية
برامج السيرة
البرامج الثقافية
برامج الأطفال
البرامج الوثائقية
برامج التغطيات والتكنولوجيا
المزيد

السيد جعفر فضل الله: ما هو دورنا في الأزمات الإنسانيَّة والاجتماعيّة؟

26 تشرين الأول 18 - 13:43
مشاهدة
171
مشاركة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المكتب الإعلامي لسماحة العلامة                                                   التاريخ: 17 صفر 1440 هـ

السيد علي فضل الله                                                          الموافق: 26 تشرين الأول 2018م

 

ألقى سماحة السيد جعفر فضل الله خطبتي صلاة الجمعة من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء فيها:


 

ما هو دورنا في الأزمات الإنسانيَّة والاجتماعيّة؟

الخطبة الأولى

أمام الواقع الاقتصادي الصّعب الذي يمرّ به العالم منذ الأزمة الاقتصادية العالمية في العام 2008، وعلى وقع الحروب الأخيرة، ما هي وظيفتنا الإيمانية تجاه ذلك؟

إنَّ الفقر حالة عامّة في مدى التاريخ، فحتى في الدول الأكثر تقدّمًا، تجد أحياء تعيش فقرًا مدقعًا، كما أنّنا نجد أن العولمة خلقت لنا في البلد الواحد مجالات في أعلى درجات الحداثة تفصلها أسوار الفقراء والذين ربّما لا يجدون قوت يومهم.

وفي الدّول التي تغيب فيها الدولة، أو ينتشر فيها الفساد، وتتحوّل مقدّراتها إلى فئة قليلة من المستأثرين، ولا ينالُ النّاس منها إلا ما هو على سبيل الرشى التي تمنُّ بها الزعامات على جماعاتها في أزمنة شراء الأصوات والذمم، يتحتّم علينا التفكير جدّيًا في حلول تنبع من رحم التكافل الاجتماعي...

ونحن في هذه العجالة، نريد أن نطرح بعض النقاط:

أوّلًا: التكافل العائلي

في كلِّ عائلةٍ ميسورون أو أغنياء، وهؤلاء يجب أن يلحظوا فقراء العائلة واحتياجاتهم الأساسيَّة، انطلاقًا من لُحمة القرابة، فلا يجوز أن يأكل أحدُهم وأخوه جائع، ولا أن يتعلّم أبناؤه وأبناء أقربائه لا يجدون الحدّ الأدنى من أقساط التعليم.

قد لا يستطيع فردٌ أن يقوم بكلِّ ذلك، ولكنّ ميسوري كلّ عائلة لو أنشاوا صندوقًا، وكلٌّ وضع فيه على قدر ما يطيق، لكفى ذلك حاجاتها ولفاض، لأنّ الإنسان عادةً ما ينظر إلى حجم المشكلة قياسًا بوضعه، ولا يفكّر بطريقة تكافلية جماعية، والله تعالى يقول: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ}. هذه الآية، وإن وردت في باب الإرث، لكنّها تشير إلى مبدأ عامّ يشمل كلّ المجالات.

ثانيًا: الجوار

لو أخذنا مبنًى سكنيًا منطلقًا للتفكير في الآتي: أليس بإمكان كلّ مبنًى أن يقوم بمبادرات بسيطة تخفّف عن الفقراء الذين قد يلتقي الإنسان بهم وهو خارج من بيته أو عائدٌ إليه؟

بدلًا من رمي الكثير من الطّعام، فإنَّ من الممكن جمعه وإيصاله إلى فقراء المبنى أو الحيّ بطريقة لائقة وبسيطة أيضًا. في بعض الروايات عن الإمام الرضا (ع) أنّ أحدهم قال له: "أكل الغلمان يومًا فاكهة، فلم يستقصوا أكلها ورموا بها"، فقال الإمام (ع): "سبحان الله! إن كنتم استغنيتم فإنّ ناسًا لم يستغنوا، أطعموه من يحتاج إليه". وقد ورد في وصيّة الإمام عليّ (ع) لمّا ضربه ابن ملجم: "الله الله في جيرانكم، فإنّهم وصيّة نبيّكم، ما زال يوصي بهم حتّى ظنّنا أنّه سيورّثهم".

ثالثًا: كبح جماح الجشع

في ظلِّ غياب الدّولة، عادةً ما يلجأ النّاس إلى استغلال حاجات بعضهم البعض. ولذلك، يثرى في أزمنة الفساد والحروب كثيرون من أبناء الشعب الفقير نفسه، ممّن أمّنت لهم الظروف بعض الفرص، وينسى هؤلاء أنّهم انطلقوا من رحم المعاناة، فيبخلون، بل قد ينطلق بعضهم ليمارس الجور والبغي على الفقراء بأقسى مما يمارسه الفاسدون في الدولة.

لو أخذنا مثالًا الكهرباء، لا للإدانة بل للتفكير الموضوعي. كم هي التكلفة الحقيقية للاشتراك الأدنى في الكهرباء (من ضمنها أكلاف الاستهلاك والصيانة والطوارئ)، ونضيف إليها النسبة المعقولة للربح؟ فكم تصبح؟ هل هذه النسبة هي ما يجري بيعه للمواطنين اليوم من أبناء جلدتهم؟ أنا لا خبرة لي في ذلك، ولكن ألا يتحدَّث الجميع عن جشع وإثراء سريع، وكثيرون من النّاس يستوعب اشتراك الكهرباء ثلث أو نصف معاشهم الشهري!

الرحمة حاجة إنسانية

يحتاج المجتمع هنا إلى رحمة! يحتاج إلى تفكير حديثي النّعمة بعائدة الأيام التي يمكن أن تصيب أولادهم. ماذا قال رسول الله (ص)؟

قال (ص): "تحنّنوا على أيتام النّاس يُتحنَّن على أيتامكم"، فإذا لم تنشروا الرحمة وتحوّلوها إلى منهج للتعاطي مع بعضكم البعض، فإنّ أبناءكم لن يجدوا في هذا المجال من يتحنّن عليهم!

كيف صوّر الله لنا مشكلة قارون - الذي نتبرّأ منه ونلعنه وقد نفعل فعله -؟

قال الله تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِي القُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ المُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ*فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكَافِرُونَ} [القصص: 79 - 82].

وأخيرًا، نختم بكلمات نفثتها نفسُ أمير المؤمنين عليّ (ع) في زمانه، وما أشبه اليوم بالبارحة!

يقول (ع): "اضْرِبْ بِطَرْفِكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ النَّاسِ، فَهَلْ تُبْصِرُ إِلاَّ فَقِيراً يُكَابِدُ فَقْراً، أَوْ غَنِيّاً بَدَّلَ نِعْمَةَ اللهِ كُفْراً، أَوْ بَخِيلاً اتَّخَذَ الْبُخْلَ بِحَقِّ اللهِ وَفْراً، أَوْ مُتَمَرِّداً كَأَنَّ بِأُذُنِهِ عَنْ سَمْعِ الْموَاعِظِ وَقْراً! أَيْنَ خِيارُكُمْ وَصُلَحَاؤُكُمْ؟! وَأَيْنَ أَحْرَارُكُمْ وَسُمَحَاؤُكُمْ؟! وَأَيْنَ الْمُتَوَرِّعُونَ في مَكَاسِبِهِمْ، والْمُتَنَزِّهُونَ فِي مَذَاهِبِهمْ؟! أَلَيْسَ قَدْ ظَعَنُوا (ارتحلوا) جَمِيعاً عَنْ هذِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ، وَالْعَاجِلَةِ المُنَغِّصَةِ، وَهَلْ خُلِّفْتُمْ إِلاَّ فِي حُثَالَة لاَ تَلْتَقِي بِذَمِّهِمْ الشَّفَتَانِ، اسْتِصْغَاراً لِقَدْرِهِمْ، وَذَهَاباً عَنْ ذِكْرِهِمْ؟! فَـ (إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)، (ظَهَرَ الْفَسَادُ) فَلاَ مُنْكِرٌ مُغَيِّرٌ، وَلاَ زَاجرٌ مُزْدَجِرٌ. أَفَبِهَذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُجَاوِرُوا اللَّهَ فِي دَارِ قُدْسِهِ وَتَكُونُوا أَعَزَّ أَوْلِيَائِهِ عِنْدَهُ؟ هَيْهَاتَ لَا يُخْدَعُ اللَّهُ عَنْ جَنَّتِهِ، وَلَا تُنَالُ مَرْضَاتُهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ. لَعَنَ اللَّهُ الْآمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ التَّارِكِينَ لَهُ، وَالنَّاهِينَ عَنِ الْمُنْكَرِ الْعَامِلِينَ بِهِ".

 وبكلمات وجّه بها الإمام الباقر (ع) شيعته. يقول الراوي، واسمه خيثمة: دخلتُ على أبي جعفر (ع) أودّعه، فقال: "يا خيثمة! أبلغ من ترى من موالينا السّلام، وأوْصِهِم بتقوى الله العظيم، وأن يعود غنيّهم على فقيرهم، وقويّهم على ضعيفهم، وأن يشهد حيُّهُم جنازة ميّتهم، وأن يتلاقوا في بيوتهم، فإنّ لُقيا بعضهم بعضًا حياةٌ لأمرنا. رحم الله من أحيى أمرَنا".

الخطبة الثانية

لا تزال المنطقة تعيش في حالة من الترقّب، جرّاء الحادثة الخطيرة التي حصلت في القنصلية السعودية في تركيا في الآونة الأخيرة، والتي لا تزال ارتداداتها السياسية والإعلامية متواصلة على قدمٍ وساقٍ...

 وبمعزل عن طبيعة ما جرى، فإننا نريد للملفات التي تفتحها الدّول على هذا الصّعيد، أن تكون محكومة بقيم حقوق الإنسان وحماية الديمقراطية وحرية التعبير، لا ملفّات للتوظيف السياسي، تدار فيها المحاكمة على طريقة المفاوضات غير المعلنة، لتعزيز المواقع، أو تصفية الحسابات، أو ممارسة الابتزاز السياسي، وإن كنا لا نعدم وجود قوى وازنة في الرأي العام الدولي تقارب الأمور من ناحية حقوقية وقانونية.

إننا، وإن كنا نستنكر ما حدث، وندعو إلى المحاسبة النزيهة، إلا إنه لا يسعنا إلا أن نشير إلى المعايير المزدوجة التي تحكم السياسة الدولية في التعاطي مع مثل هذه القضايا، ولا يملك الإنسان هنا إلا أن يستحضر قول الشّاعر:

قتلُ امرئٍ في غابةٍ جريمةٌ لا تُغتفرْ          وقتلُ شعبٍ آمنٍ مسألة فيها نظر

وهذا كلّه يدلّ على فساد منظومة القيم في السياسة العالمية. وعلى أيّة حال، لا بدّ لنا كمسلمين من أن نعتبر ونتّعظ من طريقة الإدارات الغربية في التعاطي معنا، دولًا وشعوبًا، وحتّى حكّامًا وأفرادًا، عند حصول أيّ حدثٍ قد يمثّل حرجًا لهم فيما يتّصل بعلاقات هذه الدّول، أو بعناوين حقوق الإنسان التي تدّعي الإدارة الأميركية وغيرها الحرص عليها.

إنّ هذه الإدارة، وفي ضوء مواقفها من هذه الحادثة، تعمل على معالجتها بعين المصالح التجارية ومصالح الكيان الصّهيوني، ولا تستنكف من أن تعبِّر علناً عما تريده من نهب ثرواتنا عيانًا وجهارًا، أو النظر إلينا بلا مبالاة، إلا أن نكون البقرة الحلوب لمصالحهم، والزبون المناسب لشراء الأسلحة، شرط أن لا نستخدمها إلا في الصراعات الداخلية.

إنَّنا في هذه الظّروف، ندعو إلى مراجعة وطنية وعربية وإسلامية لكلِّ سياسات المرحلة السابقة، فبلادنا لن تقوم لها قائمة إذا استمرت في سياسات التبعية للدول الكبرى، وإذا حاول كلّ بلد أن يعزز حضوره ونفوذه على حساب إخوانه من دول الجوار، وهو ما لا ينسجم مع تطلّعاتنا الإسلامية والتحررية، وخصوصاً بعد أن أثبتت التجارب المرّة أنّه لا يمكن لدولة أن تستأثر بالمنطقة دون الآخرين، إن من خلال الدخول في صراعات التدمير الذاتي، أو الإبادة الجماعية، أو التآمر على بعضنا البعض، أو الاستنزاف لطاقاتنا المتنوّعة، وهو ما يخدم القوى الدولية المسيطرة.

إنَّنا نشدّد على ضرورة التعاون المشترك بين دول المنطقة، وتسخير مقدّراتنا من أجل حماية مصالح بلداننا، والعمل على تعزيز الحضور الإسلامي والعربي المشترك في مساحة قضايا المنطقة، والاعتماد على الرمزيّة الإسلامية العالية التي تمتاز بها بعض الدّول، من أجل تحقيق التقارب والوحدة فيما بيننا.

إنّ هذا يستدعي إيقاف الحروب في المنطقة، بدءًا من اليمن وسوريا، والعمل على إعادة السلم الأهلي إلى أكثر من بلدٍ يعيش القلق الداخلي، ولا سيما في البحرين، والعمل على إعادة الاستقرار إلى ليبيا وحمايتها من النّهب والسّلب الذي يجري على قدمٍ وساق، ووقف الانخراط في سياسة الحصار الممارَس على إيران، فلن يستطيع أحد أن يلغي أحدًا مهما طال الزمن!

إنَّ اتباع سياسة المصالحة بين دول المنطقة لتعزيز السلم الأهلي في كلِّ دولة من دولها، على قاعدة استيفاء كل مكونات البلد حقوقها، هذا الأمر يحفظ بلادنا ويبعدها عن الانسياق وراء خدمة المصالح الدولية التي لا تريدنا إلا هامش سياساتها واقتصادها وفي موقع الدونية والخضوع. ولا شكّ في أنَّ العودة إلى التضامن العربي والإسلامي أثقلُ في الميزان عند الله، إن كنّا حقًّا ندين بالمعاد، وهي أقربُ إلى كلّ معاني العروبة إذا رجعنا إلى قيم عروبتنا.

وفي الختام، نأمل أن يكون هذا المخاض في لبنان فرصة للتفكّر في الطريقة التي تُدار بها أموره السياسيّة، فيكاد يصير عُرفًا أن يتأخَّر تشكيل الحكومات، بما يُشعِرُ المرءَ بأنّ التفاوض على الحكومة بين كثير من القوى السياسية يجري على قاعدة التفاوض التجاري أكثر مما هو التفاوض من أجل مصلحة الشعب، مما لا يصل بالبلد إلى شاطئ الأمان، والذي نريد من الجميع العمل في هذا السبيل بعد أن تذلَّلت أكثر العقد، فلا يجوز بعد ذلك لاعتراض هنا أو هناك أن يجمّد تشكيل الحكومة...

 إنَّ الناس تنتظر قياداتها لتباشر بإنهاء ملف التشكيل لمواجهة مشكلات البلد الاقتصادية، بدءًا من المديونية العامة، وأزماتها المعيشية من الماء والكهرباء والتلوّث، وتأمين كل الوسائل التي تقي الشعب من السيول أو البرد، وتضيء عتمة الليل اليائس، وتسمح له بالحصول على الرزق الكريم، والتفكير بمستقبلٍ آمنٍ له ولأولاده، فضلًا عن تحصين البلد في مواجهة العدوّ الذي لا يزال يبعث برسائله التهديديَّة، وليس آخرها بناء تلال اصطناعية على الحدود مع فلسطين المحتلّة، والذي يبقى هو التهديد الاستراتيجي لكل المنطقة، مهما هرول المعترفون وطبّع المطبّعون. 

 

 

Plus
T
Print
كلمات مفتاحية

العالم العربي والعالم

السيد جعفر فضل الله

مسجد الحسنين

حارة حريك

خطبة الجمعة

بيروت

يهمنا تعليقك

أحدث الحلقات

يسألونك عن الإنسان والحياة

يسألونك عن الإنسان والحياة 14-11-2018

14 تشرين الثاني 18

نقطة ببحر

نقطة ببحر 13-11-2018

13 تشرين الثاني 18

تحت الضوء - الموسم الرابع

ر

10 تشرين الثاني 18

يسألونك عن الإنسان والحياة

يسألونك عن الإنسان والحياة 06-11-2018

06 تشرين الثاني 18

يسألونك عن الإنسان والحياة

يسألونك عن الإنسان والحياة 05-11-2018

05 تشرين الثاني 18

يسألونك عن الإنسان والحياة

يسألونك عن الإنسان والحياة 2-11-2018

02 تشرين الثاني 18

يسألونك عن الإنسان والحياة

يسألونك عن الإنسان والحياة 1-11-2018

01 تشرين الثاني 18

يسألونك عن الإنسان والحياة

يسألونك عن الإنسان والحياة 31-10-2018

31 تشرين الأول 18

يسألونك عن الإنسان والحياة

يسألونك عن الإنسان والحياة - 29-10-2018

29 تشرين الأول 18

أصحاب الرسالة

اصحاب الرسالة - عمرو بن قرضة الأنصاري

28 تشرين الأول 18

أرض الطف

أرض الطف الحلقة الثالثة

26 تشرين الأول 18

أرض الطف

أرض الطف الحلقة الأولى

26 تشرين الأول 18

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المكتب الإعلامي لسماحة العلامة                                                   التاريخ: 17 صفر 1440 هـ

السيد علي فضل الله                                                          الموافق: 26 تشرين الأول 2018م

 

ألقى سماحة السيد جعفر فضل الله خطبتي صلاة الجمعة من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء فيها:

 

ما هو دورنا في الأزمات الإنسانيَّة والاجتماعيّة؟

الخطبة الأولى

أمام الواقع الاقتصادي الصّعب الذي يمرّ به العالم منذ الأزمة الاقتصادية العالمية في العام 2008، وعلى وقع الحروب الأخيرة، ما هي وظيفتنا الإيمانية تجاه ذلك؟

إنَّ الفقر حالة عامّة في مدى التاريخ، فحتى في الدول الأكثر تقدّمًا، تجد أحياء تعيش فقرًا مدقعًا، كما أنّنا نجد أن العولمة خلقت لنا في البلد الواحد مجالات في أعلى درجات الحداثة تفصلها أسوار الفقراء والذين ربّما لا يجدون قوت يومهم.

وفي الدّول التي تغيب فيها الدولة، أو ينتشر فيها الفساد، وتتحوّل مقدّراتها إلى فئة قليلة من المستأثرين، ولا ينالُ النّاس منها إلا ما هو على سبيل الرشى التي تمنُّ بها الزعامات على جماعاتها في أزمنة شراء الأصوات والذمم، يتحتّم علينا التفكير جدّيًا في حلول تنبع من رحم التكافل الاجتماعي...

ونحن في هذه العجالة، نريد أن نطرح بعض النقاط:

أوّلًا: التكافل العائلي

في كلِّ عائلةٍ ميسورون أو أغنياء، وهؤلاء يجب أن يلحظوا فقراء العائلة واحتياجاتهم الأساسيَّة، انطلاقًا من لُحمة القرابة، فلا يجوز أن يأكل أحدُهم وأخوه جائع، ولا أن يتعلّم أبناؤه وأبناء أقربائه لا يجدون الحدّ الأدنى من أقساط التعليم.

قد لا يستطيع فردٌ أن يقوم بكلِّ ذلك، ولكنّ ميسوري كلّ عائلة لو أنشاوا صندوقًا، وكلٌّ وضع فيه على قدر ما يطيق، لكفى ذلك حاجاتها ولفاض، لأنّ الإنسان عادةً ما ينظر إلى حجم المشكلة قياسًا بوضعه، ولا يفكّر بطريقة تكافلية جماعية، والله تعالى يقول: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ}. هذه الآية، وإن وردت في باب الإرث، لكنّها تشير إلى مبدأ عامّ يشمل كلّ المجالات.

ثانيًا: الجوار

لو أخذنا مبنًى سكنيًا منطلقًا للتفكير في الآتي: أليس بإمكان كلّ مبنًى أن يقوم بمبادرات بسيطة تخفّف عن الفقراء الذين قد يلتقي الإنسان بهم وهو خارج من بيته أو عائدٌ إليه؟

بدلًا من رمي الكثير من الطّعام، فإنَّ من الممكن جمعه وإيصاله إلى فقراء المبنى أو الحيّ بطريقة لائقة وبسيطة أيضًا. في بعض الروايات عن الإمام الرضا (ع) أنّ أحدهم قال له: "أكل الغلمان يومًا فاكهة، فلم يستقصوا أكلها ورموا بها"، فقال الإمام (ع): "سبحان الله! إن كنتم استغنيتم فإنّ ناسًا لم يستغنوا، أطعموه من يحتاج إليه". وقد ورد في وصيّة الإمام عليّ (ع) لمّا ضربه ابن ملجم: "الله الله في جيرانكم، فإنّهم وصيّة نبيّكم، ما زال يوصي بهم حتّى ظنّنا أنّه سيورّثهم".

ثالثًا: كبح جماح الجشع

في ظلِّ غياب الدّولة، عادةً ما يلجأ النّاس إلى استغلال حاجات بعضهم البعض. ولذلك، يثرى في أزمنة الفساد والحروب كثيرون من أبناء الشعب الفقير نفسه، ممّن أمّنت لهم الظروف بعض الفرص، وينسى هؤلاء أنّهم انطلقوا من رحم المعاناة، فيبخلون، بل قد ينطلق بعضهم ليمارس الجور والبغي على الفقراء بأقسى مما يمارسه الفاسدون في الدولة.

لو أخذنا مثالًا الكهرباء، لا للإدانة بل للتفكير الموضوعي. كم هي التكلفة الحقيقية للاشتراك الأدنى في الكهرباء (من ضمنها أكلاف الاستهلاك والصيانة والطوارئ)، ونضيف إليها النسبة المعقولة للربح؟ فكم تصبح؟ هل هذه النسبة هي ما يجري بيعه للمواطنين اليوم من أبناء جلدتهم؟ أنا لا خبرة لي في ذلك، ولكن ألا يتحدَّث الجميع عن جشع وإثراء سريع، وكثيرون من النّاس يستوعب اشتراك الكهرباء ثلث أو نصف معاشهم الشهري!

الرحمة حاجة إنسانية

يحتاج المجتمع هنا إلى رحمة! يحتاج إلى تفكير حديثي النّعمة بعائدة الأيام التي يمكن أن تصيب أولادهم. ماذا قال رسول الله (ص)؟

قال (ص): "تحنّنوا على أيتام النّاس يُتحنَّن على أيتامكم"، فإذا لم تنشروا الرحمة وتحوّلوها إلى منهج للتعاطي مع بعضكم البعض، فإنّ أبناءكم لن يجدوا في هذا المجال من يتحنّن عليهم!

كيف صوّر الله لنا مشكلة قارون - الذي نتبرّأ منه ونلعنه وقد نفعل فعله -؟

قال الله تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِي القُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ المُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ*فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكَافِرُونَ} [القصص: 79 - 82].

وأخيرًا، نختم بكلمات نفثتها نفسُ أمير المؤمنين عليّ (ع) في زمانه، وما أشبه اليوم بالبارحة!

يقول (ع): "اضْرِبْ بِطَرْفِكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ النَّاسِ، فَهَلْ تُبْصِرُ إِلاَّ فَقِيراً يُكَابِدُ فَقْراً، أَوْ غَنِيّاً بَدَّلَ نِعْمَةَ اللهِ كُفْراً، أَوْ بَخِيلاً اتَّخَذَ الْبُخْلَ بِحَقِّ اللهِ وَفْراً، أَوْ مُتَمَرِّداً كَأَنَّ بِأُذُنِهِ عَنْ سَمْعِ الْموَاعِظِ وَقْراً! أَيْنَ خِيارُكُمْ وَصُلَحَاؤُكُمْ؟! وَأَيْنَ أَحْرَارُكُمْ وَسُمَحَاؤُكُمْ؟! وَأَيْنَ الْمُتَوَرِّعُونَ في مَكَاسِبِهِمْ، والْمُتَنَزِّهُونَ فِي مَذَاهِبِهمْ؟! أَلَيْسَ قَدْ ظَعَنُوا (ارتحلوا) جَمِيعاً عَنْ هذِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ، وَالْعَاجِلَةِ المُنَغِّصَةِ، وَهَلْ خُلِّفْتُمْ إِلاَّ فِي حُثَالَة لاَ تَلْتَقِي بِذَمِّهِمْ الشَّفَتَانِ، اسْتِصْغَاراً لِقَدْرِهِمْ، وَذَهَاباً عَنْ ذِكْرِهِمْ؟! فَـ (إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)، (ظَهَرَ الْفَسَادُ) فَلاَ مُنْكِرٌ مُغَيِّرٌ، وَلاَ زَاجرٌ مُزْدَجِرٌ. أَفَبِهَذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُجَاوِرُوا اللَّهَ فِي دَارِ قُدْسِهِ وَتَكُونُوا أَعَزَّ أَوْلِيَائِهِ عِنْدَهُ؟ هَيْهَاتَ لَا يُخْدَعُ اللَّهُ عَنْ جَنَّتِهِ، وَلَا تُنَالُ مَرْضَاتُهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ. لَعَنَ اللَّهُ الْآمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ التَّارِكِينَ لَهُ، وَالنَّاهِينَ عَنِ الْمُنْكَرِ الْعَامِلِينَ بِهِ".

 وبكلمات وجّه بها الإمام الباقر (ع) شيعته. يقول الراوي، واسمه خيثمة: دخلتُ على أبي جعفر (ع) أودّعه، فقال: "يا خيثمة! أبلغ من ترى من موالينا السّلام، وأوْصِهِم بتقوى الله العظيم، وأن يعود غنيّهم على فقيرهم، وقويّهم على ضعيفهم، وأن يشهد حيُّهُم جنازة ميّتهم، وأن يتلاقوا في بيوتهم، فإنّ لُقيا بعضهم بعضًا حياةٌ لأمرنا. رحم الله من أحيى أمرَنا".

الخطبة الثانية

لا تزال المنطقة تعيش في حالة من الترقّب، جرّاء الحادثة الخطيرة التي حصلت في القنصلية السعودية في تركيا في الآونة الأخيرة، والتي لا تزال ارتداداتها السياسية والإعلامية متواصلة على قدمٍ وساقٍ...

 وبمعزل عن طبيعة ما جرى، فإننا نريد للملفات التي تفتحها الدّول على هذا الصّعيد، أن تكون محكومة بقيم حقوق الإنسان وحماية الديمقراطية وحرية التعبير، لا ملفّات للتوظيف السياسي، تدار فيها المحاكمة على طريقة المفاوضات غير المعلنة، لتعزيز المواقع، أو تصفية الحسابات، أو ممارسة الابتزاز السياسي، وإن كنا لا نعدم وجود قوى وازنة في الرأي العام الدولي تقارب الأمور من ناحية حقوقية وقانونية.

إننا، وإن كنا نستنكر ما حدث، وندعو إلى المحاسبة النزيهة، إلا إنه لا يسعنا إلا أن نشير إلى المعايير المزدوجة التي تحكم السياسة الدولية في التعاطي مع مثل هذه القضايا، ولا يملك الإنسان هنا إلا أن يستحضر قول الشّاعر:

قتلُ امرئٍ في غابةٍ جريمةٌ لا تُغتفرْ          وقتلُ شعبٍ آمنٍ مسألة فيها نظر

وهذا كلّه يدلّ على فساد منظومة القيم في السياسة العالمية. وعلى أيّة حال، لا بدّ لنا كمسلمين من أن نعتبر ونتّعظ من طريقة الإدارات الغربية في التعاطي معنا، دولًا وشعوبًا، وحتّى حكّامًا وأفرادًا، عند حصول أيّ حدثٍ قد يمثّل حرجًا لهم فيما يتّصل بعلاقات هذه الدّول، أو بعناوين حقوق الإنسان التي تدّعي الإدارة الأميركية وغيرها الحرص عليها.

إنّ هذه الإدارة، وفي ضوء مواقفها من هذه الحادثة، تعمل على معالجتها بعين المصالح التجارية ومصالح الكيان الصّهيوني، ولا تستنكف من أن تعبِّر علناً عما تريده من نهب ثرواتنا عيانًا وجهارًا، أو النظر إلينا بلا مبالاة، إلا أن نكون البقرة الحلوب لمصالحهم، والزبون المناسب لشراء الأسلحة، شرط أن لا نستخدمها إلا في الصراعات الداخلية.

إنَّنا في هذه الظّروف، ندعو إلى مراجعة وطنية وعربية وإسلامية لكلِّ سياسات المرحلة السابقة، فبلادنا لن تقوم لها قائمة إذا استمرت في سياسات التبعية للدول الكبرى، وإذا حاول كلّ بلد أن يعزز حضوره ونفوذه على حساب إخوانه من دول الجوار، وهو ما لا ينسجم مع تطلّعاتنا الإسلامية والتحررية، وخصوصاً بعد أن أثبتت التجارب المرّة أنّه لا يمكن لدولة أن تستأثر بالمنطقة دون الآخرين، إن من خلال الدخول في صراعات التدمير الذاتي، أو الإبادة الجماعية، أو التآمر على بعضنا البعض، أو الاستنزاف لطاقاتنا المتنوّعة، وهو ما يخدم القوى الدولية المسيطرة.

إنَّنا نشدّد على ضرورة التعاون المشترك بين دول المنطقة، وتسخير مقدّراتنا من أجل حماية مصالح بلداننا، والعمل على تعزيز الحضور الإسلامي والعربي المشترك في مساحة قضايا المنطقة، والاعتماد على الرمزيّة الإسلامية العالية التي تمتاز بها بعض الدّول، من أجل تحقيق التقارب والوحدة فيما بيننا.

إنّ هذا يستدعي إيقاف الحروب في المنطقة، بدءًا من اليمن وسوريا، والعمل على إعادة السلم الأهلي إلى أكثر من بلدٍ يعيش القلق الداخلي، ولا سيما في البحرين، والعمل على إعادة الاستقرار إلى ليبيا وحمايتها من النّهب والسّلب الذي يجري على قدمٍ وساق، ووقف الانخراط في سياسة الحصار الممارَس على إيران، فلن يستطيع أحد أن يلغي أحدًا مهما طال الزمن!

إنَّ اتباع سياسة المصالحة بين دول المنطقة لتعزيز السلم الأهلي في كلِّ دولة من دولها، على قاعدة استيفاء كل مكونات البلد حقوقها، هذا الأمر يحفظ بلادنا ويبعدها عن الانسياق وراء خدمة المصالح الدولية التي لا تريدنا إلا هامش سياساتها واقتصادها وفي موقع الدونية والخضوع. ولا شكّ في أنَّ العودة إلى التضامن العربي والإسلامي أثقلُ في الميزان عند الله، إن كنّا حقًّا ندين بالمعاد، وهي أقربُ إلى كلّ معاني العروبة إذا رجعنا إلى قيم عروبتنا.

وفي الختام، نأمل أن يكون هذا المخاض في لبنان فرصة للتفكّر في الطريقة التي تُدار بها أموره السياسيّة، فيكاد يصير عُرفًا أن يتأخَّر تشكيل الحكومات، بما يُشعِرُ المرءَ بأنّ التفاوض على الحكومة بين كثير من القوى السياسية يجري على قاعدة التفاوض التجاري أكثر مما هو التفاوض من أجل مصلحة الشعب، مما لا يصل بالبلد إلى شاطئ الأمان، والذي نريد من الجميع العمل في هذا السبيل بعد أن تذلَّلت أكثر العقد، فلا يجوز بعد ذلك لاعتراض هنا أو هناك أن يجمّد تشكيل الحكومة...

 إنَّ الناس تنتظر قياداتها لتباشر بإنهاء ملف التشكيل لمواجهة مشكلات البلد الاقتصادية، بدءًا من المديونية العامة، وأزماتها المعيشية من الماء والكهرباء والتلوّث، وتأمين كل الوسائل التي تقي الشعب من السيول أو البرد، وتضيء عتمة الليل اليائس، وتسمح له بالحصول على الرزق الكريم، والتفكير بمستقبلٍ آمنٍ له ولأولاده، فضلًا عن تحصين البلد في مواجهة العدوّ الذي لا يزال يبعث برسائله التهديديَّة، وليس آخرها بناء تلال اصطناعية على الحدود مع فلسطين المحتلّة، والذي يبقى هو التهديد الاستراتيجي لكل المنطقة، مهما هرول المعترفون وطبّع المطبّعون. 

 

 

العالم العربي والعالم,السيد جعفر فضل الله, مسجد الحسنين, حارة حريك, خطبة الجمعة, بيروت
Print
جميع الحقوق محفوظة, قناة الإيمان الفضائية